غداة أحداث مصر المؤسفة التي اطاحت بالتجربة الديمقراطية تداعت الأوضاع بصورة لافتة في أكثر من بلد من دول الربيع العربي، وانتابت هذه البلدان عدوى غير مبررة وحالة من الترقب والبلبلة وتسارعت الفتن وكأنهم يحتفلون بوأد ديمقراطية اكبر وأهم دولة عربية، بعد ستة عقود من حكم العسكر. لقد أفرزت حالة مصر المؤسفة مخاضاً جديداً في تلك البلدان وسادتها حالة من القلق مما يثير الكثير من التساؤلات حول مدى إمكانية تكرار السيناريو المصري في أكثر من بلد عربي، ومردُ ذلك خوف إقليمي ودولي وإشاعة ‘ فُوبيا الإسلاميين’. ومن هنا نرى حجم الإدانة من قبل قوى وهيئات ديمقراطية وكذا مواقف بلدان ووسائل إعلامية لما آلت اليه الأمور من انتهاكات واضحة لحقوق الإنسان، وإن كانت له آثاره السلبية على جميع الأحرار في العالم الذين يرفضون الانقضاض على الديمقراطيات والأنظمة المنتخبة وينشدون احترام خيارات شعوبهم وعدم مصادرة آمالهم في الدولة المدنية، فتلك الإخفاقات الأمنية ما هي إلا بمثابة إنذار واضح بأنه لا بديل عن الشرعية، خاصة إذا كان الهدف هو بناء مجتمع ديمقراطي يقوم على المشاركة، وليس الإقصاء واحترام تضحيات الشعوب. وعندما تبُدل ديمقراطية الربيع العربي أمل الشعوب المقهورة بزخات الرصاص وعودة محاكم التفتيش، فان ذلك أسوأ من عهود الديكتاتوريات نفسها، ذلك أن تلك الشعوب ذاقت حلاوة الحرية وانطلاق الكلمة وإبداع الأفكار الخلاقة! والمتهم الاول في كل تلك البلدان هو’الإسلام السياسي’. فمخاطر غياب الديمقراطية الوليدة في تجارب بلدان الربيع العربي يعني بداهة إطالة عمر الفترة الانتقالية، ففترة انتقالية ترد أخرى وكأنها ملهاة مقصودة لتأخر مسيرة التنمية في تلك البلدان، وبالتالي تحول هذه المرحلة إلى أداة للمزيد من الاستقطاب السياسي والمذهبي، وهو الأمر الذي يوفر مرتعاً خصباً للانقسامات في بنية المجتمع وبصورة واسعة وكارثية، مما يستدعي بداهة العودة لحكم العسكر، وهذا هو جوهر تلك التحولات المريعة. في اغلب بلدان الثورات العربية تتداعى مخاوف من محاولات عودة الأنظمة السابقة المطاح بها على أكتاف العسكر، وخصوم من يسمون بالإسلاميين، فإذا كان العذر في مصر أن الإسلاميين كانوا يحكمون ( وهذه ليست جريمة) فقد كان ذلك في إطار اللعبة الديمقراطية التي اقر بها الجميع. وفي تونس يشكل الإسلاميون احد عناصر الحكم في ما يعرف بالترويكا، بينما في اليمن الإسلاميون لا يشكلون إلا جزءا يسيرا من الحكومة الائتلافية، ومع ذلك تقوم الدنيا ولا تقعد منطلقين من عقدة الإقصاء ويروجون لفكرة الاجتثاث، مع أنهم الحاكمون الفعليون، فتجمع الإصلاح في اليمن ليس حزبا إسلاميا، فالإخوان فقط احد مكوناته الأساسيين فهو تجمع فئات وقوى أخرى، كالتجار وبعض النخب المثقفة وواجهات اجتماعية بحسب طبيعة المجتمع اليمني، وكل هؤلاء يشكلون احدى مفردات كيان سياسي غير متجانس ‘احزاب اللقاء المشترك’، وجميعهم لا يمثلون سوى أقل من نصف الحكومة الائتلافية، التي لازال نصفها مع رئيس الجمهورية في النظام السابق فعلى مَنْ الانقلاب؟ بينما في اليمن لازالت أدوات النظام السابق نفسها تسيطر على المشهد اليمني من رأس النظام حتى آخر محسوب عليه، ولذا فان خطورتهم أكثر قوة من أي تجربة عربية أخرى. والمضحك المبكي أن البعض يخشى من مغامرة انقلابية في اليمن بذريعة استتاب الأمن و’عودة الأمور إلى نصابها’ وكأن اليمن قبل عامين كسويسرا في الأمن والرخاء ورغد العيش، فسوء الأحوال اليوم وبالأمس بداهة نتاج تراكمات ثلث قرن من الفساد المُطلق لأسوأ نماذج الأنظمة العربية المطاح بها، اقلها غياب الدولة المدنية، والغريب ان هناك استفتاء في شبكة التواصل الاجتماعي يقول: هل ستكون مع الانقلاب إذا جرى في اليمن ام ضده؟ وقد وضِع السؤال المفترض من دون أن يسأل واضع السؤال نفسه من يحكم الان أليس العسكر؟ أوليس هو لا من حزب الرئيس السابق الذي نصفه يحكم والنصف الآخر يعارض شريكه في حكومة الائتلاف! ولديه من الأجهزة الإعلامية ومن الإمكانيات ما ليس لدى الدولة نفسها، هذا فقط احد نماذج الاستخفاف بعقول الشعب، وهي من سخريات ومفارقات الربيع العربي في نسخته اليمنية، ففي مصر كان يحكم رئيس مدني قبل أسابيع والعسكر هم من انقلب عليه، بينما في اليمن رئيس عسكري توافقي لم يأت على أنقاض نظام سابق، كما هو في كل بلدان الربيع وكما يتصور لمن هم خارج المشهد السياسي اليمني، فالنظام الحالي خرج من رحم سابقه ولم يسلم الحكم إلا بعد مماطلة وإلى ‘أياد أمينة’ وها هم اليوم يخططون لإزاحة هذه الأيادي، فكيف كان سيكون الأمر لو سلمت لأياد غير أمينة ‘من وجهة نظرهم’؟ بداية الارتداد على الديمقراطية في الفكر السياسي العربي المعاصر سنتها لأول مرة المؤسسة العسكرية الجزائرية، التي نتجت عنها حرب أهلية لخمسة عشر عاما، بحيث أصبح الكل يحارب الكل ولا يعلم المرء بأي ذنب قتل ومن ذلك فاتعظوا. نحن نمر بمرحلة تسويق وترويج أفكار وإشاعات وإيجاد المسوغات للقبول بحكم العسكر في أكثر من بلد عربي، ومن يسمون أنفسهم بالليبراليين والعلمانيين فربما البعض لا يدرِك معنى هذه الكلمة، وإنما فقط تجمعهم المصالح والأنانية وعقدة المشاركة وإقصاء الآخر. وفي ضوء تسارع الاحداث وتلاحقها في مسلسل درامي مؤسف لعدد من بلدان الربيع العربي لا يُمكن أن يتم من دون موافقة ومباركة الدول العظمى، تمهيدا لتأسيس شرق أوسط جديد، خصوصا بعدما اقتنعت واشنطن وحلفاؤها في الغرب بأن ما سمي بالإسلام السياسي قد أدى دورة المرحلة بفشل مصطنع، او بالأحرى أفضل واستنفد أهدافه غير المعلنة. وفي حال نجاح النموذج الانقلابي المصري الجديد سيعطي مسوغاً ودعماً لبلدان عربية أخرى، بالنظر لثقل مصر في المنطقة، بدليل تسارع الاحداث في كل من تونس ثم ليبيا وحتى اليمن فقد تداولت مؤخراً مقولة تقول ‘العاصفة في مصر وغبارها في اليمن’.