عقب زيارة حافلة لوادي السيلكون، المنصة الأهم للإبداع التقني في الولايات المتحدة الأمريكية وربما العالم، لبيت دعوة من الحكومة الكندية لزيارة العديد من المحطات العلمية، ضمت مراكز الأبحاث وإحدى الجامعات واحد مستشفيات الاطفال، التي تطبق تقنيات التطبيب الإلكتروني والعديد العديد من مراكز الإبداع والريادة وحاضنات الأعمال، إضافة إلى جملة من اللقاءات الرسمية مع وزراء الاختصاص.
إحدى تلك الزيارات شملت ما يعتبره الكنديون المركز الأول للإبداع والبحث الأكاديمي، والحاضنة العلمية المعروف بمركز ‘مارس’، أو ما يعرف اصطلاحاً باللغة العربية بالمريخ. هذه الزيارة إلى ‘المريخ’ فتحت جرحاً كبيراً وغائراً في الضمير، خاصة أنها أبرزت دور المهاجرين العرب وغيرهم في تطور التعليم في كندا، الوطن الأول للمهاجرين العرب ذات يوم، ليس لضحالة مشاركاتهم لا قدر الله، بل لظروف هؤلاء التي أدت بهم إلى الهجرة على حساب أوطانهم، مما شكل هجرة واضحة للعقول ونزيفاً علمياً مهماً.
فالعالم العربي الذي قدم للبشرية ما قدم ذات يوم لا يستطيع اليوم أن يقدم أوراقاً بحثية ذات مصداقية، تزيد عن خمسين ورقة علمية كل عام، بل بات يعتمد في ما يعتمد على تفضيل تعليم أبنائه خارج بلدانهم والعلاج بالخارج. ولا تساهم بلدانه في سوق التقانة إلا بالنزر اليسير من تطوير البرمجيات وأنظمة التحكم وتطبيقات الهاتف المحمول وأبحاث مرتبطة ببعض المجالات العلمية، بل ان أبناء الموسورين، ومن استطاع للدعم المالي سبيلا، يتباهون بتعلمهم في الخارج وعلاجهم في الخارج، حتى أن القيادات في العالم العربي تلجأ للتطبب خارج حدودها، رغم وفرة المال في بعض دولها والقدرة المالية على شراء أحدث التقنيات وافضل الخبرات والكفاءات.
ومع ولادة ما يسمى بالربيع العربي ازدادت الأمور صعوبة وتدهورت معدلات المساهمات العلمية والفكرية، وتقهقرت المؤسسات الفكرية والثقافية وانكفأت مسيرة العطاء المعرفي وحتى الفني في دول نافست في ما قدمته ذات يوم أعتى الدول واكبر المؤسسات الدولية.
أما الجامعات العربية فقد تفاقمت مشاكلها المادية وتراجعت قدرتها على التركيز على البحث العلمي، وتحولت إلى منصات التسول الدائم بينما تراجع الأداء في امتحانات الرياضيات والعلوم على اختلافها.
أما الأحزاب السياسية فقد انتقلت من مرحلة الانتقاد والتنافس إلى الاتهام والتناحر والصراع على المناصب، من دون الالتفات للأسباب الرئيسية والدوافع والأهداف التي ولدت من اجلها تلك الأحزاب. فلو أنها أتمت ما عليها ثم اختلفت ديمقراطياً فإننا جميعاً سننحني لها احتراماً، أما أن تتحول إلى منصات للقدح والشتم والقذف وتغذية المعارك الطائفية والمحاصصات الوظيفية فهذه طامة كبرى سيصعب العودة عنها الا بانقراض تلك الأحزاب.
أما النشاط الرقمي في العالم العربي فيشهد حيزاً مهماً من انعكاس الواقع المضني والمذكور آنفاً على جنباته، من قذف وقدح وتشهير وصراع طائفي يتعزز مع قدرة الوصول إلى الجمهور الأكبر.
رحلة المريخ هذه أعادت إلى الذهن ما كان يدور بين جموع المغتربين حول تعريف الوطن، الذي يراه البعض اليوم المكان الذي يعيش فيه الإنسان بكرامة وسعادة وأمان، وليس العنوان الذي ولد فيه الانسان وارتبط به فكراً وثقافة وديناً وعقيدة.
لقد أُجهدت الأمة العربية خلال الأعوام الماضية أسوأ إجهاد، بل باتت معتلة ومصابة بداء التراجع العلمي المزمن، حتى أن معظم دولها التي شهدت تبعات الربيع العربي لم يعد يصلح ما تبقى من مدارسها للتعليم كونه تحول إلى مراكز للإيواء والحماية بعدما هدم التناحر بيوت الناس واحلامها.
العالم العربي يولد الشعور اليوم بالحاجة إلى كوكبٍ جديد يعاود فيه بناء آماله ومساحة الكرامة المسلوبة، ويستنهض أداءه العلمي ومساهماته المعرفية والبحثية التي تعطيه التقدير والاحترام اللازمين في عالم الإنتاج الابداعي.
نعم لا حياة مع اليأس، لكن لا حياة مع الاستمرار في قتل النفس بالنفس.
لقد آن الأوان لأولي العلم في العالم العربي لدراسة أمورهم والبحث عن سبل الخروج من ضنك التقهقر المستقبلي في زمنٍ ُيفرح العدو ويحزن الصديق.. فإن لم يفعلوا فإن عالمهم لا بد أن يكون في مجرة أخرى.
*كاتب فلسطيني