رحلة برنامج «الجزائر دبي» لم تكتمل: فهل أساء للقيم والموروث الشعبي؟

منذ بداية تصوير برنامج “دي زاد في دبي”، والمتابعون غير راضين عن محتوياته من خلال لقطات مسربة من محتواه. وكان الرد أنه لا يمكن الحكم على البرنامج قبل الانتهاء منه وعرضه. وها هو بعد بداية عرضه على قناة “الجزائرية وان” ومنذ الحلقة الأولى قررت القناة توقيفه لردود فعل المشاهدين الجزائريين الأوفياء للقناة، كما جاء في بيان المحطة، ومما جاء في بيانها: “تقرر احترما للمشاهد الكريم والأسرة الجزائرية توقيف برنامج “دي زاد في دبي”، ابتداء من اليوم ولأجل غير مسمى، وتجدد “القناة الجزائرية وان” اعتذارها لجمهورها الكريم متمسكة بالعلاقة الوطيدة التي تربط القناة بالأسرة الجزائرية”.
إذا، قررت توقيف البرنامج، الذي أثار الجدل مؤخرا على مواقع التواصل الاجتماعي، وطالب جزائريون بتوقيفه احتراما لعادات وتقاليد المجتمع الجزائري المحافظ. يقول موقع “أوراس”: “انتقد المشاهدون محتوى البرنامج، الذي يشارك في تقديمه الفنان “كادير الجابوني” و”سولكينغ”، واصفين إياه بالخادش للحياء، خاصة تلك الحوارات التي تدور بين المشاركين والتي قيل إنها سوقية، ناهيك عن طريقة لبس المشاركات.
ويضيف أوراس: “أطلق جزائريون عبر مواقع التواصل الاجتماعي هاشتاغ “هم يمثلون أنفسهم لا الجزائر والجزائريين”، حيث انتشر بشكل كبير. وشكلت الحلقة الأولى، التي عرفت شجارا بين إحدى المشتركين، نقطة تحول في الحملة التي شنها الجزائريون على مواقع التواصل الاجتماعي لتوقيف البرنامج، حيث اتسم ذلك الشجار بلغة شوارعية وكلمات نابية، يرى فيها المتابعون أنها خادشة للحياء”.
وحسب مصادر “جزائر سكوب” فإن إدارة القناة لم تكن تعلم بالمحتوى الحقيقي للبرنامج، والذي كان هدفه خيريا، كما صرح بذلك أحد منشطي البرنامج. والغرض منه “جمع أكبر قدر من الأموال لمؤسستين خيريتين في الجزائر”. وكان الرئيس المدير العام لوكالة الاتصال ومنتج البرنامج قد أكد أن “البرنامج شكلا يشبه برنامج الواقع التلفزيوني، لكن مفهوم برنامجنا يختلف حقا عما يحدث في أماكن أخرى، والتحدي هو إظهار صورة الروح التنافسية السلمية والمتفائلة للشباب الجزائري، متابعا نريد الترفيه ولكن نريد أيضا أن نستمر في إحياء القيم التي تجعل الجزائريين على ماهم عليه. فالشباب يحاولون إيجاد موارد معا لمواجهة الصعوبات، بينما يظلون متحدين وكريمين في ما بينهم، بهدف تنمية كل فرد مع احترام الاختلافات”.
لكن الحلقات التي بثت كانت عكس ما قاله المنتج، فالبرنامج متناف مع القيم الاجتماعية والأخلاقية الجزائرية، ولو من باب الروح التنافسية.
يضيف موقع “الجزائر سكوب”، فهل سيأتي يوم وسندير ظهورنا للشاشات. أم الشاشات ستغزونا وتدخل علينا من خلال أولادنا وشبابنا وأجيال تأخذ باعتبارات أخرى مغايرة لاعتباراتنا. ونصبح فعلا “دقة قديمة”؟!

كورونا تحكمنا!

وتعود كورونا لتحكمنا مجددا. تونس التي كانت تنوي فتح ذراعيها للسياح واستعادة ما بقي من اقتصادها المنهار ما زالت تستغيث، وتدفع كل يوم ثمن تفشي الوباء. هذا الذي يقتل تحت ذرائع متعددة. إذا أغلقت الحدود والمؤسسات يموت الناس قهرا وجوعا. وإذا فتحت بوابة الحياة، يفتح الموت ذراعيه ليفتك بالمئات يوميا. كل الحلول مرة. والناس يغتنمون فرص الأمل والحياة بما يجنى من ثمار التعب. ولايفوّتون فرصة للفرح مهما كان الثمن. الآن نتائج الامتحانات النهائية للأطوار الثلاثة. ولكل مرحلة فرحتها تنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، مقابل الموت الذي يندس كل لحظة بين الأسطر، ويترك فراغا رهيبا بين الأسر والمجتمع عامة، بين المثقفين والأكاديميين والإعلاميين. العنف الاجتماعي تعاون مع عنف الوباء لتخيم الأحزان على الجميع وتنغص فرحتهم، بينما هناك من يلهون بعرض “المايوهات” بحجة كسر التابوهات، ومن يلهون بتكبير الشفاه وعرض المؤخرات، ونشر صور وتصريحات بعض الشباب، وهم يلهون بحليهم الذهبية واللعب بغرة يفضلونها شقراء، والشتم والبذاءة والرقص على الجميع، بل رفس الجميع دون رحمة.

جمهورية «التيك توك»

إنها جمهورية “التيك توك”، التي تحاول تتفيه المجتمع والشباب خاصة، وتدخله فوضى الاستهلاك المفرط، بينما يموت الشباب في واقع مزر. مؤلم أن يموت صالح سعايدية، الذي يشتغل أنفوغرافي في “قناة البلاد” وحيدا في سيارته، لأنه لا يملك مسكنا ولا مكانا يبيت فيه. مؤسف أن تذهب عائلة بأكملها بسبب الغاز. مؤسف كل ما يحدث كل لحظة. والأمور تزداد انحدارا. ونحن تحت تخدير “التيك توك”.

فقدان خيرة المثقفين

نعت منصات التواصل الاجتماعي بألم وحزن، رحيل الإعلامي والمثقف سليمان بخليلي والأستاذ الباحث الجامعي الحاج ملياني. وكان قبل أيام قد تابع رواد مواقع التواصل الاجتماعي الحالة الصحية للإعلامي سليمان بخليلي، الذي كان يرقد في مستشفى مصطفى باشا الجامعي.
وكان قد انتشر خبر وفاته قبل الوفاة بيومين فقط، وفند محيطه الخبر وقالوا إن حالته في تحسن. كما علق هو قائلا من خلال صفحته على “فيسبوك”: “يشهد الله أيها الأصدقاء أن تلك الإشاعة المغرضة التي سربها المفترون تحت جنح الظلام لم تؤثر في نفسي تأثير شوكة يشاكها المؤمن. اطمئنوا، فأنا في عناية الله تعالى ورعايته مرفوقا بكتاب الله في صدري، محاطا بتضرعاتكم وأدعيتكم، التي تصلني من كل مكان، مشمولا بمتابعة طيبة لخيرة شباب الجزائر وإطاراتها في مستشفى مصطفى باشا ولله الحمد والمنة. اليوم تبدأ المرحلة الثالثة من العلاج، أطمع في مواكبتكم لي بالدعاء، والله يحفظكم جميعا. أخوكم: سليمان بخليلي”.
لكنه عاد ونشر تدوينة أخرى، تناقلتها عديد الصفحات والمواقع يقول فيها: “إلى المحسنين في العاصمة ومصطفى باشا، نحن في منطقة الانعاش الطابق إثنين، لقد انقطع عنا الأوكسجين منذ البارحة في مستشفى مصطفى باشا، نحن الآن في معاناة قاتلة، معدل تدفق الجهاز الرئيسي 85 . نحن نختنق في هذا الجناح (الانعاش) من يستطيع التدخل بجهاز الأوكسجين فأجره على الله”.
بعد أيام قليلة توفي إلى رحمة الله، متأثرا بالوباء وهو في عز عطائه. غادر صاحب برنامج “خاتم من ذهب” المتميز، و”فرسان القرآن” و”زدني علما” وغيرها من البرامج ومؤسس قناة “البديل” المتخصصة في الإعلام الثقافي (2020). الإعلامي والمثقف، الذي أراد أن يترك بصمة بديلة في إعلام يزداد ضعفا وسقما ورداءة. غادر المتحصل على جائزة الإبداع الذهبية في مهرجان القاهرة 14 للإعلام العربي عام 2008. غادر من ظلَّ يحاول في الاجتهاد قدر المستطاع ليؤسس إعلاما محترما هادفا. نعاه المثقف والسياسي والرياضي والمواطن العادي ورجل الدين. إلى رحمة الله. وما زالت كورونا تقتل.
كما غيب الموت أيضا الأستاذ حاج ملياني، ولمن لا يعرف حاج ملياني، رحمه الله، فقد نشر “واري فلاحي” على صفحته على الفيسبوك تعريفا شاملا بسيرة الرجل المتعددة بين الأكاديمي، أستاذ وباحث والناشط، الذي لا يكل ولا يمل في المجال الثقافي. وفي العام 1997، حاز على درجة الكتوراه في الأدب العربي من “جامعة السوربون” في باريس. ترك عددا كبيرا من الكتب القيمة جدا في مناحي الحياة والفن والثقافة. وكان محافظا لمهرجان الراي السنوي منذ أن عينته الوزيرة السابقة للثقافة خليدة مسعودي منذ 2006. افتقده طلبته ونعوه بتأثر، كما كتبت إحدى طالباته على صفحتها: “رحم الله روحا نقية، رحم الله قلبا صافيا طيبا، رحم الله همة عالية، وضميرا شفافا، رحم الله قامة علمتنا الكثير، رحم الله ذمة معطاءة كريمة. رحمك الله أستاذي، رحمك الله بروفيسور “حاج ملياني” غادرتنا وأخذت معك الكثير من ارواحنا. رحمك الله وطيب ثراك استاذي”.

* كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية