تطوان ـ «القدس العربي»: توفي مساء أمس الأربعاء 20 إبريل/ نيسان 2022، في مدينة العرائش المغربية، الشاعر حسن الطريبق عن عمر يناهز 84 سنة.
ولد الراحل عام 1938 في مدينة القصر الكبير، وحصل على الإجازة في الآداب في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في فاس، ودبلوم الدراسات العليا في الأدب العربي في الكلية نفسها سنة 1980، ثم على دكتوراه الدولة في كلية الآداب في الرباط في موضوع، «القصيدة العربية الحديثة والمعاصرة بين الغنائية والدرامية». زاول منذ سنة 1958 مهنة التعليم، إذ عين مدرسا في التعليم الثانوي في العرائش، ثم أستاذا جامعيا في كليتي الآداب في فاس وتطوان. وقد واظب إلى جانب نشاطه السياسي داخل حزب الاستقلال، على نشر إنتاجه الشعري منذ سنوات الخمسين، ولم ينقطع عنه كما حصل لبعض مجايليه من شعراء الخمسينيات والستينيات، ومزج فيه بين الشكلين العمودي والتفعيلي، بل إنه كتب باللغة الإسبانية بعضا من أشعاره. كما ألف في المسرح الشعري وبرع فيه، وكتب المقالة الأدبية والدراسة النقدية، وساجل من خلالها أدباء عصره في قضايا أدبية ولغوية، كما يفصح عن ذلك كتابه الصادر حديثا: «السجالات النقدية» (منشورات أخوين سليكي، طنجة 2022) وشارك في العديد من المؤتمرات واللقاءات الأدبية والثقافية في المغرب وليبيا وتونس والجزائر ومصر والعراق وإسبانيا.
من دواوينه الشعرية: «تأملات في تيه الوحدة» 1972، «وما بعد التيه» تقديم علال الفاسي 1974، و»العقبى والنار» (مجموعة شعرية مسجلة على كاسيت) كما أصدر ديوانا شعريا باللغة الإسبانية تحت عنوان «صدى الهروب» وقد ترجمه عبد الرحمن الشاوي. وفي المسرح الشعري «مأساة المعتمد» 1972 و»وادي المخازن» 1974 و»بين الأمواج والقراصنة» 1982. وكتب في النقد الأدبي: «القصيدة العربية الحديثة والمعاصرة بين الغنائية والدرامية» و»نظرات في الشعر الإسباني وتطوره» و»الشعر المسرحي في المغرب، حدوده وآفاقه». وفي أدب السيرة صدر له حديثا: «مذكرات سجين» (منشورات أخوين سليكي، طنجة 2022) ومن خلالها يوثق وقائع اعتقاله في مفوضية الشرطة في العرائش بعد المحاولة الانقلابية على الملك الراحل الحسن الثاني عام 1971، وأطوار التعذيب الذي تعرض له، وفصول المعاناة التي لاقاها في سجن القصبة في طنجة بعد التهمة الخطيرة التي لفقت له، وهي إهانة الملك. وربما كتب هذه السيرة ليشفى من «السجين» الذي كانه، ومن الظلم الذي ظلّ يلحقه إلى أن رحل.
نعي وشهادات
منذ أن علم بخبر الوفاة على مواقع التواصل الاجتماعي، نعاه أصدقاؤه وطلبته ومحبّوه، ونشروا صوره وعناوين مؤلفاته وذكرياتهم معه. كتب الشاعر ورفيق دربه عبد الكريم الطبال:
« الآن أنا سألت القصر الكبير
الشاعر الحكيم
عن ابنه الشاعر الحكيم حسن الطريبق
فقال لي: دمعة بعد دمعة ونحيبا
بعد نحيب
فعراني الصمت الحزين
وقلت لي: دمعة أرثي بها صديقي
مع الدعاء بالرحمة»
ونعاه عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية في تطوان مصطفى الغاشي باعتباره كان أحد أساتذة شعبة اللغة العربية وآدابها سابقا، الذين طوروا الدرس الجامعي وخرّجوا فيه أجيالا من الباحثين والمبدعين. كما نعاه اتحاد كتاب المغرب وأشاد بنتاجه الأدبي الذي أغنى الخزانة المغربية. ونعاه كذلك كريم سليكي ناشر مؤلفاته. وقال عنه الناقد نجيب العوفي إنه «أحد الرموز التاريخية الفاعلة والمرموقة في أدبنا المعاصر، ورفيقنا الصنديد على درب السجال النقدي في سنوات السبعين الساخنة المتلاطمة بالأفكار والمنازع الأدبية والأيديولوجية. سجال لم يفسد لودّنا وصفاء طويّتنا قضية. تقارعت أقلامنا الفتية كالأسنة وتآلفت قلوبنا كالأحب».
وكتب العلامة اللغوي عبد العلي الودغيري: «جمعتني بالمرحوم صداقة وأخوة لسنوات وعقود، لكن ذلك لم يمنع من أن تقوم بيننا مناقشات وسجالات نقدية في فترة من الفترات، كنتُ فيها مبتلًى ابتلاءً بحرفة الأدب، إثر صدور ديوانيه: (تأملات في تيه الوحدة) و(ما بعد التيه). وقد نُشِرت تلك السجالات على صفحات «العلم الثقافي» في حلقات. وكان في آخر لقاء لي به منذ أكثر من عشر سنوات، على هامش ندوة تكريمية للمؤرخ المرحوم محمد بن عزوز حكيم في مدينة العرائش، قد أخبرني عن عزمه على إخراج سجالاته النقدية التي جرت بينه وبين عدد من المثقفين والأدباء والباحثين، كنت واحدا منهم، بعد أن جمعها ـ كما قال ـ في أكثر من جزء. والحق أن تلك السجالات والكتابات كانت في وقتها حدثا أدبيا ذا أهمية في حد ذاته، ولا يمكن للباحث في الأدب المغربي المعاصر تناسيه أو تجاوزه. فقد شغَل حيّزا لا بأس به من الفضاء الثقافي بالنقاش والحوار الجاد وتلاقح الرؤى والأفكار، وإن لم يخل من صخَب المعارك التي تعالت فيها الصيحاتُ واحتدّت الأصوات وتُبودلت الاتهامات. ولاسيما أن الظرفية كانت تعكس بحق ما أصبح يَضطرم به الجسم الثقافي المغربي من تفاعلات سياسية واجتماعية وأيديولوجية وصراعات واصطفافات، حوَّلت كثيرا من النقاش الدائر آنذاك في القضايا الأدبية، عن جادة الفكر والأدب والنقد والكتابة الموضوعية، وانحرفت به نحو اتجاهات أخرى، ألقيت فيها الحُمَم الحارقة التي ظلت آثارها وعقابيلُها تفعل فعلها في الساحة الثقافية لسنوات وعقود بعد ذلك».
وكتب أحد تلاميذه القدماء عبد الرحمن العمراني: «ظل الأستاذ السي حسن كما يسميه كل أصدقائه ومعارفه في العرائش، البلدة التي احتضنته وشملها بعميق محبته، معلمة ثقافية حية مشعة. ظل الأستاذ المتمكن من منابع الشعر العربي في مختلف حقبه القديمة والجديدة، عارفا بحكمه وخباياه وبديعه وبيانه. لم تثنه معرفته بمدارس الشعر الحديث عن البقاء وفيا لشعر العروض والتفعيلة، الذي اجتهد فيه وأبدع وألف فيه خلال مساره المهني الطويل في العرائش وفاس وتطوان قصائد رائعة، متطرقا لكل المواضيع الإنسانية والاجتماعية والفكرية بروح من الالتزام والانفتاح على عوالم المعرفة الادبية الرائدة». واستذكر الشاعر عبد السلام دخان، قائلا: «كان الرجل الأصيل موسوعة أدبية رفيعة، وهو أكثر الشعراء تمثلا للشعر المسرحي، ولسيرة المعتمد بن العباد ونكبته في منفاه في أغمات، وكان رحمه الله لا يتوانى عن مشاركتنا الندوات العلمية في رابطة الإبداع الثقافي في القصر الكبير».