لم أكن أتوقع يوما أن أقضي ساعات طوال على محركات البحث بعد رحلة اللجوء إلى أوروبا بحثا عن مطاعم تقدم الوجبات السورية وما يدور في فلكها، فقد رست عائلتي وأنا في إحدى الأقاليم الفرنسية، إلا أننا منذ أولى أيام الاستقرار أصبنا بالدهشة عند التجول في الأسواق، إذ لم نجد أيا من منتجات الخبز السورية، أو اللبنانية التي تعد الأقرب لثقافتنا في سوريا، بل لم نجد أيا من المنتجات التي تربينا عليها في بلادنا، ما عدا “جبنة لافاش كيري” التي هي فرنسية بالأصل، ومنذ ذلك بدأت معاناتنا مع فقدان المطعم السوري وموائده، فقدان لم تعوضه كل الأسواق الفرنسية، إلا ما رحم ربي من خضار وفواكه التي تغيرت هنا بدورها عن الصور المعهودة لنا في بلادنا.
هل لكم أن تتخيلوا معي ذلك المشهد الذي سوف أصوره لكم كتابيا.. عند كل مساء أجلس وزوجتي على الأريكة وكل واحد منا يبحث بما نملك من بضع كلمات في اللغة الفرنسية بجوار اللغة العربية عن سوق إلكتروني يبيع المنتجات السورية، كانت كل النتائج تبوء بالفشل المحمل باليأس.
استملكنا اليأس، وفترت الهمم، وبدأنا بالبحث عن أسواق عربية لعلها تتطابق مع ثقافتنا السورية التي تأسرنا، زرنا بعض المحال المغربية والجزائرية وحتى التركية. لقد نجحنا جزئيا باصطياد بعض المنتجات التي تتطابق مع ما نريد. لحم حلال! بهارات بالكيلو؟ أي نعم كذلك، بل وجدنا زيتون يباع بالكيلو. لم نكن نصدق ذلك، فالمجتمع الفرنسي لا يشبهنا أبدا. هناك الناس يشترون الخيار بالقطعة الواحدة! شاهدتهم ينتقون 2 حبة من البندورة وموزة واحدة فقط لا غير! أصبت بالدهشة كيف يعيش هؤلاء؟ ثقافتهم وثقافتنا على مبدأ كل من يغني على ليلاه!
عدنا إلى المنزل بصيد وفير من المنتجات التي تشبه منتجاتنا، لكن مطالب الأولاد لا تنتهي. يريدون خبزا سوريا! فشلنا في العثور عليه لأشهر طويلة. بعد طول انتظار جاء الفرج من بعيد. سوق إلكتروني سوري في ألمانيا، بدأ يبيع منتجات سورية، تشبهنا تماما فيما نطلب، نعم كان لديهم خبز سوري، 5 أرغفة سورية بسعر واحد يورو!
يضاف إليها أجور الشهر التي لا تقل عن 15 يورو، شريطة الشراء بفاتورة قدرها 60 يورو! لم نستطع الاندماج مع المطبخ الفرنسي أبدا، حاولنا مرارا أن نتحول لحقل تجارب، وبدأنا بتذوق الأجبان التي تشتهر بها فرنسا، وبعضها يدهشك حقا، حتى أنك تبادر للسؤال مباشرة، يا إلهي كيف يبيعون جبنة متعفنة وجبنة بأشكال وألوان يصعب ضمها إلى ثقافتنا؟
استقرت أوضاعنا مع الخبز وكذلك حال المنتجات السورية التي تصلنا بأسعار باهظة جدا، لكننا تحت الاضطرار إلى شرائها، وعندما تنقطع بنا السبل ونفقد الخبز، يبدأ تذمر الأطفال في المنزل، لا نريد هذا الباكيت “الخبز الفرنسي” نريد ساندويش بالخبز السوري! حتى أصبح رغيف الخبز السوري كأحد الأولاد في المنزل نتفقده يوميا!
المطبخ السوري من أطيب المطابخ العربية، من وجهة نظرنا العائلية على أقل تقدير، ومن شب على شيء شاب عليه، لم أكن أتخيل يوميا، أن يصل بنا الحال إلى هنا، فهو أمر شاق فعلا ويحتاج إلى أن نتحول لحقول تجارب تارة، ونشتري بأسعار باهظة تارة أخرى، ولكن أين المفر.
في خطوتنا التالية، بدأت زقزقة الأطفال في المنزل. نريد الذهاب إلى المطعم. ففي الوقت الذي قلنا فيه: الحمد لله أمور المطبخ أصبحت مستقرة! جاءت المزيد من المطالب المحقة للأطفال.
خلال التحاور مع زوجتي، توصلنا إلى خلاصة تقول: مشكلة المطاعم بسيطة مقارنة بمستلزمات المطبخ السوري، ففي الجوار- على بعد عشرات الكيلو مترات توجد بعض المطاعم العربية والتركية، حزمنا الأمتعة وقلنا للأطفال لا تأكلوا كثيرا في المنزل سنأخذكم اليوم لتناول الشاورما والفروج الحلال!
حطت رحالنا إلى العنوان الذي ساعدنا فيه السيد غوغل ماب (خرائط غوغل) ممتاز مطعم تركي! وطاولات فارغة كم نشتهي وأكثر. بدأ كل واحد منا يطلب وجبات تكفيه لأسبوع ربما!
وجبات الشاورما التركية لا تشبه السورية على الإطلاق! لم تعجب الأطفال، طلبنا لهم فروج، فكان وكأنه على الطاولة يقول لنا: لا أحبكم ولن تحبونني! لماذا؟ بكل بساطة هو فروج مشوي نعم، لكنه مختلف تماما عن السوري، كأنهم قاموا بشواء الفروج مباشرة دون توابل تذكر، فانتهى المطاف بتناول الأطفال ونحن للبطاطا التي تبدو بأنها نقعت بالزيت لا قليت به!
نسبة كبيرة من المطاعم العربية أو التركية حولنا، أصحابها ليسوا أصحاب مهنة، بل يبدو أنهم أرادوا استغلال غياب المطاعم الفعلية لإثبات حضورهم فيها، لذلك عزفنا عن فكرة تناول الطعام في المطاعم في انتظار فرج الانتقال نحو سكن جديد عسانا نلتقي بالمطعم الموعود!
بقيت أمورنا على ذات الحال قرابة 3 سنوات، وعند الانتقال إلى السكن الجديد، تعاهدنا جميعا أن نذهب في اليوم التالي مباشرة إلى مطعم سوري، لقد بحثا عن ذلك عبر الإنترنت قبل استلام مفتاح المنزل الجديد.
سندخل الجنة السورية، غير معقول! لقد وجدنا شارعا مكتظا عن بكرة أبيه بالمحال السورية، مطاعم ومعجنات، ألبسة وأحذية وغيرها الكثير.. لكن الفرحة لم تكتمل، فالسوق في ألمانيا ونحن في فرنسا، قلت للعائلة ما رأيكم بالتريث قليلا؟ نقوم بتجهيز المنزل أولا ثم نذهب!
الجميع كانوا يمتلكون حق النقض “الفيتو” إذا لا مهرب الآن، وفعلا قطعنا عشرات وعشرات الكيلومترات حتى قطعنا الحدود الفرنسية- الألمانية، حتى قال لنا غوغل ماب العبارة الرائعة “لقد وصلت إلى وجهتك”.
لم أر ضحكة الأطفال وزوجتي من قبل بهذا الشكل، محال سورية تكاد لا تنتهي، السوريون بالمئات يتجولون في السوق السوري في ألمانيا، طبعا لن أسألكم ما هو أول شيء فعلناه عند وصولنا إلى السوق، طبعا إلى المطعم السوري.
لقد طلبنا مأكولات سورية، لن أبالغ إذا ما قلت لكم بأنها تكفينا لمدة 5 أيام متواصلة، ولكن للأمانة لم يكن الطلب الكبير للمأكولات السورية بهدف ملء البطون بل هو لإشباع العيون.. فالعيون تأكل قبل البطون أحيانا.