اكتشاف الفكرة الرئيسية في فيلم يقوم على الفانتازيا ويخلط بين الرؤية الواقعية للأحداث والتعبير الخيالي عنها، مهمة جد صعبة، فالمُتلقي ينتبه إلى الحدث الواقعي، ويتتبع الخيط الذي يربط بين الشخصيات والموضوع، وفي ضوء ما يصله من مُعطيات ومفاهيم يأخذ في التركيز على الإسقاط وما تحمله المُتباينات من صور درامية تدخل في إطار الفانتازيا، أو تقترب منها.
في فيلم «الحياة مُعجزة» للمخرج العالمي أمير كوستاريكا، تنطوي الأحداث على بعض المعاني النبيلة، حيث الرفض المُطلق للحرب العرقية، التي كانت مُشتعلة بين صربيا والبُوسنة على خلفية عقائدية وتمييز عنصري جدير بالإدانة، ويستوجب التوقف كثيراً أمام الأزمة الثقافية والإنسانية، التي أدت إلى تأجيج الفتنة والتحريض ضد الثقافة الإسلامية لكونها فقط مُغايرة ومُختلفة وترفض المعايير المزدوجة في التعامل مع الإنسان، أخذاً بالديانة أو العرق، وهي ذروة الأزمة في تصاعدها الرأسي، والتحول بفضلها إلى إحلال منهج الإبادة محل التفاهم للوصول إلى أرضية مُشتركة تدفع للتصالح بين الثقافتين المتضادتين، أو على الأقل تُوقف نزيف الحرب.

أمير كوستاريكا
ولأن السينما لا تقدم حلولاً، فإنها تكتفي بطرح المُشكلة أو القضية، وتترك للجمهور حرية الاختيار في ما يتعلق بالحكم على الموضوع، ورؤية تفاصيله من زاوية الإدراك الشخصي، وهو ما لفت إليه كوستاريكا النظر، في محاولة منه لتعميم مفهوم الحرية والتوصية، بتقليص مساحات الخلاف، مُعتمداً على مبدأ السخرية من الحرب، وتسفيه النظرة الصربية المُتعالية إزاء الآخر البوسني، فالبطل يعيش حياةً أسرية تقليدية يكتنفها الضجر من سوء التفاهم القائم بينه وبين زوجته، لكنه في الوقت نفسه يحرص أشد الحرص على سلامة الكيان الأسري، ويخشى على ابنه الوحيد من التجنيد في الجيش الصربي، والزج به في أتون الحرب العبثية المُندلعة لإبادة الجنس البوسني والتخلص منه. ولعدم إيمان البطل بجدوى الحرب العبثية يُبدي دائماً سخريته من كل شيء، ويرى أن أهم ما يستحق الاحترام في هذا العالم هو «الحمار» ذلك الحيوان المُتهم دائماً بالغباء، بينما هو في واقع الحال يُمثل قمة الحكمة والوداعة، ويدلل المخرج على وجهة نظر البطل بالعديد من المشاهد التي من شأنها إنصاف الحمار، وتغيير وجهة نظر البشر فيه، فمن دلائل تعزيز الرأي الإيجابي في الحمار أنه الوحيد المغلوب على أمره والصابر على مكارة الإنسان وعدوانيته، فهو يوقف قطار الحرب عنوة بثباته على قضبان السكة الحديد دون حراك في مشهد دلالي بالغ الأهمية في سياق الرفض للحرب العرقية والسخرية منها.
كما أن عناية المخرج واحتفاءه بالبيئة الريفية، يؤكدان رفضه لصخب المدينة وضوضائها، غير أنه يشير ضمناً إلى قسوة العواصم والمدن التي تُحاك فيها المؤامرات ضد العناصر السوية والمخلوقات المُسالمة. وقد ذهب إلى تشبيه تلك العدوانية بافتراس قطه شرسة لحمامة وديعة في مشهد صريح مفاده، أن قانون الحياة بات قريباً في ملامحه وطبيعته من قانون الغابة الذي يأكل فيه القوي الضعيف. وفي غمرة انحياز المخرج أمير كوستاريكا للحياة الريفية، نراه مُسهباً في استعراض الكائنات الريفية من حيوانات ودواجن، قاصداً تعزيز الفكرة وبلورتها، فضلاً عن تأكيد معنى إضافي وهو انفصال الإنسان الريفي الفطري عن قرارات الحرب العشوائية والانتصارات الزائفة للقادة، غير أنه أعرب عن تأييده الكامل لقصة الحب الناشئة بين الفتاة البوسنية المُسلمة والبطل الصربي، الذي نجا من التأثيرات السلبية للميديا وهاجس الاحتشاد للحرب، فالإعلام المرئي والمسموع متورط حسب رأي كوستاريكا في جريمة الحرب غير الإنسانية بترويجه لها ونقل أكاذيبها بلا أدنى محاولة للنقد الموضوعي .
لقد استخدم المخرج الموسيقى ضمن العناصر التأثيرية استخداماً قوياً وذكياً، إذ جعل العزف الصادر عن الآلات النحاسية غطاءً حياً للأحداث، بقصد الإلماح إلى المارشات العسكرية تارة والتعبير عن أجواء الفانتازيا والفرح المُصطنع من جانب الأبطال تارة أخرى، للدخول في عوالم مُغايرة بعيدة عن مخاوف الحرب ورائحة الموت وزلزال القنابل وغبار الرياح الحمراء المُنذرة بالهلاك.
هكذا وضع أمير كوستاريكا الحب في مواجهة الحرب، ضمن فرضيات الحياة المُعجزة في فيلمه الذي يحمل العنوان نفسه.
كاتب مصري