رحلة إلى مصر

منذ سنوات قرأت أكثر من كتاب لبعض الكتاب الأوروبيين عن رحلاتهم إلى مصر.. في العام الماضي قمت بترجمة كتاب «رسائل من مصر» للكاتبة والمترجمة الإنكليزية لوسي دوف غوردون. وهو كتاب يضم رسائلها إلى زوجها وأمها عبر سبع سنوات 1862-1869 حين أتت لتعيش في مكان دافئ للاستشفاء من مرض السل الذي أصابها.
في رسائلها كثير مما لا يعرفه الناس عن عصر الخديوي إسماعيل، من عسف للمصريين وظلم، وأيضا الكثير من الجمال والروعة عن المصريين وحياتهم. جعلني الكتاب أتوق إلى قراءة أخرى لكتب مما سبق، قرأت أو لم أقرأ. وقع في يدي كتاب مُترجم هو «رحلة إلى مصر» من تأليف تيويفل جوتييه، ترجمة الروائي وكاتب السيناريو والمترجم المغربي محمد بن عبود، ومقدمة الشاعر والمترجم والباحث كاظم جهاد، نشر مشروع «كلمة» في أبو ظبي.
أدركت من اسم المؤلف والمترجم وكاتب المقدمة والناشر أنه كتاب مهم، ولا بد سيكون ممتعا. تيوفيل جوتييه معروف أنه من أقطاب الحركة الرومانتيكية في فرنسا في القرن التاسع عشر. كتب القصة والرواية والشعر والمسرح، ومن أهم أشعاره «ملهاة الموت»، ومن أهم رواياته «المومياء»، وله دراسات ومقالات في كل الفنون، مسرحا أو موسيقى أو باليه أو فنا تشكيليا. مقدمة كاظم جهاد ضافية جميلة عنه وعن الكتاب. تيوفيل جوتييه هو الكاتب الذي أهدى إليه بودلير مجموعته الشعرية «أزهارالشر»، ورثاه بعد موته فيكتور هوغو ومالارميه.
إنه الرجل الذي كان حين يزور الشرق يمشي فيه بملابس ابنائه، ويجلس مثلهم ويأكل مثلهم، وينفتح بقلبه على أهل الشرق، وكما قــال عن نفسه «حين أتنكر في الكرنفال بارتداء القفطان والطربوش الأصلي، أحسب أنين أستعيد أزيائي الحقيقية». هو إذن من محبي الشرق العظماء.
كان هو المناصر للرومانتيكية من أتباع مدرسة الفن للفن، تلك المدرسة التي تتالت عليها المدارس التي أنكرت ابتعاد الفن عن القضايا الاجتماعية، لكنها تظل في رأيي هدفا لكل كاتب لا يريد أن يكون زاعقا ومباشرا في كتابته. ليس المهم ماذا تكتب، لكن المهم هو كيف تكتب، البناء لشكل العمل الفني هو أكبر إضافة لمضمونه.
رحلة جوتييه إلى مصر ـ وقد زار كثيرا من دول المشرق مثل الجزائر وسوريا وتركيا – أو كتابه، عجيب. فهو يتضمن رحلته القصيرة إلى القاهرة، ثم مساحة أخرى من مقالاته عن الذين كتبوا عن مصر، أو رسموا أرضها وناسها، أو أبدعوا سيمفونيات عنها، أي المستشرقون الآخرون. هذه المقالات ضمها المترجم للكتاب ليقدم وجها كاملا لصورة تعكس حب جوتييه الجارف لمصر. جوتييه ولد في فرنسا 1811 وتوفي فيها 1872 وكانت رحلته إلى مصر بين عامي 1869 ـ 1870 وفي طريقه على السفينة التي تحمل اسم «مويريس» وهو الاسم الذي أعطاه الفرنسيون من قبل لبحيرة قارون في الفيوم، انخلع كتفه الأيسر وهو ينزل السلم بالسفينة، وأكمل الرحلة يحمل ذراعه على صدره، ومن ثم لم تكن حركته كثيرة. استقر في فندق شبرد في ميدان الأزبكية، العتبة الآن، ومنه كان يرى الحياة المصرية، ويصف ما يراه بمحبة فائقة كأنه طعم الحياة الحقيقية، يصف الناس والخدم والباعة والمارة وأزياءهم، الملايات والحبرة والحجاب والنقاب للنساء، وسراويل السوَّاس، قادة الحمير، التي تشبه سراويل طائفة من الجنود العثمانيين، والحواة والقرداتية ومواكب الجمال، والكلاب وعلاقة الناس بها، التي ليس فيها تعاطف العلاقة بين الأوروبيين والكلاب. كذلك يصف الحواة واللاعبين بالثعابين والحيات وشكل البنايات الموجودة وطرزها الإسلامية، وقبلها رحلة القطار من الإسكندرية إلى القاهرة، والركاب والباعة الداخلين إليه في المحطات من النساء والرجال، والفضاء الذي تظهر فيه الأرض الزراعية، ومن قبلها بحيرة مريوط وشواطئ البحر المتوسط، ويتذكر حواراته مع فولتير وجيرار دي نرفال اللذين سبقاه يوما إلى مصر وكتبا عنها، ويتحدث عن شجرة مريم العذراء في منطقة المطرية في رحلتها من فلسطين إلى مصر. في كل ما يكتب أو يشاهد، لا يتوقف عن المقارنات بالمشاهد في التوراة، أو ماعرف عن الفراعنة، بحيث أنك دائما لا تكون أمام مجرد مُشاهد مستمتع بما يرى، بل فكر وفن.

في رسائلها كثير مما لا يعرفه الناس عن عصر الخديوي إسماعيل، من عسف للمصريين وظلم، وأيضا الكثير من الجمال والروعة عن المصريين وحياتهم.

هكذا يبعد بالكتابة عما اتهم به من أنه كلام سياحي، إذ ترى كم الثقافة والمعرفة التي تنفجر بالمشاهد والمشاهدة. تنتهي الرحلة بسرعة فهي لا تزيد عن ثلث الكتاب، لتدخل في رسائله لابنته يطمئنها عليه، ثم مقالاته عن الفنون التي رآها وتناولت الشرق، وتؤكد على مشاهدته وروحه في الفهم، وهي المقالات التي أضافها المترجم للرحلة. المقال الأول عن أنشودة سيمفونية بعنوان «الصحراء» شاهدها في باريس للموسيقار فيلسيان دافيد، الذي كان أحد السان سيمونيين ذلك الوقت، وبالمناسبة كان للسان سيمونيين دور كبير في نهضة محمد علي وأبنائه في مصر، وأشهرهم طبعا فرديناند دي ليسبس صاحب فكرة وتنفيذ مشروع قناة السويس. هنا تتجلي قدرة وفهم جوتييه للموسيقى، فيمشي مع السيمفونية في كل حركاتها، ويؤكد أن الناقد ليس خفاشا يأكل الضفادع، كما كان يقال، لكن لابد أن يكون قادرا على فهم وتحليل ما يرى. من تحليله للسيمفونية بحركاتها تحس بها، وربما تمتد يدك لتبحث عنها في اليوتيوب لترى ما يتحدث عنه وأنت تسمعه فلم يكن مجرد ناقد سطحي للموسيقى، فالقسم الأول من السيمفونية يصور قافلة تفاجئها ريح السموم، ويأتي القسم الثاني في الليل والفروسية، ثم رقص العوالم، حتى الغناء الجماعي، ثم الأحلام ونشيد المؤذن في الفجر، أو ارتفاع الآذان في السيمفونية وأثره على الجمهور.
الحديث طبعا يأخذه كناقد كبير إلى المقارنة مع بيتهوفن وروسيليني، ويرى فيلسيان دافيد أقوى منهما، والحوار يذكّره بديوان «الشرقيات» لفيكتور هوغو، الذي يلخص كيف وقد ظنوا أنهم استولوا على الجزائر هي التي استولت عليهم. يأتي المقال الثاني عن الرسام برسبير ماريلا، الذي مات في ريعان شبابه وكان من أبرز شباب الرومانتيكيين، وعائد لتوه من مصر، وتحليل تراه بعينك للوحات مثل «ساحة الأزبكية» و«ضريح أبو مندور» و«وادي القبور في طيبة»، وكيف تطور أسلوب ماريلا في لوحات مثل «ذكريات من ضفاف النيل» و«قرية بالقرب من رشيد» وغيرها. ينتقل جوتييه إلى بانوراما معركة الأهرام بين نابليون بونابرت والمماليك، التي جسدها العقيد لانجلو، وكانت معروضة في الشانزليزيه. تدور معها ومع المعركة ومعه وهو يتحدث عنها. ينتهي بالكتابة عن كتاب «النيل» لمكسيم دوكان، الذي رافق فلوبير في رحلته إلى مصر، ثم حديث عن الموت وانشغال المصريين به، وعن لوحات المعرض الدولي عام 1867 في باريس، وما فيه من تحف مصرية. ينتهي الكتاب الممتع جدا وتظل حائرا. بسرعة تكتشف أنه ليس رحلة سياحية كما اتهمه البعض، لكن لا تستطيع أن تنفي أنه رحلة استشراقية رأت ما هو جميل ويعجب الغرب، ولم تنظر إلى ما في الشرق من آلام بسبب حكامه ومحتليه، كما فعلت لوسي دوف جوردون، التي ترجمت رسائلها وهي تتحدث عن مصر والمصريين، وهنا قد تتذكر وصف إدوار سعيد لهذا النوع من الكتابات، رغم روعته من أنه أدب استعماري. لكن في النهاية الله أعلم بنوايا أدباء من نوع جوتييه كانوا لا يميلون إلى السياسة، ويظل الكتاب جديرا بالإعجاب الكبير.

٭ روائي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية