“ذهب الفراعنة” حُلم الفقراء في صعيد مصر

كمال القاضي
حجم الخط
0

الفرار إلى الأحلام والأماني بات الوسيلة الوحيدة المتاحة لدى أهل الصعيد من جنوب مصر، حيث لا سبيل للتغلب على الشعور المتأجج لدى الغالبية من الفقراء بضرورة الحصول على الثروة إلا بالعثور على كنوز الفراعنة من سبائك ذهبية وحُلي الملكات والوصيفات، أو مقتنيات الملوك والكهنة والحاشية، ومع دوران حركة الأيام والسنين وتداول الحكايات والأساطير عن الكنوز الفرعونية المخبوءة تحت الأرض والمدفونة بحكم عوامل التعرية الجغرافية، عادت فصول رواية الجبل الشهيرة للكاتب الروائي الراحل فتحي غانم التي صدرت قبل سنوات طويلة تتكرر كما هي، فالولع بالثروة والركض وراء الغاية الجامحة لتحقيق الحُلم لم تنته عند حدود القص والحكي، وإنما صارت حقيقة راهنه يعتقد فيها معظم الجنوبيين من أهل الصعيد، لا سيما العاطلين منهم عن العمل من الصبية والشباب.

لقد كبرت الآمال وداعبت الأحلام خيال الطامحين نتيجة وجود عدد من المناطق الأثرية الشهيرة  وانتشار مقابر الفراعنة في محافظتي الأقصر وأسوان وقرية ساحل سليم وبعض الضواحي الأخرى، ما عزز الرغبة وجعل الحُلم بالثروة جزءا من تكوينهم وأملاً يتجدد باستمرار، ولا شك أن اشتغال السينما والدراما على هذا الجانب الاجتماعي والسيكولوجي كان له بالغ الأثر في تغذية الشعور العام بأن حُلم الحصول على الكنوز الفرعونية ليس مستحيلاً، وقد ناقش المخرج الكبير الراحل شادي عبد السلام في وقت مبكر القضية ذاتها في فيلم “المومياء” وهو أحد العلامات السينمائية المميزة في تاريخ السينما المصرية.

لقد تجاوز حُلم الثروة والثراء المفاجئ منطق الصدفة بالنسبة للباحثين عن الذهب فأخذوا ينقبون ويفتشون في باطن الأرض بيقين العارفين الدارسين للمشروع المستقبلي الكبير، وللمزيد من التأكد لجئوا للحيل والتعاويذ وسُبل الشعوذة والسحر فاستخدموا الزئبق الأحمر في تحضير الجن والعفاريت عبر الوسطاء من الدجالين ليدلوهم على الكنوز، وانتشرت الخرافة ورويت وما زالت تروى مئات القصص الوهمية عن العرائس والتماثيل الذهبية التي وجُدت في سراديب تحت البيوت القديمة والمناطق المهجورة والجبال، وبتأثير الوهم باعت نسبة من أهل القرى والنجوع في الصعيد ممتلكاتها البسيطة وضحت بمدخراتها لتقامر بثمنها في لعبة السراب والرهان على المجهول بضربة حظ محتملة.

وبتعدد الحالات وانتشار الشائعات زادت جرائم النصب والاحتيال وارتكن الشباب والكبار إلى الحُلم باليوم الموعود الذي يصبح فيه الكنز بين أيديهم ليتمكنوا من الزواج وتكوين الأسرة وضمان المستقبل وتأمين حياتهم.

ودخل الحالمون منعطفات الخطر بما اعتقدوا فيه، إذا تردد كلام عن أهمية تقديم القرابين وذبح الذبائح للوصول إلى مكامن الذهب الخالص ومقتنيات الفراعنة من عصي وتيجان وسيوف ورماح وخناجر ومفاتيح الخزائن ودروع ومعدات حربية وعربات وغيرها من أدوات التجميل الخاصة بالنساء وأقراطهم الذهبية وملبوساتهم، بخلاف البرديات والمخطوطات والرسوم، وقد تشكلت في ضوء هذا الهوس وفوبيا الثراء، جماعات وعصابات أوهمت الناس بإمكانية بيع وشراء المسروقات، وبالقطع ظهرت في هذا الإطار بعض القطع الأثرية المزيفة بين ما يتم ترويجه وتداوله في سرية تامة وبحذر شديد ينم عن إحساس مخيف بالخطر يمكن أن يودي بأرواح المغامرين من التجار والسماسرة.

واستلزمت هذه التجارة الممنوعة تعزيزات أمنية وإجراءات مشدده للحيلولة دون تضخم الظاهرة واتساع نطاقها، ولكن برغم كل الاحتياطات تظل الأحلام غير المشروعة تراود طائفة من الناس ممن يستبد بهم الجهل والشوق والتوق إلى الثروة فيسوقهم إلى مصائر الندم والخيبة ليواجهوا السجن أو الموت، أو يسافرون هرباً من جحيم الديون والمطاردات وينتهي بهم المطاف إلى هاوية التعاسة والجنون، بالضبط كما وصفوا في رواية الجبل سالفة الذكر لكاتبها الكبير.

 

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية