«ما هي مصيبتنا نحن الدنماركيين؟» تساءل يوما شاب يدعى كلاوس ماير.
«لم يكن في وجبتنا اليومية عاطفة أو اهتمام أو فخر أو إخلاص، ولا علاقة لها بثقافتنا وهويتنا أو بأهل البلد وفلاحيه، حيث كان أغلب الطعام مستوردا. كان هناك انقطاع هائل على كل المستويات».
انطلاقا من هذا السؤال بدأت رحلة كلاوس، التي جعلت منه شخصيّة ثقافية وعالمية: بروفيسور، وناشط ورجل أعمال ولد عام 1963 في إحدى أكثر المناطق فقرا في الدنمارك، وفي رأيه أن بلاده، وعموم الدول الإسكندنافية، لم يكن فيها مطبخ حقيقي يقدم مآكل شهية، ويعزو ذلك لأسباب دينية، حيث أن مسيحيي تلك الأصقاع (وهم من البروتستانت) كانوا يعتبرون الأكل الطيب المذاق خطيئة دينية، مثل السرقة والسفاح والكحول، ولذلك كان أكل طبخ سيئ الطعم وسيلة لإرضاء الرب، وفاقم الأمر بعد ذلك أن النساء خرجن للعمل وقدّمت المصانع وجبات رخيصة للطهي السريع. في فرنسا، حيث تبنّته عائلة طاه وصاحب فرن للمعجنات، اكتشف كلاوس ارتباط الأكل بالمتعة والحب والمكونات المقبلة من الطبيعة والبلاد نفسها وتساءل: ما هي المشكلة الكبيرة مع الدنمارك؟
الهويّة عبر الطعام
عاد كلاوس إلى بلاده بمهمة كبرى: إعادة ربط الأمة بهويتها عبر الطعام، ومن عرض الأكل على الناس في الشوارع إلى تأليف الكتب والظهور على التلفزيون، بدأت المهمة المستحيلة بالتحول إلى واقع. أسس مدارس للطبخ ونشر كتبا غير أن أكثر أفكاره خطورة كانت تأسيس مطعم فيه قائمة طعام مختلفة جذريا. ذهب إلى المناطق البرية وفتش عن أنواع الخضار والفواكه واللحوم، باحثا عن التنوع الذي خسرته البلاد، حيث من 700 نوع من التفاح بقيت 10 أنواع فقط. نجح مطعمه المسمى «نوما» (طعام الشمال) (الذي كلف 12 ألف يورو وحسب) نجاحا هائلا، فحصل على جائزة أحسن مطعم في العالم عام 2010، وزادت صناعة المطاعم الشبيهة في الدنمارك والنرويج 25% خلال 4 سنوات، وتحوّل المطعم، بل البلاد كلها، إلى «براند» عالمي يحتذى به، وإلى ظاهرة تدرسها الجامعات والحكومات ومؤسسات صناعة الطعام والمطاعم، وساهم في اجتماع لمجموعة كبيرة من أشهر الطهاة في العالم، أخرجوا وثيقة تلتزم بنقاط كثيرة منها، خلق مطبخ قريب من الطبيعة ومضيء وطازج، وبدعم التنوع البيئي والتكنولوجي، لمواجهة شركات «الجنك فود» الكبرى، ومن بلاد ليس فيها مطبخ تحول المطبخ الإسكندنافي إلى أحد أكبر المؤثرات في العالم.
لم يكتف كلاوس بإسكندنافيا فانتقل إلى بوليفيا، وأسس مطعم «غوستو» الذي يحتفي بالمكوّنات البوليفية الخاصة بأمريكا اللاتينية، وتدخل في أطعمته مكونات من جبال الأنديز وغابات الأمازون (كبيرة الطهاة فيه اسمها مارسيا طه محمد سلاس). المطعم قدّم ورشات لتعليم الطبخ ونشر الفكرة في أنحاء بوليفيا، وبعد ذلك انتقل كلاوس إلى بروكلين، نيويورك، التي اختارها لأن الكثافة السكانية فيها عالية ونسبة البدانة والسكري وأمراض القلب والموت المبكر مرتفعة، ولا وجود لمطاعم صحية وساهم مطعمه هناك في خلق فرص عمل وتأسيس مشروع ثوري جديد يرتكز على المكونات الكاريبية والإفريقية التي تعكس جذور السكان، وبعدها انتقل إلى ويلز في بريطانيا حيث اجتمع بمسؤولين حكوميين وأساتذة جامعيين ورؤساء مؤسسات صناعية وطهاة لنشر الفكرة الثورية.
بدأنا في العصر الحديث نشهد أبعادا خطيرة للعلاقة بين الطعام والبشر، ومنها تناقص التنوّع البيئي بشكل كبير، بسبب سيطرة الدول والشركات الكبرى واستخدامها الهندسة الجينية، واقتصارها على قائمة متراجعة من الحبوب والبذور.
Cook for Syria
من الظواهر المهمّة ضمن هذا السياق كان مشروع «أطبخ من أجل سوريا» Cook For Syria الذي بدأ بناد صغير يدعى «نادي سوريا للعشاء»، أسسته الصحافية سيرينا غوين، التي كانت قد عملت سابقا في مشروع «نيكستجين» التابع لمنظمة الأمم المتحدة لحماية الأطفال (يونيسيف)، الذي يعمل على إيجاد حلول علمية لقضايا الجوع في العالم. سيرينا دعت صديقا لها معروفا في وسائط التواصل الاجتماعي باسم كليركنويل بوي، وشريكة ثالثة هي جيما بيل، وبذلك ولدت ظاهرة «أطبخ من أجل سوريا» حيث التقت، في البداية، مجموعة من الناس للاحتفاء بالمطبخ السوري ولجمع بعض المال لدعم منظمة اليونيسيف في حماية الأطفال السوريين. الاجتماع الصغير تم تسويقه بنجاح على «أنستغرام» وانتشرت الدعوة لتنظيم فعاليات مشابهة تستخدم وصفات ومكونات سورية في الطعام، لتصبح ظاهرة عالمية شارك فيها قرابة 100 مطعم ونادي طبخ، تقوم بفعاليات في فرنسا وهونغ كونغ وأستراليا والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، ويشارك فيها كبار الطهاة في مطاعم شهيرة، وكذلك في نوادي عشاء في بيوت الناس أنفسهم، وتصدر كتبا وأدت الحملة حتى الآن إلى جمع قرابة 4 ملايين جنيه إسترليني.
قصة ماجدة خوري
ماجدة خوري هي من الشخصيات العربية المثيرة حقا للانتباه في هذا المجال، فهذه السيدة التي بدأت علاقتها بالثورة السورية من محاولة إطعام اللاجئين. وعلى حد قولها: «لأنني امرأة مسيحية ثرية كنت أستطيع عبور نقاط التفتيش، كي أهرب الخبز لإطعام الناس. لم أستطع أن أشاهدهم يموتون جوعا». هذه العاطفة الإنسانية البسيطة أدّت لاعتقالها وسجنها في سوريا عام 2013، ثم إلى تحوّلها إلى لاجئة هي بدورها في بريطانيا، حيث عاشت فترة مع زوجين من فرنسا وإيطاليا، ومعهما كانت مطابخ فرنسا وإيطاليا وسوريا تتنافس، وبعد أن سُمح لها بالعمل لجأت خوري إلى الطعام لتشق طريقا لنفسها، ولتتابع العمل من أجل الناس الذين سُجنت لأجلهم. بدأت بمحاولة شرح ما يحصل في سوريا وهو ما أدّى إلى بعض الإحباط، فاكتشفت بعد ذلك أن الطريقة المثلى للوصول إلى الناس كانت بتدريس حصص لتعليم المطبخ السوري، ثم الانضمام إلى مجموعة من اللاجئين معنية بالطبخ، تديرها منظمة خيرية، والمشاركة وتنظيم فعاليات، لتكتشف أن وجبات الطبخ تمنحها فرصة حقيقية للحديث والاستمرار في نشاطها الحقوقي والسياسي. إحدى التجارب التي تقدّم ثقافة المطبخ السوري بدون جرعة مباشرة من السياسة كان برنامج «طباخ روحو» الذي قامت بعرضه قناة «أورينت»، وهو يحاكي قصص اللاجئين السوريين من خلال الطبخ، بلمسة من الدراما تسرد فيها كل أسرة حكايتها والتحديات التي خاضتها من خلال إعداد طبخة تحبها، وقد حرص البرنامج على اختيار طبخات قديمة، وبعضها يحمل الروح الفكاهية لسكان الشام، كما هو «طباخ روحو» و»ستي ازبقي»، و»داود باشا وعساكره»، وكذلك الطبخات التي تحتاج مواد بسيطة ومتوفرة لدى العائلات المحاصرة.
ماكدونالدز و»مطبخ المقاومة»
لقد بدأنا في العصر الحديث نشهد أبعادا خطيرة للعلاقة بين الطعام والبشر، ومنها تناقص التنوّع البيئي بشكل كبير، بسبب سيطرة الدول والشركات الكبرى واستخدامها الهندسة الجينية، واقتصارها على قائمة متراجعة من الحبوب والبذور (بعضها يحمل شيفرات جينية خاصة لا يمكن علاج أمراضها إلا عبر الشركات نفسها). لقد اندحرت الهويّات الثقافية لأطعمة الشعوب والأمم أمام مطاعم الأكل السريع «ماكدونالدز» و»بيتزا هت» و»كينغ برغر» إلخ، بل إن الكوكب ومناخه برمّته صار مهددا بسياسات التلوث وتجاهل احترار الأرض. لهذه الأسباب كلّها اندفع أشخاص مثل الكاتبة أندريا غرايمز لإنشاء ما سمته «مطبخ المقاومة»، وحتى أسماء وصفاتها تحمل معاني سياسية، مثل «سلطة آخر صيف على كوكب الأرض»، وهي تقول إن ما نتناوله من أكل يمكن أن يستخدم كأداة ثورية أيضا، كما أن ناشطة مثل لورين نكسون، تعتبر ورشات تعليم الطبخ، والفعاليات السياسية التي يكون الطعام عنصرا أساسيا فيها، واجتماع الناس لتناول أكل صحي وعضوي أدوات للمقاومة.
٭ كاتب من أسرة «القدس العربي»