رئيس إيراني جديد في ظل الأزمات

صادق الطائي
حجم الخط
0

إجراءات تصفية قوائم المرشحين مصممة النتائج، أو تمت هندستها لينفرد بالفوز حجة الإسلام ابراهيم رئيسي المرشح المتشدد المقرب من المرشد الأعلى والحرس الثوري الإيراني.

في ظل التوترات والأزمات التي تجتاح المشهد الإيراني في قطاعات السياسة والاقتصاد والصحة، تم إجراء الانتخابات الرئاسية لاختيار الرئيس التاسع للجمهورية الإسلامية في إيران، وقد تنافس على المنصب أربعة مرشحين، ثلاثة محافظين وواحد مقرب من التيار الإصلاحي، بعد أن انسحب ثلاثة مرشحين قبل الانتخبات بوقت وجيز. إجراءات تصفية قوائم المرشحين للانتخابات الرئاسية التي قام بها مجلس صيانة الدستور طالتها الكثير من الانتقادات، وقد وصف المراقبون الانتخابات بأنها مصممة النتائج، أو تمت هندستها لينفرد بالفوز حجة الإسلام ابراهيم رئيسي المرشح المتشدد المقرب من المرشد الأعلى والحرس الثوري الإيراني.
وقد تمت انتخابات الرئاسة في ظل مجموعة أزمات تعيشها إيران، فالوضع الاقتصادي ما زال مترديا نتيجة تأثير العقوبات الاقتصادية التي فرضتها إدارة ترامب على إيران، كما ان تداعيات جائحة كورونا كانت شديدة الوقع على مختلف المجالات في الصحة والخدمات والاقتصاد، بالإضافة إلى التوترات السياسية وعدم الوصول إلى حلول نهائية مع مجموعة الدول «5+1» في مفاوضات فيينا حول البرنامج النووي الإيراني.
الإصلاحيون أبدوا أسفهم حول مقدمات الانتخابات عندما أبعد مجلس صيانة الدستور كل المرشحين الإصلاحيين من قائمة الترشح للانتخابات وفي مقدمتهم الإصلاحي اسحق جهانغيري نائب الرئيس الحالي حسن روحاني، ولم يبق في قائمة المرشحين سوى عبد الناصر همتي، محافظ البنك المركزي الإيراني وهو ليس إصلاحيا انما يمكن اعتباره مقربا من الإصلاحيين. لكن دعوات رموز الإصلاحيين مثل الرئيس حسن روحاني، والرئيس الأسبق محمد خاتمي، طالبت الشارع الإيراني بالمشاركة الكثيفة في الانتخابات، إلا إن هذه الدعوات لم تلق أذانا صاغية من الإيرانيين الذين اصيبوا بالإحباط من سياسات الإصلاحيين التي لم توصلهم إلى بر الأمان والانفراج الاقتصادي، بل عانى الإيرانيون من أعنف انهيار اقتصادي في تاريخهم المعاصر في ظل حكومة روحاني نتيجة حزم العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب على طهران.
كما ان تصفيات مجلس صيانة الدستور لن تشمل المرشحين الإصلاحيين فقط، بل شملت كل الشخصيات التي قد تنافس رئيسي، إذ تم استبعاد شخصيات من المحافظين ربما كان أبرزهم علي لاريجاني رئيس البرلمان الإيراني السابق ومحمود احمدي نجاد الرئيس الإيراني الأسبق. وقد كانت المشاركة الشعبية في الانتخابات ضعيفة، إذ لم تتجاوز نسبة 40 في المئة من جمهور الناخبين، بالمقارنة مع الانتخابات السابقة عام 2017 التي تجاوزت نسبة المشاركة فيها الـ 70 في المئة، ويعزو بعض المراقبين تدني نسبة المشاركة إلى دعوات المقاطعة التي أطلقتها حركات شعبية وجهات معارضة رفضا لما أسمته «انتخابات مخططة النتائج» من مكتب الولي الفقيه لإختيار ابراهيم رئيسي للجلوس على سدة الرئاسة.
الرئيس رئيسي
حجة الإسلام ابراهيم رئيسي، المولود في مدينة مشهد عام 1960 والذي يشغل منصب رئيس السلطة القضائية منذ عام 2019 وهو يمثل أحد صقور المحافظين، بدأ حياته في سلك القضاء مبكرا بعد أن أتم دراسته الدينية، وعمل في مناصب قضائية، ففي عام 1985 تولى منصب نائب المدعي العام في طهران، وفي عام 1989 شغل منصب المدعي العام للثورة الإسلامية في طهران ورئيس مؤسسة المتابعة والتفتيش العامّة.
إلا ان رئيسي لم يظهر سياسيا حتى عام 2017 عندما تنافس مع الرئيس روحاني في انتخابات الرئاسة السابقة لكنه لم يحصل إلا على 38 في المئة من أصوات الناخبين، مما أعطى لروحاني دورة رئاسة ثانية. ويشير عدد من المتابعين إلى إن رئيسي كان عام 1988 أحد القضاة الأربعة في ما اطلق عليه «لجنة الموت» التي كانت تقرر مصير الآلاف من معتقلي المعارضة الذين أعدموا عند انتهاء فترات محكومياتهم. وتعد تلك الإعدامات من الأحداث الأكثر سرية في تاريخ إيران ما بعد الثورة، ولم يتم التحقيق فيها رسميا قط.
لكن شعبية رئيسي الحالية تشكلت من حملاته العنيفة في محاربة الفساد، وإلقائه القبض على شخصيات كبيرة من وزراء ومسؤولين وأقارب مسؤولين بتهم الفساد وزجهم في السجن، هذا الأمر رسم صورة القائد النظيف الذي سيحارب الوضع المتردي في إيران، كما يشير بعض المراقبين إلى تقريب المرشد الأعلى علي خامنئي لابراهيم رئيسي وإلى انه الأكثر حظا في خلافة المرشد الحالي في منصب المرشد الأعلى، وأن تسنمه لمنصب رئيس الجمهورية هو إعداد وخطوة تمهيدية للوصول لمنصب المرشد سعيا على نهج الخامنئي الذي شغل منصب رئاسة الجمهورية لدورتين رئاسيتين من 1981 إلى 1989.

الانتخابات والملف النووي

ربما ينظر أغلب المراقبين إلى الملف النووي والمفاوضات الجارية في فيينا ويحاولون الربط بين الانتخابات وجولات التفاوض بين إيران والمجتمع الدولي، فقد سعت حكومة روحاني الإصلاحية إلى إعادة الولايات المتحدة إلى الاتفاق الذي انسحب منه الرئيس ترامب عام 2018 بعد فوز الرئيس بايدن بالانتخابات الأمريكية.
شروط التفاوض كانت صعبة بالنسبة لأطرافه، ووصلت في بعض جولاتها إلى مرحلة عض الأصابع بين طهران وواشنطن، فبينما يصر الإيرانيون على عودة أمريكية غير مشروطة للاتفاق القديم بعد ان يتم رفع العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب على طهران، تجد إدارة بايدن نفسها ازاء ضغوط توجب عليها الطلب من إيران تعديل بعض الشروط لإثبات حسن النوايا، ومنها ادخال أطراف إقليمية والترسانة الصاروخية الإيرانية ضمن الاتفاق، وبعدها سيصار إلى رفع العقوبات وتطبيق بقية شروط الاتفاق النووي.
ولم يعد سرا ضغوط المحافظين والحرس الثوري الإيراني باتجاه التشدد في مفاوضات الملف النووي، والكل يتذكر تسريبات وزير الخارجية محمد جواد ظريف التي اتهم فيها الحرس الثوري بالسعي لإفشال الاتفاق النووي.
كما يمكننا ان نشير إلى ما دار في مناظرات المرشحين للرئاسة قبيل الانتخابات، فقد أشار المرشح المقرب من الإصلاحيين عبد الناصر همتي إلى مسؤولية المحافظين في تصعيد التوتر مع الغرب، على خلفية تشددهم في المفاوضات النووية، وهذا الأمر أدى إلى تفاقم المصاعب الاقتصادية الإيرانية.
لكن همتي واجه هجمة شرسة نتيجة إشارته لهذه النقطة من مرشحين المحافظين الستة، كما هاجموا أداء الرئيس حسن روحاني بعد ثماني سنوات في السلطة. وقد هاجم مرشح الرئاسة محسن رضائي، وهو رئيس الحرس الثوري السابق وأمين عام تشخيص مصلحة النظام الحالي، المرشح همتي واتهمه «بالرضوخ الكامل» للعقوبات الأمريكية. وقال رضائي إنه ينبغي أن يواجه اتهامات بالخيانة. وأضاف نقطة خطيرة في حديثه عندما قال «إذا أصبحت رئيسا سأفرض حظرا على همتي وعدد آخر من المسؤولين بحكومة روحاني وأمنعهم من مغادرة البلاد، وسوف أثبت في المحكمة الأدوار الخيانية التي قاموا بها». هذه الإشارة دفعت عبد الناصر همتي للتوجه بسؤال لأبرز المرشحين المحافظين ورئيس السلطة القضائية إبراهيم رئيسي، إذ قال له مازحا «سيد رئيسي هل تعطني ضمانات بعدم اتخاذ إجراء قضائي ضدي بعد هذه المناظرة؟».
جولات التفاوض في فيينا
من جانب آخر ما تزال جولات التفاوض بين إيران والمجتمع الدولي مستمرة في فيينا، وقد صرح كبير المفاوضين الإيرانيين في فيينا عباس عراقجي يوم 18 حزيران/يونيو الجاري قائلا إن «المفاوضات أقرب إلى التوصل إلى اتفاق أكثر من أي وقت مضى» كما قال إنه متفائل كثيراً بحصول ذلك خلال فترة الحكومة الإيرانية الحالية. وأضاف إن «الاتفاق النووي لا يزال على قيد الحياة بسبب نهج إيران، وقد أحرزنا تقدمًا جيدًا وملموسًا، لكن لا تزال هناك بعض القضايا الأساسية التي تحتاج إلى التفاوض».
لكن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غرويس أوضح في حديث مع صحيفة «ال ريبوبليكا» الإيطالية، قائلا أن «الاتفاق يتطلب الإرادة السياسية لجميع الأطراف». وقال ردا على سؤال حول وضع محادثات إحياء الاتفاق النووي «الكل يعلم أننا في هذه المرحلة علينا انتظار الحكومة الإيرانية الجديدة». وأضاف «المناقشات التي استمرت لأسابيع تناولت أسئلة فنية معقدة وحساسة للغاية، لكن المطلوب هو الإرادة السياسية للأطراف» كما أشار وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن إلى موضوع العودة للاتفاق النووي قائلا إن «مثل هذه التصريحات هي أخبار جديدة بالنسبة لنا» وأضاف «في الوقت الحالي، أصبحت كيفية إحياء الاتفاق النووي بالكامل قضية خلافية بين إيران والولايات المتحدة».
والمحصلة النهائية في هذه النقطة هي إن على إدارة بايدن توقع أوقات عصيبة في التفاوض مع حكومة المحافظين المتشددة وفريقها الذي سيبدي تعنتا أكثر في جولات التفاوض المقبلة، وربما سيصل الأمر إلى أزمات قد ترسم تراجعا عن ما توصل له الطرفان حتى الآن.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية