رئاسيات تونس: هل حسمتها الميديا قبل الصناديق؟ 

نزار بولحية
حجم الخط
0

الآن وقد انتهت أولى جولات السباق نحو قصر قرطاج، وبدأ الاستعداد حثيثا لجولة الحسم، وجد بعض التونسيين وحتى المراقبين الخارجيين الوقت لاستيعاب ما شكل في نظرهم صدمة وبدأوا يقتربون بالتدريج من فهم تلك القوة المخملية التي صنعت إلى حد كبير مثل تلك النتائج التي اعتبرها كثيرون مفاجئة وغير متوقعة بالمرة.

لقد حصل ذلك مع الخروج المتواتر لبعض أنصار المرشح الرئاسي الذي خطف الأنظار بكلماته ومواقفه وشخصيته التي لم تكن توحي على الإطلاق على أن هناك آلة إعلامية جبارة تقف وراءه وتسنده، وأعلنوا عن وجودهم كمركز ثقل لم يعد في مقدور أحد أن يتجاهله أو يستهين به وكأنهم أرادوا أن يؤكدوا أن مرشحهم ليس معزولا أو وحيدا في مواجهة القصف الإعلامي الذي بدأ يستهدفه منذ لحظة فوزه في الجولة الأولى. فبعد يومين فقط من الإعلان الرسمي عن النتائج الأولية للانتخابات، أطلقت بعض الصفحات المنسوبة لقيس سعيد المرشح الأبرز في جولة الإعادة التي لم يحدد موعدها إلى الآن، حملة على موقع فيسبوك استهدفت صفحة لقناة الحوار التلفزيونية الخاصة في الموقع ذاته بعد أن نسب للقناة أنها هاجمت سعيد ومناصريه وقدحت فيه وفي نجاحه، وكانت النتيجة هي ان ما يقرب من مليون شخص ألغوا اعجابهم بصفحة قناة الحوار التونسي في ظرف قصير نسبيا بحسب ما فاخر به المشرفون على تلك الصفحات. وكان ذلك أقوى إنذار يوجه لما ظل يوصف بـ”إعلام العار” أو الإعلام المعادي للثورة. ولم يكن خافيا في المقابل أن أكثر كلمة ترددت في الساعات الأولى من صباح الأحد الماضي في تونس أي يوم الانتخابات الرئاسية هي العزوف. وبالفعل فقد كانت نسب مشاركة الشباب مفزعة ومخيفة ومربكة من حيث ضعفها ما جعل النداءات تتهاطل في وسائل الإعلام الرسمية للحث على الذهاب إلى صناديق الاقتراع والقيام بما وصف بالحق والواجب في اختيار الرئيس. لكن من حكم في الاختيارات ومن رجح كفة مرشح على الآخر؟ هل فعلها الشباب الذي صوت في الساعات الأخيرة التي سبقت غلق الصناديق وكان هو من غير المعادلة بالكامل وحدد بشكل أساسي معالم الخريطة السياسية والانتخابية الجديدة؟ وهل أن جمهور وسائل التواصل الاجتماعي الذي كانت الشريحة الأكبر والأعرض منه من اليافعين والشباب هو من قلب الموازين بعيدا عن قناعاته أو معرفته بالأفكار والبرامج التي عرضها الفائزان في الاقتراع الأول؟ ثم هل أن المال الفاسد ووسائل الإعلام التقليدية والبديلة لم يكونا وسط كل ذلك سوى محرك تقليدي متقادم أمام ذلك المحرك القوي والحديث للاختيارات التي كانته تلك الميديا الشعبية الخارجة عن كل سيطرة أو ضبط؟

لقد وضعت كل قواعد المهنية والحياد والمساواة بين المترشحين في تلك الانتخابات على محك تجربة فريدة من نوعها لم يعرفها من قبل لا الإعلام العمومي ولا الخاص في تونس، غير أن الفائزين في الدور الأول لم يكونا لا مستفيدين منها ولا خاسرين أيضا، بل لعلهما لم يهتما أصلا لوجود أو غياب ما قد يعتبرناه حقا لهما في أن يسمعا صوتهما عبر وسائل الإعلام العمومي مثل غيرهما. لقد كان أحدهما وهو القروي، محروما من ذلك بحكم أنه كان سجينا وهي حالة كاريكاتورية فريدة، وكان الثاني مقصيا ومبعدا لحد كبير اللهم إلا من حضور المناظرة التلفزيونية الأولى من نوعها في تونس أو الحديث في بعض المقابلات النادرة مع بعض الإعلاميين. وما فعله الاثنان هو أنهما ركزا كل جهدهما في المقابل على وسائل وبدائل أخرى للتواصل مع قواعدهما وربما فهما وطبقا باكرا في سعيهما نحو ذلك المثل المأثور “خالف تعرف”. لكن هل كان يكفي أن تخالف لتعرف حتى تفوز في الدور الأول من انتخابات رئاسية وتكون مرشحا بارزا لكسبها في جولة الإعادة؟

لعل النتائج الأولية للاقتراع الرئاسي الذي جرى الأحد الماضي في تونس جاءت لتدلل على ان ذلك لم يعد في بلد عربي ظل لعقود طويلة أسير نمط وقوالب مكررة ومتماثلة كقوالب السكر بالأمر المستبعد تماما أو المستحيل بالمرة بعد أن تمكن مرشحان مخالفان للمألوف وخارجان عن السائد من بين أربعة وعشرين آخرين تقدموا للسباق الانتخابي، من ترويج بضاعة جديدة في السوق الانتخابي جلبت لهما حصادا وافرا من الأصوات ومكنتهما من المرور إلى دور سيقرر فيه التونسيون أي واحد منهما سيكون رئيسا للدولة. ولم يكن تمايزهما واختلافهما بالطبع هو السر الوحيد في سطوع نجميهما ولكنه كان على الأقل واحدا من بين أهم أسباب قد تفسر ما يبدو الآن في تونس ظاهرة يحار الخبراء والمحللون في شرحها أو فهمها وهي ما باتت تدعى بظاهرة قيس سعيد ونبيل القروي. ومع ذلك فان صعود الأكاديمي والملياردير واكتساحهما المفاجئ لصدارة النتائج أمام مرشحين آخرين من أحزاب قوية أو أمام شخصيات اعتبارية ذات ثقل رمزي بقي شبه لغز في تونس. لقد كان الأمر مفهوما إلى حد ما مع نبيل القروي رجل المال والأعمال ومالك قناة “نسمة” التلفزيونية الخاصة ولكنه بقي غامضا بعض الشيء مع قيس سعيد الأستاذ الجامعي الذي لم تكن وراءه “ماكينة” مالية ولا كان يسنده منبر إعلامي واسع الانتشار وبالغ التأثير مثل كان الحال مع منافسه.

الشباب صنع المفاجأة

ولكن هل حدد المال وحده وجهة الناخبين؟ وهل كانت الكلمة العليا لسحر الميديا وغوايتها وتأثيرها على عقول ونفوس الناخبين؟ أم أن الانتخابات التونسية جمعت المتناقضين معا أي قوة المال وضعفه وتمدد النفوذ الإعلامي التقليدي وانحساره في سلة واحدة وتركت الحسم بينهما مفتوحا؟ لا شك أن الأنظار ظلت مصوبة ظهر الثلاثاء الماضي نحو المؤتمر الصحافي للهيئة العليا المستقلة للانتخابات الذي تأخر لأكثر من ساعتين عن موعده المقرر وأعلن في ختامه عن النتائج الأولية للانتخابات والتي لم تكن لتختلف كثيرا عما أظهرته ليل الاقتراع استطلاعات الرأي التي نشرتها إحدى الشركات الخاصة. ولم يكن بوسع الهيئة المستقلة أن تفعل شيئا آخر كأن تؤكد مثلا ما تردد بقوة في الكواليس من حصول مفاجأة انتخابية مدوية بإسقاط واحد من المرشحين الفائزين في الاقتراع لارتكابه خروقات مالية جسيمة في حملته الانتخابية.

فقد كان مثل ذلك الآمر سيربك في حال حصوله العملية الانتخابية برمتها وربما يدخل البلد بأكمله في دوامة يصعب الخروج منها بسلام. غير ان الثابت هو ان رأس المال لعب دورا مهما في العملية وما زالت الشبهات تتردد إلى اليوم بقوة في أن المرشح الرئاسي نبيل القروي صاحب القناة التلفزيونية الخاصة “نسمة” والذي كان يقوم بنشاطات “خيرية” في المناطق الداخلية من تونس ويروج لها عبر قناته، قد استغل ذلك في الإعلان والدعاية لحملته الانتخابية. وكان من الواضح ان جمهور القروي ينحصر بشكل عام في ربات البيوت والسيدات غير المتعلمات اللواتي كن يتابعن المسلسلات التلفزيونية على قناة “نسمة” ونشاطات صاحب القناة الخيرية والإنسانية في الوقت نفسه. وعلى الطرف الآخر كان تمويل حملة المرشح الرئاسي الثاني قيس سعيد بسيطا ومحدودا للغاية ولعل هذا واحد من أسرار نجاحه. فالتونسيون عموما باتوا يتوجسون من الحملات الإعلانية باهظة الكلفة وربما ينظرون لأصحابها على أنهم غير جديرين بالثقة. ولعل الجمهور المستهدف من حملة سعيد وهو الشباب، كان أكثر من تزعجه تلك الحملات الباذخة التي يراها جوفاء ومليئة بالوعود الكاذبة.

لقد تجاهل الجميع قدرته على الوقوف مع رجل لا يتربع على عرش امبراطورية مالية وإعلامية، بل لا يملك إلا القليل من الموارد ويعرف كيف يوجه له خطابا واضحا وجذابا   بعيدا عن اللغة الخشبية المستهلكة. ولكن ذلك الشباب هو من صنع بالأخير المفاجأة أو ظاهرة قيس سعيد. فبأقل الموارد ومن دون الحاجة لا سأطين الاعلام أو لكبار المختصين في شؤون الميديا، كانت صفحات التواصل الاجتماعي هي البديل الذي دق المسمار الأخير في نعش وسائل الإعلام والدعاية التقليدية وأطاح بنفوذها وتأثيرها على   الناخبين وعلى الرأي العام. وهكذا ظهرت الصورة مليئة بالكثير من الدلالات لنرى في النهاية خلف المرشحين لجولة الإعادة جيلين مختلفين يتقابلان معا وهما الكهول والشيوخ وراء تلفزيون “نسمة” والشباب واليافعين وراء صفحات فيسبوك. أما من سيقول الكلمة الفصل، فربما ستفعلها الميديا كما فعلتها في الدور الأول ثم تتبعها الصناديق وتبوح بباقي الأسرار.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية