وزير الاستثمار السعودي خالد بن عبد العزيز الفالح والوفد المرافق له أثناء استقباله في مطار دمشق الدولي في 23 تموز/يوليو 2025. سانا/ ا ف ب
دمشق- “القدس العربي”: كشف رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها، أيمن مولوي، لـ”القدس العربي”، أنه من المرتقب قريباً تشكيل الجانب السوري من مجلس الأعمال السوري–السعودي المشترك، ليكون بوابة للتواصل مع رجال الأعمال السعوديين في المجالات كافة، وليؤدي دوراً فاعلاً في جذب المزيد من الاستثمارات.
ورحّب مولوي بالنتائج التي انتهى إليها منتدى الاستثمار السوري–السعودي، الذي عُقد في العاصمة دمشق، الأسبوع الماضي، وأكد، في تصريح لـ”القدس العربي”، أن هناك مشاريع دخلت حيّز التنفيذ، مثل معمل الإسمنت، وأخرى قيد التنفيذ، مثل المشاريع المتعلقة بإعادة الإعمار والسياحة وغيرها.
زياد عربش: الشراكات السعودية التركية السورية ستلبي السوق المحلية، وسيُوجَّه الفائض نحو التصدير إلى السوق العربية والأوروبية
وفي خطوة تعكس تحوّلاً تدريجياً في العلاقات الاقتصادية بين سوريا والسعودية، شهدت دمشق، الخميس الماضي، انعقاد المنتدى الاستثماري السوري–السعودي الأول من نوعه، وسط حضور رسمي واقتصادي واسع من الجانبين.
عُقد المنتدى في قصر الشعب، وحضر حفل افتتاحه رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، أحمد الشرع، وترأس الوفد السعودي وزير الاستثمار، خالد بن عبد العزيز الفالح، وشارك فيه أكثر من 20 جهة حكومية سعودية، وأكثر من 100 شركة رائدة من القطاع الخاص في المملكة. وشهد توقيع 47 مذكرة تفاهم استثماري بقيمة 24 مليار ريال سعودي، ما يعادل 6.4 مليارات دولار أمريكي، شملت مجالات الصناعة، والطاقة، والبنية التحتية، والتطوير العقاري، والتقنيات المالية.
وتوقّع مولوي أن يظهر انعكاس هذه المشاريع على الحياة الاقتصادية والمعيشية خلال خمس سنوات، نظرًا لترهّل البنية التحتية في البلاد، مؤكداً أن سوريا بلد واعد في كافة المجالات، وخاصة في إعادة الإعمار والصناعات التي تنتظر التطوير على يد المستثمرين المحليين أو العرب والأجانب.
وتحدث مولوي عن استنفار حكومي لتحسين واقع الخدمات، وأشار إلى الجهود المبذولة في دمشق وريفها لتحسين واقع النقل وتخفيف الأعباء عن المواطنين، باعتبار أن هذه العملية باتت مكلفة جداً وتشكل عبئاً على السكان. وقال إنه تم مؤخراً تزويد شبكة النقل في دمشق وريفها بحافلات حديثة تقدم خدمات متطورة، وهذا جزء من العمل الجاري حالياً.
وأشار مولوي إلى أن العديد من المستثمرين السوريين عادوا وبدأوا العمل في سوريا، مشيراً إلى وجود تواصل مع عدد كبير من المستثمرين العرب للاستثمار في البلاد، مضيفاً: “الجميع متفائل في سوريا الجديدة”.
بدوره، أثنى الخبير الاقتصادي والأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة حلب، حسن حزوري، في تصريح لـ”القدس العربي”، على النتائج التي خلص إليها منتدى الاستثمار السوري–السعودي، خصوصاً في ما يتعلق بإعادة التوازن إلى قطاع توليد الطاقة الكهربائية، والمواقف التي ركّزت على هذا المجال، رابطاً ذلك بتدفقات الغاز الأذربيجاني المقرر انطلاقها بدءاً من السبت، وانعكاسات ذلك على مجمل الوضع الاقتصادي السوري.
وقال حزوري إن قدوم الغاز من أذربيجان سيكون له تأثير إيجابي على توليد الكهرباء، وبالتالي على الصناعيين وقطاع الخدمات بشكل عام، باعتبار أن الكهرباء هي العمود الرئيسي لكل الأمور الخدمية. وتابع: “ليس المهم أن يتم توريد الغاز، بل المهم انعكاسه على تحسّن الكهرباء حتى يكون له دور إيجابي في هذا المجال”.
وساعد رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا في إمكانية تقديم الدعم اللازم لها، خصوصاً في قطاعي الكهرباء والنفط والغاز الطبيعي، ما سهّل إنجاز عقود توريد الغاز من جنوب البلاد عبر الأردن، أو من شمالها عبر تركيا، وبتمويل قطري في الحالتين، بحسب ما كشفه موقع السفارة الأمريكية في سوريا، نقلاً عن السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الخاص إلى سوريا، توماس براك، الذي قال: “خالص الشكر لدولة قطر على تمويلها الكامل لمبادرة الغاز الحيوية لسوريا، فاعتباراً من 2 آب/أغسطس، سيبدأ تدفّق الغاز الطبيعي الأذربيجاني عبر تركيا لتوليد 800 ميغاواط من الكهرباء، ما سيوفّر الإنارة لنحو 5 ملايين منزل.”
وأضاف براك أن هذه خطوة عميقة نحو التخفيف والاستقرار في لحظة حرجة، وتجسيد جريء للشراكة والصداقة من قبل قطر وقيادتها.
الأكاديمي والمستشار الاقتصادي، زياد عربش، اعتبر أن عقد المنتدى السوري–السعودي في دمشق يُعد بمثابة حدث تاريخي، وهو الثاني من نوعه منذ سقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر، بهذا الوزن، بعد رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا منذ نحو شهر ونصف، وبجهود من المملكة العربية السعودية أيضاً.
وبيّن عربش أنه تم وضع إطار تعاقدي لكل مشروع تم توقيع اتفاقيته، بحيث يضمن الحفاظ على الاستثمارات السعودية وحماية المستثمرين، مقارنة ببيئة تشريعية أو تعاقدية عامة غير جاذبة. كما تم توقيع مذكرة لحماية الاستثمارات المشتركة، خصوصاً في ما يتعلق بإدخال الأموال وإخراج الأرباح، وغيرها من الضوابط القانونية التي تطمئن المستثمر السعودي، مشدداً على أن المملكة، وبتوجيه من ولي العهد، ترغب في دعم سوريا بكافة الجوانب، وانتشال اقتصادها من الركام.
وأوضح عربش أن الوفد السعودي كان يغلب عليه طابع القطاع الخاص، الذي يتمتع بمرونة، ولديه خبرة في منطقة الخليج والعالم العربي. وكان الهدف من إقامة الشركات المشتركة ليس فقط السوق السورية، بل السوق العربية ككل، لأن المملكة، سواء ضمن مجلس التعاون الخليجي أو منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، تستهدف 420 مليون مستهلك في المنطقة.
وأشار إلى أن أي إنتاج يتمتع بالتنافسية العالمية سيدخل الأسواق العربية بسهولة، وسيكون الأمر أفضل إذا نشأت تحالفات إستراتيجية مع تركيا، التي ترتبط مع الاتحاد الأوروبي باتحاد جمركي، ما سيتيح إضافة 350 مليون مستهلك آخر، على اعتبار أن الشراكات السعودية–التركية–السورية ستلبي السوق المحلية، وسيُوجّه الفائض نحو التصدير.
الاستثمار المشترك لا يتم فقط عبر توافق المصالح الخاصة، وإنما نتيجة رغبة البلدين في إنقاذ الاقتصاد السوري المتهالك وسحب الذرائع من القوى العنفية
وأكد عربش أن المملكة ترغب في أن تكون شركاتها رائدة في السوق السورية، كما تسعى، على المستوى الكلي، لأن تلعب دور “المغناطيس الجاذب” للشركات الأخرى، سواء من الدول العربية أو من خارجها، معتبرًا أن دخول أي شركة إلى سوريا هو إشارة إيجابية تُطمئن الشركات الأخرى.
وذكر عربش أن العمل الاقتصادي في سوريا محكوم بعدة قوانين، ومن هذا المنطلق تم التوقيع على اتفاقية لحماية الاستثمارات المشتركة، ريثما تتم إعادة هيكلة البيئة القانونية الناظمة للاستثمار، خاصة أن سوريا اليوم تخضع لعشرات القوانين التي تنظم كل شيء من توظيف العمال إلى تحريك الحسابات وإدارة القطع الأجنبي إلى الرخص، وهو ما قد يعوق الاستثمار أو يضيف تكاليف وأزمنة إضافية تجعله غير مجدٍ.
واعتبر عربش أن حضور الرئيس أحمد الشرع المنتدى أعطى إشارة واضحة إلى أن الاستثمار المشترك لا يتم فقط عبر توافق المصالح الخاصة، وإنما نتيجة رغبة البلدين في إنقاذ الاقتصاد السوري المتهاوي، وسحب الذرائع من القوى العنيفة التي تسعى للعودة بالبلاد إلى حالة النزاع.
وأشار إلى أن المملكة العربية السعودية تريد الاستقرار، ليس فقط في سوريا، بل في الإقليم بأسره، ومن خلال المدخل الاقتصادي. وشدّد على أن السعودية جادة في توجهها السوري، وقد قطعت شوطًا كبيرًا، حيث دخلت بكامل ثقلها مع القوى الاقتصادية الفاعلة في سوريا لبناء شراكات إستراتيجية، والتعبير علنًا وبمظاهر احتفالية عن هذه الاتفاقيات.