يبحث الناس لإثراء ثقافتهم العامة، عن مخترع الكهرباء وعلة اختراعه له، ويحمدون فعله لأنه أنار ليلهم ومكنهم في الأرض بوسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، ما عن له أن يمكّن. لكن اللساني يبحث عن أصل كلمة كهرباء فهذا اختصاص ممكن من اختصاصاته.
من المعلوم أن الإيتيمولوجيا وهي فن يدور حول البحث عن أصول الكلمات في لغة طبيعية معينة، قد تكون فائدتها قليلة في اللغات الاشتقاقية، التي تجتمع حول أصل لفظي/ معنوي واحد. فيكفي أن تعرف كلمة معينة حتى تعرف نسبها الذي لها مع غيرها. يكفي أن تعرف معنى دائرة في العربية حتى تتكهن بالعلاقة الدلالية التي لهذه الكلمة مع غيرها مثل، دورة واستدارة ودوران وغيرها، فهي جميعا قريبة من معنى الدائرة قربا شديدا أو خفيفا. لكن الإشكال في تأصيل الكلم يطرح مع عبارات مبتدعة أو مستحدثة ولا ذاكرة بعيدة لها مثل كلمة كهربة وما اشتق منها أو ما اشتقت منه.
كثير من العبارات تتخذ لها صيغا عربية وهي ليست في الأصل عربية، فعلى سبيل المثال فإن كهْرَبَ وتكهرب، ولهما وشائج لفظية ومعنوية مع الكهرباء، هي أفعال رباعية غير مضعّفة، ويمكن أن تكون مجردة أو مزيدة وأنه من الممكن أن يشتق منها اسم الفاعل (مكهرِب) أو اسم المفعول (مكهرَب) والمصدر (كهربة) و(تكهرُب). هذه الطواعية المتمثلة في دخول الكلم الغريبة إلى صيغ العربية لا تخص هذه الكلمة، بل هي شأن شائع في كثير من العبارات الوافدة التي نشتق منها كلمات أخرى شرط أن تكون على صيغ العربية، حتى نستطيع أن نخضعها لمقولات التصريف العربي المختلفة. إن إضفاء سمات اللغة المتقبلة للعبارة ليس شأن العربية، بل هو شأن كثير من اللغات فهو ضرب من توطين الكلم المهاجرة بسماتِ اللغات المصب أو الهدف. هو ضرب من ارتداء السائح الأجنبي لباسَ أهل البلاد التي يزورها، لكنه مع هذا الاشتقاق لباس أبدي، إذ تتلبس الصيغة العربية باللفظ الأجنبي حتى تكسبه شيئا من شرعية اللغة الجديدة.
لا أستطيع أن أجزم بالكيفية التي وصلتنا بها كلمة كهرباء، وما تولد منها فمن الممكن أن تكون رمية من رامٍ، أو صدفة حسنة، المهم أنها دخلت إلى المعجم وولّدت ما ولّدت من الكلم والاستعارات، لكن ما يعنينا هنا في هذا المقام أن نبين كيف أن دخول كلمة كهرباء حتّم على العربي مستعمل هذه الكلمة أن يواكب – وهو يطور معناها – معنى جديدا عليه هو معنى الكهرباء الأصلي، بما هو شكل من أشكال الطاقة. صحيح أنه لا يستطيع وهو يستعمل هذه العبارة وما اشتق منها أن يكون دقيقا دقة علماء الفيزياء أو مهندسي الكهرباء، لكنه دخل بهذه العبارة حقلا أو حقولا معانيها منحوتة بمعنى الكهرباء العلمي المتعدد والمتنوع.
من الممكن أن تخلق كل كلمة مع العبارات التي تقترن بها اشتقاقيا، حقلا دلاليا فكل كلمة يكون لها معنى حقيقي ومعان مجازية، وهذا ما يمكن أن نعرفه من تفكر المعاني التي تستعمل فيها عبارات تكهرب مثلا. إذا قلت تكهربت الأسلاك عنيت: سرت فيها القوة الكهربائية، هذا هو المعنى الحقيقي أو العلمي؛ إلا أن عدد مستعملي هذا المعنى أقل، إذا ما قورن بمن يستعملون المعاني الأخرى المجازية كأن تقول (تكهرب الجو) وأنت تقصد السماء وإرعادها وتلبدها، أو تعني ما يحدث من مشاكل طارئة ومفاجئة في مجمع أنت فيه، بوجود خصومة مثلا، فقد تقول لصديقك أو لزوجك: تكهرب الجو لننصرف.. في استعمالاتنا اليومية نسمع هذه العبارة في هذا الحقل الدلالي أكثر مما نسمعه في الحقل الحقيقي.
كان الجسد هو الوعاء الذي أنتج جميع المعاني المتعلقة بالصعق والتكهرب كان الجسد وهو يحترق يوصل للناس معنى العذاب واللذة ويموت الجسد وتعيش المعاني متوارثة بين البشر.
لكن الاستعمالات الحقيقية للتكهرب، يمكن أن تتعلق بالجسم، فكهربة الجسم يمكن أن نشعر بها حين نلمس أشياء أو أشخاصا، ويكون ذلك حين ينتقل الكهرباء من وسط مادي إلى آخر، أو من شخص إلى شخص، فقد يحدث الأمر حين تلبس نوعا معينا من الثياب مثل قماش البوليستار يسري الكهرباء في جسمك فتتكهرب، لكنْ ماذا تراه كان يسمي ذلك كان من كان يتكهرب قديما وهو لا يعرف بعد الكهرباء ولم تكن العبارة موجودة؟ الأكيد أنه لم يكن لديه هذا الشعور الواضح بأن ما حدث له هو موجة كهرباء سرت في جسده.
كان المواطن الأمريكي وليم فرنسيس كيملر William Francis Kemmler يبلغ الثلاثين عاما سنة 1890، حين كان أول من أعدم فعلا على كرسي بأن كُهرب جسده كان قد قتل زوجته قبل ذلك بعام، وفي سجن أوبرن في ولاية نيويورك، جربت معه هذه الطريقة في القتل التي يقول مخترعوها إنها طريقة رحيمة ويقول المحامون إنها طريقة فظة وغير مألوفة في القتل. كان هذا الاكتشاف بناء على معرفة واعية بأن الجسد إذ يتكهرب يمكن أن يكون قاتلا لقد كان الجسم مستقر التجربة ومنتهاها… يمكن أن يشحن الجسم شحنات تقضي عليه وكان ذلك هو الاكتشاف، فقد جربت على جسد كيملر شحنة بألف فولت لأول مرة، لكنها لم تفقده الوعي ولم توقف قلبه فانتقل الجلاد المكهرب إلى ألفي فولت كانت كافية بأن تخلق مشهد قتل مفزعا.
هذا معنى التكهرب الحقيقي في حقله الدلالي المفضي إلى القتل، عادة ما يستعمل في هذا السياق عبارة طبيعية هي « الصعق» نسبة إلى الصاعقة، التي هي تفريغ شحنة عالية عند التماس بين أسفل السحابة وسطح الأرض. أن تصعق هذا فعل مألوف وأكثر استعمالا في المعاني الدلالية المجازية فمن الممكن أن يصعقك خبر مفاجئ هو شعور بالخبر كشعور من وقعت على رأسه صاعقات السماء، وحين انتقلنا من هذا المعنى الشائع القديم إلى المعنى العلمي الجديد، بات المعنى أكثر دقة وأكثر اصطناعا: هل يعني هذا أن اللغة استعارت من الطبيعة صعقتها وصارت قادرة على أن تصنعها في أي لحظة؟ قد تكون ممن يعتقدون أن الاختراعات التي تخدم البشر هي نفسها يمكن أن تقضي عليهم، وأن المعاني العلمية يمكن أن تصطاد المعاني العامية وتهذبها وتدققها حتى تصبح قاتلة. لقد عاش معنى الصاعقة العربي وحيدا فريدا واستعمل في المعاني الحقيقية والاستعارية الموجبة والسالبة والرمزية، فمن الممكن أن تصعق بخبر سيء، ومن الممكن أن تصعق بالمعنى الموجب حين تقف مذهولا من رؤية وجه صبوح، لكن الاستعمالات التي كان يستخدم فيها معنى الصاعقة وما اشتق منها كان مختلفا عن معنى التكهرب. فحتى لو استفاد هذا المعنى من الصاعقة بعض معانيه، فإن امتداد الحقل الدلالي الاستعاري إلى الجو في قولنا (جو مكهرب) لا يمكن أن يقاس بالصاعقة التي هي لحظة خاطفة تصيب الفرد، فهي قدر فردي، لكن الكهربة يمكن أن تكون وضعية شاملة.
لقد كان الجسد هو الوعاء الذي أنتج جميع المعاني المتعلقة بالصعق والتكهرب كان الجسد وهو يحترق يوصل للناس معنى العذاب واللذة ويموت الجسد وتعيش المعاني متوارثة بين البشر. الجسد كان وعاء التجربة نفسه حين يكهرب الجسد ويموت يعرف الجلاد أحيانا ما هي الطاقة التي يتحملها الجسد وهو يواجه طاقة الكهرباء ويعرف من يرى جسما متفحما من الصاعقة، أن الصاعقة نارٌ مرسلة ثم حين يتضح الوعي العلمي يعرف أنها شأنها شأن الكهرباء، جعلت كي تقتل الأجسام فليس في الأجسام من كمال أمام الغوائل.
أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية