رحيل الكاتب والباحث المصري سيد القمني: ما بين النقد الجاد والتشوّش العلمي

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: «لا أنظر للقرآن بوصفه كتاباً في الفيزياء أو التاريخ، إنما هو كتاب في العقائد والأحكام المجتمعية، ومن هنا ألجأ للقياس على المعتزلة فهم قالوا بحكم العقل إذا تعارض مع نص، وأنا أقول بحكم الوطن إذا تعارض مع نص، ولكن كي يطمئن قلبي على إيماني أقول إن ما جاء من حكايا وقصص في القرآن حول تراث المنطقة الوطني أو القومي، والذي يتضارب مع أمانينا اليوم، كان له ظرفه التاريخي» (سيد القمني).
رحل أمس الكاتب والباحث المصري سيد القمني (13 مارس/آذار 1947 – 6 فبراير/شباط 2022). القمني الذي أثارت مؤلفاته ومقالاته الكثير من الجدل، حتى أنك لا تجد منطقة وسطى يمكن أن تنظر إليه من خلالها، فإما أن تراه مفكراً تقدمياً شجاعاً، وإما ان تراه منتحلاً، لا يريد سوى إثارة الجدل والصخب أينما حل، هذا الجدل الذي وصل إلى انقسام حاد في الرأي بعد حصوله على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 2009. ونستعرض في السطور التالية جوانب من أفكار الرجل من خلال مؤلفاته أو مقابلاته الصحافية، بعيداً عن مشكلات وقضايا أخرى تعلقت بشخصه ليس هذا مجال الخوض فيها الآن.

الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية

«ولأننا لا نتصور إمكان حدوث المعجز الملغز، ولا حدوث أمر جلل دون مقدمات موضوعية تماماً تؤدي إليه وتفرزه، ولأننا لا نتصور ممكناً كسر قوانين الطبيعة الثابتة لأجل عيون أمة مترهلة، فلم يبقَ سوى أن نحاول إعادة قراءة ذلك التاريخ قراءة أخرى، تربط النص بالواقع، وتعيد النتائج إلى مقدماتها وأصولها الحقيقية لا الوهمية، من أجل إعادة تشكيل بنية العقل ومنهجه، ومن أجل غدٍ أفضل لأجيالنا المقبلة، ولتراثنا ذاته» (الحزب الهاشمي). في هذا الكتاب يحلل القمني جذور فكرة تأسيس الدولة الإسلامية، ويرى أن الإسلام أقرب إلى رسالة سياسية هدفها الأول تكوين دولة الحزب الهاشمي ـ دولة بني هاشم ـ كذلك فإن فكرة النبي المُنتظَر كانت وليدة التحولات التاريخية التي بدأها عبد المطلب. فالتاريخ الإسلامي إرادة وفعل بشري أولاً وأخيراً. وللرجل الحق في ما يعتقده، وقد سايره في ذلك من قبل خليل عبد الكريم فى الكتاب الذى يحمل اسم «قريش من القبيلة إلى الدولة المركزية». واستند كل منهما إلى عبارة قالها عبد المطلب.. «إذا أراد الله إنشاء دولة خلق لها أمثال هؤلاء». مشيراً لأولاده وأحفاده. وقد ذكرتها من قبل أبكار السقاف في كتابها «الدين في شبه الجزيرة العربية» في أربعينيات القرن الفائت. إلا ان التناقض ينال من موقف القمني، الذي أسس كتابه وفق هذه العبارة، والتي قيل إن مصدرها أعرابي مرّ بمجلس عبد المطلب وقال هذه العبارة (أنظر كتاب «قصة الأدب فى الحجاز في العصر الجاهلي» محمد عبد المنعم خفاجي وعبد الله عبد الجبار 1980). التناقض هنا يأتي في موضع آخر، من خلال مقال للقمني بعنوان (الوطن والمواطنة عند الإسلاميين) فيقول.. «عندما جاء الإسلام لم ينشغل بالمرّة بشيء اسمه الدولة والوطن لأنه لم يكن في مجتمع يعرف بعد معنى كلمة دولة… الدولة لم تكن إطلاقاً من صلب الدين الإسلامي». بالطبع كان هذا الكلام رداً على مقولة «الإسلام دين ودولة» (راجع إبراهيم عوض.. «دنيا الوطن» في 13/8/2009).

جذور المشكلة

ويرى القمني في حواره مع صحيفة «ميدل إيست تايمز» في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2004، أن جذور المشكلة لم تتمثل في مجرد إخفاق عسكري تجسد في هزيمة يونيو/حزيران 1967، وبالتالي انهيار الحلم الناصري العروبي في بناء دولة حديثة، بل كانت متأصلة في الفكر الإسلامي وليس الفكر العروبي، مُعتبراً أن الموروث الثقافي العربي تعود جذوره لتراكمات ثقافية وحضارية لشعوب سكنت منطقة الشرق الأوسط قبل الإسلام، وأن الثقافة العربية لم تبدأ مع بداية الوحي، وأن هناك دورا لحضارات وشعوب وديانات سبقت الإسلام وساعدت في صياغته وظهوره.

القرآن

يرى القمني أن القرآن الكريم له بعدان، الأول حقائق، تتعامل مع أحداث تأريخية حدثت في التاريخ الإسلامي مثل غزوة بدر ومعركة أحد وصراع اليهود مع المسلمين في (يثرب) وغيرها من الأحداث، بالإضافة إلى هذا الجانب التأريخي هناك جانب روحي وميثولوجي أسطوري، كما يرى أن القرآن يجسد نصّا تاريخيا ومن الضروري وضعه موضع مساءلة إصلاحية نقدية، وأن هذا النقد الإصلاحي لا يمثل ردة أو استخفافا به ـ حسب رأيه ـ بل يعده «اقتحاما جريئا وفذا لإنارة منطقة حرص من سبقوه على أن تظل معتمة، وبداية لثورة ثقافية تستلهم وتطور التراث العقلاني في الثقافة العربية الإسلامية». ولم يكن القمني هو الوحيد الذي انتهج النقد التاريخي للقرآن، وقد سبقه في شكل متفاوت كل من محمد عابد الجابري ونصر حامد أبو زيد ومحمد أركون. وإن كانوا أكثر موضوعية ووثوقية من حيث المصادر على تنوعها واختلافها، وفي لغة علمية رصينة، أكثر منها سجالات وتأكيدات يقينية كما كان يكتب القمني.

الأسطورة والتراث

في هذا الكتاب يتعرّض القمني للتوراة والإنجيل وأساطيرهما، وبسؤاله في أحد الحوارات الصحافية ـ مجلة «الجديد» اللندنية عدد ديسمبر/كانون الأول 2016 ــ عن انتقاده نبوءة (إشعياء)، التي تتنبّأ بخراب مصر وجفاف النيل وقتل المصريين بعضهم بعضا، يرى الرجل بعد هجوم المسيحيين عليه، أن من يعتمد إشعياء والتوراة يكون أسوأ ممّا جاء في تاريخ الإسلام من حروب فتاكة، وما دامت هذه مرجعيته يجب أن لا يغضب حين يتم إخضاعه لحكم إسلامي يفرض عليه الجزية. ويضيف.. «عندما كنت أنقد التراث الإسلامي، كان المسيحيون يصفقون لي، ولكن عندما اقتربت من تراثهم المسيحي شنّوا هجماتهم الضارية ضدي، مع هذا، أنا لم أقترب بعد من نقد الأناجيل. من يضع الدين قبل الوطن هو ذميّ وليس أكثر من ذلك، ويحتاج لمن يتكلم معه اللغة الإسلامية؛ إركع يا ذليل لسيدك المسلم وسأطبق عليك الشريعة ما دمت طالباً لمصر خراب إشعياء».

آراء غريبة

وللقمني العديد من الآراء الغريبة، والبعيدة هنا عن مسألة البحث العلمي من عدمه، ففي حوار تلفزيوني له عام 2010، طالب القمني ببناء «كعبة في سيناء ضمن إطار مجمَّع ديني يكون مقصدا دينيا وسياحيا»، رافضا أن «ينفق المصريون مدَّخراتهم على الحج والعمرة.» ومن شأن المشروع الجديد الذي يقترحه أن يدرَّ على الدولة المصرية مليارات الجنيهات سنويا و»يحسِّن العلاقات بين الديانات الثلاثة: الإسلام والمسيحية واليهودية». وعندما قامت القيامة عليه، تراجع موضحاً أنه لم يقصد أن تكون بديلاً للكعبة في الحرم المكي في السعودية، إنما كان يتحدث عن إنشاء مكان للعبادة والروحانيات ليقصده الناس من جميع الملل من أنحاء العالم كافة!

بيبلوغرافيا

سيد محمود القمني من مواليد 13 مارس/آذار 1947 في مدينة الواسطي في محافظة بني سويف، جنوب مصر. حصل على ليسانس الآداب قسم الفلسفة من جامعة عين شمس عام 1969. استكمل مشواره العلمي للدراسات العليا في الجامعة اليسوعية في بيروت. حصل على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 2009.

المؤلفات

«رب الثورة.. أوزويريس وعقيدة الخلود في مصر القديمة» 1988. «حروب دولة الرسول، الحزب الهاشمى وتأسيس الدولة الإسلامية»، «النبي إبراهيم والتاريخ المجهول»، «رب الزمان» 1996 «الأسطورة والتراث»، «النبي موسى وآخر أيام تل العمارنة»، «الفاشيون والوطن» 1999. «إسرائيل: التوراة.. التاريخ.. التضليل»، «النسخ في الوحي» 2000. «شكراً بن لادن»، «الإسلاميات»2001. «الإسرائيليات» 2002. «الجماعات الإسلامية رؤية من الداخل» 2004. «أهل الدين والديمقراطية» 2005. «صحوتنا لا بارك الله فيها»، «الدولة الإسلامية والخراب العاجل» 2007. «انتكاسة المسلمين إلى الوثنية» 2010.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية