الناصرة- “القدس العربي”:
رحل أمس الدكتور عزيز السروجي، أحد أبرز وأقدم الأطباء الفلسطينيين في مسقط رأسه مدينة الناصرة داخل أراضي 48 عن عمر يناهز 96 عاما.
قبل رحيله بسنوات زارته “القدس العربي” في عيادته بالناصرة، وطالما كان يجد عزيز السروجي سعادته في ممارسة مهنة الطب رغم إحالته للتقاعد في السابعة والسبعين من عمره. وخلال الحديث معه كرر السروجي عبارة تعكس رؤيته الفلسفية المهنية للطب بقوله: “أعالج المرضى بحثاً عن الصحة لي ولهم، ففي العمل عافية”.
وقتها كان السروجي يفتح باب عيادته يومياً لمداواة المرضى والمراجعين بسعادة للسنة السادسة والستين دون انقطاع. استقبل المرضى في عيادته، وفي رصيده نحو سبعة عقود من العمل في المهنة المقدسة، وبعد أن عمل لمدة أربعين عاما في عيادته الخاصة بالتعاون مع مؤسسة صندوق المرضى.
السروجي الذي أرسله والده لاستكمال تعلمه في بيروت قبل النكبة سوية مع أربعة أشقاء له، يقول إن مؤسسة صندوق المرضى أحالته على التقاعد وهو في السابعة والسبعين من عمره لكنه رفض فكرة الجلوس في البيت واستمر في معالجة المرضى في عيادته المستقلة أسفل منزله مقابل مبالغ رمزية.

السروجي الذي علقّ صوراً لبيروت وللمؤتمر الطبي الفلسطيني الأول في القدس عام 1945 داخل عيادته لا يثبت يافطة على بابها وردا على سؤال عن السبب يقول: “عندما فتحت العيادة أردت وضع يافطة لكن أبي منعني وقال إن أفضل دعاية للطبيب هي سمعته الطيبة ونجاحاته”.
ذاع صيت السروجي طبيباً بارعاً منذ عقود، وأمّ عيادته مرضى من مختلف أرجاء البلاد، وسبق له كما أكد أن عالج الابن والأب والجد داخل عيادته. وبخلاف سائر الأطباء، فالقلم عنده أداة عمل، فهو لا يستخدم الانترنت ولا الحاسوب في عيادته وواظب على القول: “لست صديقاً كبيراً للتكنولوجيا والانترنت الذي علاوة على ايجابياته، يحتوي على الكثير من المواد السيئة وحتى الآن الكتاب بالنسبة لي المصدر الأول والأخير”.
تابع السروجي: “منذ بدأت مزاولة مهنة الطب حتى اليوم لم أستخدم الحاسوب بتاتا، فلا أسجل بيانات المرضى عبر الحاسوب مثلاً ولا أستخدمه لأي مهمة، فلكلّ مريض بطاقة خاصة به تحوي تفاصيله ومرضه ونتائج الفحوصات ومعطيات عن مزايا سلالته وعائلته وغيرها من التفاصيل، حتى المعادلات الحسابية أقوم بحسابها على أوراقي، وليس باستعمال آلة حاسبة إلكترونية، فالتكنولوجيا، برأيي، دمرت كل شيء جميل في حياتنا، وحولتنا إلى آلات بلا أدمغة، رغم أنني أعترف أن هناك معدات طبية مفيدة جدا وأدّت إلى حل مشكلات طبية كانت منذ زمن تعد مشكلات عويصة وبلا حل، لكنني اعتدت الاعتماد على نفسي خلال أي إجراء طبي وسأظل هكذا”.
الحنين لبيروت
تخرج السروجي في الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1947، وعاد إلى البلاد، وبعد عقود ظل جزء من فؤاده في لبنان كما كان يوضح مبتسماً. وكان يعبر السروجي عن حنينه لبيروت، ويقول إنها كانت مدينة بسيطة وهادئة وجميلة. ويتابع: “بالفعل هي باريس الشرق، كثيراً ما أحلم بها بالليل، فأرى نفسي عائداً إليها مستمتعا بشطآنها وثلوجها”.
فور تخرجه، بدأ الدكتور السروجي بمزاولة مهنة الطب في لبنان داخل مستشفى الجامعة الأمريكية، ثم التحق بالصليب الأحمر ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين في عين الحلوة ومدينة صور مقدما المساعدة لأبناء شعبه اللاجئين من فلسطين.
واستذكر زمالته لجورج حبش الأمين العام الراحل للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الذي تخرج طبيبا وقتها في ذات الجامعة. وعن ذلك قال: “عُرف جورج حبش بذكائه الشديد فتخرج بدرجة امتياز رغم انشغاله بقضايا السياسة والعمل الوطني، وكذلك الدكتور حيد عبد الشافي تميز بثقافته ووطنيته وأخلاقه العالية”.

العودة للبلاد متسللا بعد النكبة
قرر السروجي عام 1951 العودة إلى بلاده ماشيا متسللاً عبر الجبال الفاصلة بين لبنان وفلسطين في المحور المعروف بمحور رميش حرفيش فاعتقلته السلطات الإسرائيلية فور اجتيازه الحدود، ولاحقا أطلقوا سراحه لحاجة البلاد وقتها لأطباء. وما لبث أن عمل في المستشفى الانجليزي في الناصرة قبل افتتاح عيادته الخاصة سنة 1954.
عن تلك الفترة قال مستذكرا: “في السابق لم يكن هناك الكثير من الأطباء وتحديدا عندما قمت بافتتاح عيادتي عام 53، فكان في الناصرة كلها خمسة أطباء، أما الأجهزة الطبية المتطورة في مهنتنا فقد توفرت منذ 10 سنوات فقط، وتشخيص الأمراض كان عبر فحوصات يقوم بها الطبيب، كفحص البول وفحص عام للجسم، واليوم عندما يأتينا مرضى –أحيانا- أوجههم لإجراء فحوصات ليزر وأشعة في المستشفيات المجاورة أو إلى أطباء مختصين لكنهم قلائل، فمعظم التشخيصات أقوم بها بنجاح، هنا، داخل عيادتي”.
أمراض الأمس واليوم
وشدّد الدكتور السروجي على أن أمراض اليوم اختلفت باختلاف عصرنا قائلا: “الأمراض التي كنّا نراها سابقا هي أمراض عادية: إسهال، تقيؤ، التهابات. أما أمراض اليوم فـ50% منها نفسية. وذلك نتيجة أن الناس اليوم مضطربون وغير سعيدين ولا مرتاحين، كذلك فإن المرضى اليوم يشكون من الألم وأمراض مبهمة، كالألم في الرأس والأرق وقلة النوم، كلّ هذه الأمراض جاءت بسبب التمدّن الحالي، والضغوط اليومية التي تلازمنا”.
وضمن تعليق سروجي على مهنة الطب هذه الأيام، قال إن المهنة لم تعد كما في السابق، ولم يعد الأطباء كما كانوا أيضً،ا فقد باتت مهنة أوراق، فأنت تتوجه إلى طبيبك لتأخذ منه ورقة بعد جلوسك أمام آلة فتنتقل بالورقة التي حصلت عليها منه لعيادة أخرى وهكذا، لذا لم يعد للطبيب دور ملموس في رحلة المريض العلاجية، للأسف.
يشار إلى أن أربعة من أشقاء الطبيب الراحل هم أيضا قد تخرجوا من الجامعة الأمريكية في بيروت، وكانوا يقيمون في فترة تعلمهم الجامعي في بلدة برمانة القريبة من بيروت، ومنهم طبيب ماهر وبارز هو الآخر الراحل دكتور الياس السروجي، الذي وثق تجربته في كتاب مذكرات مثير تحت عنوان: “مذكرات طبيب من الناصرة”.
ومع شيوع خبر رحيله، كتب كثير من الفلسطينيين في الداخل عن أفضال الطبيب المتميز بإنسانيته، واستذكروا ما قاله أجدادهم وآباؤهم عنه، وهو الطبيب الذي متى زرته شفيت من الأوجاع لإصغائه للمرضى وتعامله الإنساني الحقيقي معهم.