رائدة طه في مسرحية «شجرة التين» تواصل حفر جذور انتمائها لمكان ولادتها

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي»: عرض وحيد لـ«شجرة التين» في مسرح المدينة قدمته الكاتبة والممثلة رائدة طه. أهدته في ختامه تحية لأرواح الشهداء، الذين استبسلوا في الدفاع عن نابلس، وآزرها الحضور في الهدية فعلا بالتصفيق الحار. هذا العرض المسرحي قدّمته طه العام الماضي في مخيمات اللجوء في لبنان. أرادت الحضور إلى ناس فلسطين في المخيمات فتواصلت مع الأجيال الجديدة، وكبار السن الذين عبروا الحدود إلى لبنان. تلك العروض تركت اثراً في المخيمات، سيما من خلال النقاشات التي كانت تليها.
إذاً في «شجرة التين» العرض المستعاد لرائدة طه تواصل النكش في الجذور والإنتماء والوطن والحلم المغتصب. في عمر الثالثة حين غادرت مدينتها ومسقط رأسها القدس، بعد احتلال شرقها سنة 1967. غادرت وبرفقتها ذكريات بينة، واضحة المعالم، وإن لطفلة ذكريات تسري في عروقها سوياً مع دمها، تفوح منها الروائح العطرة، ويرشح منها قطر التين، وزوم التوت اللذيذ، ورائحة الفستق السوداني وبائعه الطويل والنحيل.
ذكريات تؤلم رائدة طه، هي التي عبرت نهر الأردن يحملها والدها مع اختيها ووالدتها فتحية بعد حزيران 1967. لم تطل الإقامة. شلحتها أحداث أيلول/سبتمبر سنة 1970 إلى بيروت. فقدت والدها علي طه سنة 1972 في عملية فدائية. إذاً هي طفولة تفيض بالتراجيديا والإقتلاع، فحينها لم تكن تدرك معاني أو مسببات كل تلك الأحداث الجسام.
في «شجرة التين» مزجت رائدة طه بين الأساس، وهو فلسطين والقدس السليبة، وكانا طوال العرض قمة تعلو وتتهادى، أو تحتفظ باندفاعتها. ما تفرع عن هذا الحدث الدرامي من حكايات عائلية وإنسانية وأحداث سياسية، ترك أثراً بليغاً في حياة أجيال من الشعب الفلسطيني، وفي رائدة طه حفر بليغاً.
هي رحلة في رفقة رائدة طه إلى القدس التي «عيوننا إليها ترنو كل يوم»، تدخلنا بحميمة إلى دارة عائلتها، تعرّفنا إلى جدّها الأفغاني الحاج والي، والزاوية الأفغانية، وخالها خالد وشجر التوت والتين، وروائح الياسمين والنرجس والورد الجوري. وتبقى الزاوية الأفغانية القريبة من منزل عائلتها بوصلة في حضورها مجدداً إلى مسقط رأسها. أما عمّتها عبلة فهذه حكاية أخرى تصلح لفيلم سينمائي عن الصبر والتصميم، هي التي ذاقت كافة صنوف التعذيب الصهيوني «وما اعترفتشت».
حضور رائدة طه في عرض مسرحي مونودرامي «شجرة التين» تنوع بين الذاكرة التي تركت ندوباً في شخصية الفنانة وشخصية اللاجئ الفلسطيني بشكل عام، معطوفاً على بعض من الكوميديا المرّة، وبخاصة واقعة زواجها في رام الله، بعد اوسلو، وما تخلل هذا الزواج من حضور طبيعي لبعض القيادات وبخاصة الراحل أبو عمار، الذي عملت لسنوات مستشارة صحافية له. لوّنت رائدة طه نصّها بداعبة ومقارنات بين العرس والحالة الفلسطينية التي طبعتها مرحلة الثورة، وفي السياق باحت ببعض من نقد كوميدي توزع حيث يجب.
مع كل تلك الأحداث الكبيرة والعودة إلى القدس تبوح: لما رجعت ع القدس رجعت وقلبي فاضي… حفرت بأظافري جذور انتمائي وأسموني رائدة العائدة… رجعت ع البلاد سنة 1994.. ورحت شوف باب الزاوية الذكرى الوحيدة لروحي التائهة..».
للقدس 15 باباً عرّفتنا عليها.. لكن صوابها طار عندما وصلت دار جدها ووجدت الباب من حديد. فأين الباب الخشبي العتيق؟ فقدان الباب تفصيل بنظر البعض، ومؤثر جداً لدى طه.
كم صحيح اعتراف رائدة طه؟ «بالقدس تركت قسما مني ما راح يرجع». صحيح نعم، فالتواصل العاطفي الإنساني يبحث عن استمرارية، بتره قسراً كما حصل مع عدد كبير من الشعب الفلسطيني يخلّف جرحاً ينزف. مع مظلة الإحتلال واوسلو لن يبرأ جرح.
فنياً، حرفة رائدة طه في الكتابة المسرحية وفي الحضور على المسرح تكتسب المزيد من النضوج والتأثير، هي التي انطلقت في الأساس من نقطة احترافية بامتياز.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية