رحمك الله يا شيخ الكرام، وعطّر ثراك وبلّل ضريحك بماء الكوثر
17 - December - 2013
حجم الخط
0
لقد فقدتك الأسرة الأكاديمية وخسرتك الجامعة والبحث العلمي، وفجعت في فقدك الجزائر التي حينما صرخت ونادت يوما يا بني من لي في هذه الظلمة من الاحتلال الفرنسي قهرا وظلما وجورا وإبادة وحرقا وهتكا للأعراض … فقلت أنا دون انتظار لمبادرة الآخرين فصدق فيك قول طرفة ابن العبد إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني عنيت فلم أقعد ولم أتبلد فجعت فيك الأمة العربية الإسلامية لأنك من أهل الهمم الذين لم يضعفهم الحال وتسكنهم مشدات الوهن وزخارف الحياة، فكان قلمك بعاث لنور لب الجمال في هذه الأمة وأننا ما خلقنا إلاّ أسيادا في هذه الحياة يحبون الخير للناس جميعا، كما كان قلمك سيفا في وجه جحّاد الخير والفضل والتاريخ فكنت نعم الكاتب للجزائر و للإسلام . رحمك الله يا شيخ الكرام يا من فقدك أبناؤك من أهل التاريخ وأنا منهم لقد كنت نعم الباحث خيارا ومنهجا وناقدا ومقلبا للرويات . كنت نعم الباحث في الصبر وتحمل المصاعب من أجل الوصول إلى الهدف دون كلل أو ملل ولم تزدك العوائق إلاّ إصرارا على التغلب والاجتهاد في إحداث وسائل الوصول إلى الهدف، كنت نعم الباحث الذي لم يوهنه البعد عن امتلاك وسائل الوصول مثلما أوهن الكثير ولم توهنه قلة العيش وضعف الحال في الانطلاق للوصول إلى أعلى الدرجات، إنها همم الرجال الذين صدق فيهم قول الشاعر : بصرت بالراحة الكبرى فلم أرها تنال إلاّ على جسر من التعب إنها همم الرجال الذين أدركوا بأنه ليس كل الموت مغيبا بل هناك موت ينبعث منه الخلود في هذه الحياة و إن ذلك لن يحققه المال و إن زاد ولا المنصب وإن علا ولا استعباد الناس وإن جلا وإنما بابه واحد هو العلم، لأن العلماء اصحاب البصيرة هم أكثر قربا لفهم الحياة وما يراد وهم أحق الناس بالفخر ما الفخر إلاّ لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء وقدر كل امرئ ما كان يحسنه و الجاهلون لأهل العلم أعداء ففز بعلم تعش حيا به أبدا الناس موتى و أهل العلم أحياء فمن سيعوّضك في طلب العلم وإتقان العمل والحرص على مستوى الطلبة حتّى لا يتدنّى بهم المتدنّون ويعبث بهم العابثون. كنت مؤرخا في أعلى طراز في الأخلاق والانضباط والاجتهاد والتفوّق، وكنت ابن قمار الأصيلة وحفيد الكرام البررة، كنت ابن الجزائر البار الذي لم يكبله ظلم الاحتلال عن الوصول ولا أوهامه لاستجلاء منابع الحق التي هي الأحق. كنت نعم السفير في الشرق أم في الغرب لهذه الأرض الطيبة تجدّ في اكتساب العلم وتجتهد في معرفة الأصول وتكدّ في إبلاغ تاريخ الجزائر الحر وفوق كل ذلك تبرز عبقرية هذا الوطن في رجاله وأخلاقه وعلمه وسيادته من لنا بعدك يا شيخ الكرام بمثلك فقدنا عظمة الأساتذة – ونسأل الله أن يعوضنا – الذين يؤثرون على أنفسهم ويسهرون على تخريج طلبة أقوياء مؤهّلين لشقّ طريق البحث العلمي في حين راجت بضائع الانتهازيين والوصوليين. من لهؤلاء الطلبة الأيتام، وقد غبت عنهم وخلا منك الميدان، ولعلمهم سيجدون زعانف ومبتذلين، ولكنهم لن يجدوا مثلك في تقديم النصح وتقويم العوج والانقطاع للبحث والكتابة والمنافسة على التفوّق البريء. غادرتنا في أوجّ الشتاء والارض عطشى والناس لهفى والعصافير تبحث عن الكريم الأصيل وقد شحّت الأرض وعجـــــزت النساء في مثل هذا الزمان أن تنجب من أمثالك الكل في طلب من الله أن يرزقنا الخير فنسأل الله أن يرزقنا عوضا عنك وأن يحرك همم الكتاب وأصحاب الأقلام أن ينحو نهجك وأن يعلموا أن الموت موعود فلا تكتبن بكفك غير شيئ يسرك في القيامة أن تراه، فاسرر يا سعد الله واهنأ لأنك ما كتبت إلاّ ما سيسرك الله به يوم القيامة . رحمك الله يا سعد الله، لقد فقدنا فيك الشجرة التي تغطينا كباحثين فانكشفنا، وفقدنا فيك البحث التاريخي الأصيل فاهتززنا، وفقدنا فيك العالم صاحب القيــم والمبدأ فهل على أثرك سنبني؟ وفقدنا فيــك العطاء والابداع فهل بميزاتك سنغني؟ لا بحيلتنا إلاّ أننا نسأل الله أنه مثلما علا من مقامك في الدنيا أن يزيدك علوا في الآخرة كما نسأله أن يثبت فينا كلمة وفاء لك على اتباع النهج ودمـــعة أســـى وفقد لأب ومعلم لكل أبناء الجزائر والاسلام.
الأستاذ مصطفى داودي أستاذ التاريخ بجامعة زيان عاشور الجلفة الجزائر