بغداد- “القدس العربي”: توفي في العاصمة العراقية بغداد عصر يوم الاثنين 22 يونيو/حزيران 2020 الروائي العراقي حميد الربيعي، بعد رحلة طويلة مع مرض السرطان، أخذ الكثير من صحته، لكنه رغم ما كان يكابده من صعوبات بسبب تنقله بين عدد من البلدان، لأجل العلاج، لم يتوقف عن الكتابة الإبداعية،وعلى عكس ما كان متوقعا منه، فقد حاول أن يواجه هذه التجربة بكل مرارتهاعبر الانشغال في الكتابة الروائية.
في آخر موضوع له، كان قد نشره في موقع “الناقد العراقي” علّق الربيعي على ما أصاب العالم من تداعيات هذه الأيام بسبب جائحة كورونا، فقد بدا واضحا أنه لم يكن على قدر كبير من التفاؤل، بما آلت إليه الحياة وسط هذا الخراب، الذي بات يشكل صورة العالم، فكتب بهذا السياق “نحن بأمس الحاجة إلى عالم آخر، تسوده القيم والأخلاق والمبادئ الإنسانية. لقد اثبت داء كورونا أن الأنظمة السياسية، بمختلف أشكالها، جعلت الإنسان أمام الواقع المر، فقد انهارت مؤسسات الدول، المتقدمة والمتخلفة، وأصبح الشخص يواجه مصيره الحتمي منفردا”.
سبق لـ”القدس العربي” أن نشرت لنا حوارا معه في 13 يناير/كانون الثاني 2019، لعل أبرز ما جاء في إجاباته، كان قد تمحور حول محنة الكاتب في المنطقة العربية فكان رأيه “مصيبة الكاتب العربي أنه يتحرك في حقول ألغام مزروعة منذ أزمنة قديمة، ومازالت فعالة، بينما وعيه وكتابته تتطلب تحريك الساكن في هذه الحياة، مما يجعل الصدام واقعا لا محالة في أي منعرج يخوض به، وبسبب تكشف مكنونات الحياة، لم تعد التورية والمواربة مفيدة، كما كان يستعملها الكتّاب في بدء عصر التنوير، فالسلطة، أي سلطة، لها من الإمكانية بأن تراقب مثل هذه الخروقات، وتقف لها بالمرصاد، ونتيجة المواجهة الحتمية التي خلقتها وسائل الحياة، أصبح رأس الكاتب هو الثمن، لأي محاولة يقوم بها في هذا الصدد”.
الراحل من مواليد مدينة واسط (الكوت) 1951 حاصل على شهادة البكالوريوس من جامعة بغداد في عام 1976. وحاله حال العديد من الأدباء العراقيين، كان قد غادر العراق في نهاية سبعينيات القرن الماضي، بعد ان تردَّت العلاقة بين السلطة السياسية نذاك والقوى والأحزاب العاملة في الساحة العراقية، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي، فأستقر في المنفى الأوروبي لمدة تجاوزت الثلاثين عاما، أقام الشطر الأكبر منها في العاصمة النمساوية، على أمل أن يعود في يوم ما إلى بلده، وبعد عام 2003 كان موعد رجوعه إلى بغداد، وبدأ يستعيد نشاطه الأدبي بشكل كبير، فأصدر مجاميع قصصية وروايات، إضافة إلى كتاب تنظيري حول الكتابة السردية، إضافة إلى ترؤسه لنادي السرد في اتحاد الأدباء والكتّاب العراقيين، حيث تتجلى مهمة النادي في الانفتاح على الأدباء والكتّاب الذين يعملون في مشغل الكتابة السردية، وإقامة الأماسي والندوات، للاطلاع على تجاربهم، وتقديم شهادات نقدية عنها من قبل زملائهم الأدباء والنقاد.
وفي إطار بنية كتاباته وانشغالاته الفنية، فقد تأسست أعماله السردية، سواء في القصة أو الرواية، على اهتمام واضح بحضور الخطاب الميتاأدبي في نصوصه الإبداعية، وهذا ما سبق أن أشار اليه الناقد عقيل هاشم في قراءته لرواية “أحمر حانة” التي صدرت عام 2017. ويضيف هاشم بهذا الخصوص”الكتابة لدى الربيعي تتحدث عن نفسها، وعن شروطها السوسيوثقافية، وعن ضرورتها باعتبارها تجليا للوعي، في إشارة إلى تداخل خراب الأمكنة”، وسبق لنا أيضا أن تناولنا روايته “أحمر حانة” في مقال نقدي نشر في “القدس العربي”، أشرنا فيه إلى رؤية الربيعي في إطار إعادة كتابة التاريخ إبداعيا،أي من وجهة نظر ذاتية، بعيدا عن التوثيق العلمي، بالانزياح ناحية منطقة التخييل، وهذا يعني حضور وهيمنة الأسلوب واللغة الروائية، متجاوزا بذلك المحددات الموضوعية، التي عادة ما تأسر المؤرخ في تعامله مع الحدث.
بعد ان تأكد خبر رحيل الربيعي وسط إجراءات حظر التجوال، الذي تعيشه البلاد، نعاه اتحاد الأدباء العراقيين بكلمة أثنى فيها على مسيرته الحافلة بالعطاء، استذكر فيها عناوين بعض نتاجه الأدبي، جاء فيها “ينعى الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق، القاص والروائي حميد الربيعي، الرحمة لروحه الطاهرة، والعزاء للوسط الثقافي.. وخالص التضامن والمواساة لعائلة الفقيد، ولأهله ومحبّيه الصبر والسلوان. لقد (تعالى وجع مالك) لتتعالى روحه الطاهرة نحو السماء،وهي تمتد في (دهاليز للموتى)،وتتجوّل في (بيت جنّي)،وتقف عند ضفاف (أحمر حانة)..يا حميد الربيعي، يا مدرسة الحياة وصانع التحدي، لقد كنت تنشر الأمل بقوتك النابضة فلا (تجدد موتك مرتين) وخذ معك من قلوبنا لأسعد اللامي ولمحمد علوان جبر رسائل المحبة والدموع. وداعاً.. أيها السارد الأمهر”.
ومن جانبه عبر رئيس اتحاد الأدباء ناجح المعموري بشكل شخصي عن هذا الفقدان الأليم قائلا “صديقي العزيز السارد الكبير حميد الربيعي، ستبقى بذاكرتنا غيوم عطر ومطر” . كما أشاد عدد من الأدباء بمسيرة الفقيد وعبّروا بكلمات موجزة عن عميق حزنهم لرحيل الربيعي، فكتب الروائي عبد الخالق الركابي في صفحته بموقع الفيسبوك ما يلي “حميد الربيعي مات…يا إلهي لم تعد أبجديتك المقدسة تكفينا لنرثي بها أحباءنا؛ فها هو (طائر آخر يتوارى) خلف أفق كوكبنا الحزين؛ فمن أين آتي بالدموع والراحلون استعاروا كل ما في عينيّ مخلفين من بعدهم ملح الحنين؟ يا ربي الحنون خذ بأيديهم إلى ملكوتك المطهر، فهم لا يزالون يتلمسون سبلهم إلى فردوسك بنبض قلوبهم التي خلفوهارهينة بين أيدي محبيهم المتعبين”.
أيضا الروائية لطفية الدليمي عبّرت عن عميق حزنها لهذا المصاب، الذي طال واحدا من أبرز وأنشط الأسماء الروائية في الوسط الأدبي العراقي، مشيرة إلى العلاقة الوثيقة التي ارتبط بها الراحل مع صديقه الروائي محمد علوان،الذي لم يمض على وفاته سوى أسابيع معدودة، ليلحق به الربيعي، فكتبت بهذا الخصوص” يا للحزن. حسبنا فقدانات موجعة. لحق حميد مسرعا نحو خله ورفيقه محمد علوان. لم يحتمل. غصة البقاء وحيدا، لروحك السلام والرحمة،فواجع تترى”.
أما الشاعر العراقي حسن النواب، فقد جاءت كلمته المقتضبة في صفحته بموقع الفيسبوك تعبيرا عن تلاحق رحيل الأسماء الأدبية في العراق هذه الأيام، فكتب قائلا “يا إلهي نفدت المرثيات ونجوم الإبداع تتساقط تباعًا من سماء العراق، حنانيك يا ملك الموت، رفقاً بالذين تبقى لنا منهم”.
يذكر أن هناك أكثر من عشرين أديبا وشاعرا عراقيا، طالهم مرض السرطان،وقد وجدوا أنفسهم عالقين بين لحظة عصيبة ما عادوا فيها قادرين على أن يجدوا أي أمل بتحسن وضعهم الصحي، بعد أن غابت عن مستشفيات العراق أبسط الخدمات، التي ينبغي أن يتلقاها المصابين بهذا المرض، وقد سقط منهم خلال العامين الماضيين عدد من الأسماء المعروفة أبرزهم، الروائي اسعد اللامي، والشاعرسعد الصالحي.
من أبرز العناوين التي أصدرها الراحل حميد الربيعي في مجال الكتابة الروائية: “سفر الثعابين” 1987 ، “تعالى.. وجع مالك” 2010 ، “جدد موته مرتين” 2012، “دهاليز للموتى” 2014، “أحمر حانة” 2017، أما في إطار الكتابة القصصية، فقد صدرت له مجموعة قصصية بعنوان “بيت جني” 2016، وأخرى صدرت مطلع هذا العام 2020 بعنوان “غيمة عطر”.