لندن – «القدس العربي» : صُدمت حقيقةً بقدرة الغدد الدمعية على إفراز سمومها، إذ اعتقدت أن هناك حداً لمياهها الجارية، لأكتشف أنها قادرةً على الإدلاء بمياهٍ لأممٍ بأكملها. ما زلت لم أفهم شيئاً. ما زلت أعتقد أنني في حلم. لم تعد الحياة كما كانت. كل شيءٍ تغير.
لم أقابله يوماً، لكنني أراه دوماً. أراه أينما تحل عيناي، في هاتفي، في غرفتي، في أقاربي، في أصدقائي، في إخوتي. هو كل شيء في حياتي بعد عائلتي. ليونيل ميسي صاحب التأثير الأكبر على شخصيتي بعد أمي وأبي. سيد التواضع والأخلاق والنُّبُل قبل كل شيء. منذ أن رأت عيناي أشعة الحياة، لا أذكر سوى مشاهدة ليونيل ميسي. نشأتُ على لمساته وترعرعت على سحره، أمضيت معه السراء والضراء، وكنت ظهره وخط دفاعه الأول في الخسارة قبل الفوز. لا أتذكر ملامحه سوى بالأزرق والأحمر، فأصبح روتيني اليومي يفتقد للكمال إن لم أره في هندامه المعهود مرتين خلال الأسبوع على الأقل.
هذا الطفل الخجول، قليل الكلام ووفير الجودة، ومعجزة القدرة الإلهية غيّر حياة الكثيرين. قصة نشأته ووقوفه على ضفاف العالمية تحمل في طياتها المعاناة، لكنها لا تشبه شيئاً آخر. فهو اللاعب الأسطوري الذي ختم علم الجلد المدور. لم تعد الأرقام وآليات الإحصاء قادرة على مجاراة عظمته. فعند الحديث عنه كونه الأعظم ممن لمسوا الكرة عبر التاريخ لا نكذب، فمقارنته بأي لاعبٍ آخر هي جريمة. قد يتهمني القارئ الكريم الآن بالمبالغة المفرطة في الوصف والمديح، لكن دعنا نفكر سوياً بعيداً عن الأرقام والإحصائيات والإنجازات الفردية والجماعية، هل سبق وأن رأيت لاعباً يقترب من الكمال الذي وصل إليه ميسي؟ هل سبق وأن رأيت لاعباً يجمع بين التهديف والمراوغة وصناعة الأهداف في آنٍ واحد؟ هل سبق وأن رأيت لاعباً يحتوي على ذكاء وبديهة ميسي؟ أشك في ذلك. فميسي لا يجمع بينها فحسب، بل أنه الأفضل في كل خانة من الخانات المذكورة! فهو أذكى مراوغ وأفضل صانع للأهداف عرفته البشرية، وصاحب المعدل التهديفي الأعلى للاعبٍ في عدد مبارياته المهول. يمكنني أن أجلس هنا وأكتب جريدةً كاملة في أرقام ميسي، لكن لمن تابعه لسنواتٍ طويلة يعرف عمّا أتحدث. فمن من مشاهدي كرة القدم عبر العقدين الماضيين لا يعرف ليونيل ميسي؟ فقد أنعم الله علينا أن نحيا في عهد ميسي وفي سحر ميسي، فهو ظاهرة بكل ما تحمله الكلمة.
لا أتذكر أنني مررت في فترةٍ أصعب من الأسبوع الذي مضى. وكأن شخصاً ينتزع قلبي من مكانه. فبمجرد أن أرى ميسي بلباسٍ غير لباس برشلونة أشعر بغصةٍ لا تشبه أية أنواع الأوجاع الأخرى. فقد أتخيل حدوث كل شيء في العالم سوى خروج ميسي من قلعة الكتالان. فميسي خُلق لبرشلونة وبرشلونة خلقت لميسي، وكان كل شيءٍ يشير لعدم انتهاء قصة العشق هذه بتلك الصورة المؤلمة.
اليوم، ومن هول صدمتي لا أعرف من المسؤول عن هذه الكارثة. هل ألوم بارتوميو، الرئيس السابق للنادي الذي أبرم العديد من الصفقات والعقود التي جعلت برشلونة النادي الأعلى مديونية في العالم؟ هل ألوم لابورتا، الرئيس الجديد للنادي الذي جعل من تجديد عقد ميسي واجهةً لحملته الانتخابية والتي فاز على أساسها؟ هل ألومه على تمسكه بفكرة السوبر ليغ مقابل الاستغناء عن خدمات ميسي؟ هل ألومه على عدم قدرته على بيع اللاعبين أصحاب الرواتب المرتفعة؟ هل ألوم الجائحة التي ضاعفت العجز المالي للنادي وللعالم بأسره؟ هل ألوم رابطة الدوري الإسباني التي خسرت اللاعب الأكثر إدخالاً للمال لأنها لم تتساهل في تسجيله؟ لا أدري. لكن ما أعرفه أن كل المذكور أعلاه ساهم في خروج اللاعب الاعظم في التاريخ من نادي برشلونة. فأنا على يقين أن التاريخ سيكشف عن كافة الأسرار.
ما يجعل خروج الأعظم بالتاريخ من نادي حياته مؤلماً هو أن كل شيءٍ حدث في نصف ساعة. كان توقيعه للعقد الجديد مسألة وقت، بعد أن أغلق الاتفاق شفهياً قبل شهرٍ أو أكثر بحسب الصحافة الإسبانية. لكن انهيار الصفقة بهذه السرعة يجعل الرحيل مؤلماً بصورةٍ بشعة. فلسان حالي يقول: «من سيحول أحزاننا إلى سعادة أسبوعاً تلو الآخر؟» فسحر قدميه لا ترويهما ألف قصيدة، ولا يعوضهما آلاف اللاعبين.
ميسي اليوم لاعباً لباريس سان جيرمان. مقولة يصعب عليّ كتابتها وتقبلها. فلا أعرف إن كان الزمان قادراً على مداواة جروحي. فقد رحل ميسي وسرق قلبي معه، لكن روحي ووجداني بقيت في كتالونيا التي أحب. ميسي سيبقى ميسي، فأنا وهبت نفسي لمتابعته أينما حل وارتحل حتى اعتزاله، لكنني أتمنى رؤيته مرةً أخرى وأخيرة في زي معشوقته الأبدية برشلونة، ليحظى بوداعٍ يليق به وبما قدمه لهذا النادي العريق.