رحلة الرسم والألوان تجذب النساء في العمر الثالث بحثاً عن سكينة أو إيقاظاً لموهبة كامنة د. حسن يتيم: تؤثر الألوان إيجابياً في كافة الأعمار ويزيد الرسم ثقة الكبار بذاتهم

زهرة مرعي
حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»:  يتفق علماء النفس على دور التلوين كعامل مساعد في استرخاء النفس البشرية. خلال التلوين يتحول الانتباه إلى الفعل الذي يقوم به الفرد، وينأى عن التفكير بذاته. هذا الفعل سواء كان علاجياً أم للتسلية يحتاجه كبار السن. وبعضهم يقدم بعد مرحلة التقاعد للانضمام إلى دورات رسم منهجي أملاً في ملء الوقت، وفي تحقيق الذات مجدداً في محيط يضج بالأبناء والأحفاد من شباب وأطفال. خلال الرسم بالألوان تتدفق جرعات من السعادة إلى النفس، إلى جانب تحقيق الهدوء والسكينة. لهذا يتساوى الإقبال على الرسم في العمر الثالث مع العلاج بالفن، من دون إغفال موهبة بعضهم في الرسم. موهبة أهملت بسبب الإنشغال المهني، والعائلي وسواه. وإذ بمرحلة العمر الثالث تستحثّ هذه الموهبة لتظهر وإن متأخرة.

في هذا التحقيق إضاءة على الرسم في مرحلة العمر الثالث:
أمل عبد الملك جدة لثلاثة الأحفاد، اتخذت قرار تعلّم الرسم منذ حوالي تسع سنوات. وقبل الانتساب مؤخراً للمركز الثقافي الروسي تابعت عدة دورات في الرسم لدى جمعية الشابات المسيحيات. نسألها لماذا الرسم الآن؟ تقول: إنه الفراغ الذي رغبت بملئه بما هو مفيد ومسليّ في آن. قبل سنوات رحل زوجي عن الحياة، وبتّ وحيدة. في حياته كنا نتنزه ونزور، والآن أبحث عن ما يشعرني بذاتي. رحت إلى الرسم كوني كنت أنجزه بتقدير جيد جداً في المدرسة، حتى أني نلت جائزة أحسن رسمة.
بسؤالها عن التغيير الذي أحدثه الرسم في حياتها تقول عبد الملك: مدني بالراحة النفسية كوني أقوم بما أحبه. أحب الطبيعة، وأرى في الألوان حياة مختلفة. أجد التشجيع من أبنائي، وكذلك من حفيدي الوحيد الباقي في لبنان. أبنائي يعلقون بعض رسوماتي على كانفاس في منازلهم. وأنا بدوري أملأ الفراغات الكثيرة في منزلي الكبير بلوحاتي. قبل الانتساب إلى المركز الثقافي الروسي أمضيت سنة دون رسم وكنت مزعوجة جداً. أغلب الأقارب والأصدقاء يشجعوني ويرحبون بما أرسمه.

الموهبة تعود وإن بعد حين

كان الرسم هدفاً ترغب التخصص به عندما أنهت دراستها الثانوية، لكنّ والد منى نصّار رفع صوته قائلاً: «بابا شو بنتي بدن يقولو عنا ارتيست»؟ قاصداً كباريهات الزيتونة في ذاك الزمن. تقول منى: ولهذا درست العلوم الاجتماعية. بينما درست ابنتي التصميم وعندما كانت تحتاج لسؤالي عن أمور شتى، كانت إجاباتي تتيح لها حصد علامات عالية.
مهنياً كانت منى نصّار أستاذة جامعية تعطي مادة «لغة إدارة الأعمال» بالإنكليزية. تقول: عشق الرسم «لازمني منذ الصغر» وكنت أرسم لدى الراهبات اللواتي كنّ بجوار منزل جدي. لم يدم هذا طويلاً لكني أحببت الرسم كثيراً. ورفض والدي أن يكون الفن تخصصي الجامعي.
ولماذا الرسم الآن؟ تقول منى: بعد تقاعدي من العمل توجهت إلى المركز الثقافي الروسي لتعلُم تقنيات الرسم أكاديمياً بدءاً من الرصاص، إلى الفحم، إلى الباستيل وغيره. أرسم لأن الأمر يفرحني ويسرني. أعيش في منزلي مع إبني ذو الاحتياجات الخاصة، واحتاج للابتعاد مسافة قصيرة تتيح لي تجديد طاقتي، فكانت الألوان حلا سحرية. رغم مرور سنوات على تعلم الرسم أصف نفسي بالهاوية.
هل بدّل الرسم حياة منى نصّار؟ تقول: بل أغناها. لوحاتي على جدران منزلي أتناقش حولها مع زوّاري، كما أهديها حين أشاء. إنها هواية جميلة يمكن ممارستها في المنزل، وكانت رفيقتي خلال الحجر المنزلي.
هل يتناولك الآخرون وأنت ترسمين في عمر متقدم؟ تقول منى: أكيد «بوجّي ما بيسترجوا».
لدى توجيه السؤال إلى مرام قبيسي عن الحوافز التي أخذتها إلى الرسم في مرحلة الكهولة، تستعيد ذكريات الطفولة والمراهقة، منها أن المنهج التعليمي الرسمي في لبنان كان يميز بين الذكور والإناث. فخلال الامتحانات الرسمية للشهادة الابتدائية «سيرتيفيكا» كان واجب الذكور امتحان في الرسم، وواجب الإناث امتحان في الخياطة. حينها كانت مرام «تحاجج» الراهبة المسؤولة عن صفها معلنة رغبتها بالرسم وليس الخياطة. لكنه المنهج؟
وفي سيرة البدايات المدرسية أن الراهبة المسؤولة عن الصف في المرحلة المتوسطة طلبت من التلامذة مرافقتها إلى حديقة المدرسة ليقطف كل منهم زهرة ويعود لرسمها في الصف. خالفت مرام التوجيهات وقطفت غصناً صغيراً معكوفاً. وبررت للراهبة عندما سألتها بأنها تفضله على أية زهرة. راحت ترسمه مع الظلال، وحين قاربت على النهاية سمعت الراهبة تقول من خلفها: «شو رأيك تسافري ع الدير بإيطاليا وهناك تتعلمين الرسم على أصوله؟» تقول مرام «لم يوافق والديَ على الفكرة مطلقاً».
بعد المرحلة الأطول الفاصلة في حياة مرام قبيسي حيث كان للعمل والإنتاج مساحته الأكبر، ومن ثمّ التقاعد كان بحث عن انشغالات موازية خارج المنزل. انشغالات تسعى إليها الشخصيات المتميزة بالحيوية، وتفتح الأفق على اللقاء والحوار، فكانت جامعة الكبار في الجامعة الأمريكية. في جامعة الكبار وعندما بلغت عمر الثمانين ألح عليَ حلُم توقيع لوحة، فتسجلت في المركز الثقافي الروسي لتعلُم أصول الرسم. أحب رسم الطبيعة، لا أنقل أعمال آخرين بل آتي بالطبيعة إلى لوحتي ووفق إحساسي.
تؤكد مرام رداً على سؤال: ماذا بدّل الرسم في شخصيتك؟ «له فعل السحر، فأنا أقوم بما أحبه. الألوان تريح النفس، وغمر الهدوء شخصيتي وبتّ أكثر راحة مع نفسي. كنت أمني النفس بتوقيع لوحة قبل رحيلي.. وها أنا قد وقّعت على حوالي 300 لوحة.
لم أسأل مرام عن عمرها فهو ليس موضوعنا، بخلاف من أعلنت بنفسها أنها في الـ86 وأضافت: «الحياة شباب دائم وسعي مستمر».
لم يخل محيط مرام من التعليق على انهماكها بالرسم في عمرها المتقدم تقول: «قبضوني جد من البداية، ولقبوني بمرام مونيه، لأني أرسم الطبيعة بإحساس عالٍ. أرسم وأجتهد وما زلت في أول الطريق.

الفنان حسن يتيم:
تنظر النساء إلى الرسم بوجهه الإنساني الصافي

هل تعلّم الكبار للرسم كما النقش في الحجر؟ أم ثمّة اختلاف؟ سؤال أجاب عنه الدكتور الفنان حسن يتيم مسؤول قسم الرسم والتصوير في المركز الثقافي الروسي منذ سنة 1985 قائلاً: يمكن القول إن المثل صحيح بنسبة محددة. كلما تلقى الإنسان دروساً في الفن في عمر صغير يستوعب أكثر من عمره المتقدّم. تعلّم الرسم في الصغر يساعد على التطور في سياق الغاية التي رسمها المُتعلِّم لنفسه. في عمر الخمسينات والستينات يفتقد الذهن الصفاء الذي يحتاجه تعلّم الرسم. فالذهن يتشتت بمشاغل وهموم الحياة. في الطفولة تكون قدرة الاستيعاب أقوى. إذاً المثل صحيح نسبياً، لكنه غير مطلق.
○ ماذا يحصد الكبار من الرسم؟ وما هي غاياتهم منه؟
•الراحة النفسية هي إحدى غايات الرسم. والإنسان يصلها عندما يرسم وفي أي عمر كان، وخاصة عندما يدخل مرحلة العمر الثالث. وكبار السن ينشدون تعلّم الرسم ونصب أعينهم تحقيق الراحة النفسية. ففي صف الرسم يصفى الذهن، ويترك الإنسان كل ما في الفضاء الخارجي، وينسج علاقة بالشكل واللون. إنها مهمة ممتعة جداً.
○ كونك تتولى تعليم أجيال مختلفة بماذا يختلف تعليم الكبار عن تعليم صغار السن؟
•الاختلاف كبير بين الفئات العمرية التي تنشد تعلّم الرسم. يختلف الإنسان بين 4 و7، وبين 7 و10 سنوات وبين 10 و13. في عمر 4 سنوات وعندما تكتشف عائلة الطفل أنه يمتلك الموهبة فهو يتمتع بحرية مطلقة في التعبير عن الموضوع الذي يتناوله. وفي عمر 7 إلى 10 سنوات نعمل لتوجيه الطفل ونتدخل قليلاً بما يقوم به. وهو تدخل تقني نسبياً، فنوجهه للتعامل مع المساحات الكبيرة وكيفية استخدام مادة التلوين. بين 10 و13 يكون التدخل واعياً أكثر، أي اننا نصحح الأغلاط. في حين أننا لا نصحح مطلقاً للطفل بين 4 و7 سنوات، فقط قد نسأله رأيه في ان يقوم بكذا وكذا. للتربية الفنية أصولها بين عمر وآخر، من عمر 14 وما فوق يكتمل الاستيعاب لدى الإنسان وعندها نعلّمه أصول الرسم لتوجيهه بشكل سليم وأكاديمي من خط ونسب وقياس، وظل ونور. وفي هذه المرحلة من العمر حين يكون مستوى الموهبة متوسطا نتدخل عملياً، إنطلاقاً من اعتبار الرسم فناً تطبيقياً.
○ من هم الكبار برأيك؟
•الكبار هم من تخطوا عمر 40 سنة، خاصة عمر 60 وما فوق.
○ ماذا قالت تجربتك مع هذه الفئة العمرية؟
•بعد التقاعد من العمل يلجأ البعض للرسم لملئ الفراغ في حياتهم. يشكل الرسم بالنسبة لهم استئناساً بعمل يحبونه. والرسم عمل يُظهر مكانة الإنسان في بيئته العائلية التي تتوسع بوجود الأحفاد. إنه تحقيق ذات حتى ولو كانت الموهبة ضعيفة.
○ وما هو دورك مع هذه الفئة العمرية؟
•كأستاذ أميز بين من لديه الموهبة القوية والتي أدى العمل وهموم الحياة لاهمالها، وبين الأكثرية ممن لديهم موهبة متواضعة. واجبي كأستاذ نحو هذه الفئة التشجيع كي يتمكنوا من التعبير عن ذاتهم، وملئ أوقاتهم وإثبات ذاتهم.
○ ما هو دور اللون في تحسين المزاج خاصة وأن الإكتئاب يواجه نسبة عالية من كبار السن؟
•معظم الأبحاث والدراسات المعنية بالرسم واللون أظهرت أن اللون يؤثر إيجاباً وبنسبة عالية على كافة الفئات العمرية. خاصة إذا كان بعضهم يعاني من ضغوط أو اضطرابات نفسية. يصنّف بعض علماء النفس الألوان حسب الفئات العمرية والحالات النفسية. اللون الأصفر يساعد على التخفيف من الاضطراب النفسي. فيما يختار الأطفال تدرجات الأخضر واللون البرتقالي. في حالة الاضطراب النفسي الشديد خاصة نزلاء المستشفيات، يترك للمرضى العبث بالألوان دون أية قيود أو توجيهات، حيث الملاحظ أن كل مريض يختار اللون الذي يريحه.
○ وماذا عن الذين يعانون الوحدة. هل لهم ألوانهم الخاصة؟
•يختارون المناظر الطبيعية والألوان المشرقة. الطبيعة تساعد على الإنفراج النفسي لمن يعاني الوحدة والضيق. إنه البحث عن الأفق المفتوح.
○ هل فاجأك أحد كبار السن إيجاباً؟
•هي حالات قليلة طبعاً. جاء أحدهم بعمر 70 ليسألني ان أمتحن موهبته. فكانت موهبته مرموقة، فتسجل لدراسة الرسم خمسة أيام في الأسبوع. وخلال سنة ونصف من الدراسة أنجز معرضاً من 40 لوحة.
○ لماذا النساء أكثر اقبالاً على تعلّم الرسم في العمر المتقدم؟
•صحيح هنّ ظاهرة. وهذا ربما مرتبط بواقع النساء في مجتمعاتنا. فيما ينظر الرجل بتكبر إلى هواية الرسم. بعكس النساء اللواتي يجدن ذاتهن في الرسم، وينظرن إليه بوجهه الإنساني والطبيعي الصافي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية