غرناطة من محمّد محمّد الخطّابي: في يوم الأحد المنصرم 22 من شهر ايلول/سبتمبر الجاري 2013، عن سن تناهز التسعين عاما، مات في عاصمة الأزتيك مكسيكو سيتي الكاتب الكولومبي الكبير ‘ألفارو موتيس’ الذي كان يقيم فيها منذ 1956.
هذا الرحّالة المغامر، والبحّارالمسافر، الحالم الطّائر أخيرا حطّ ّ رحاله، ووصل إلى برّ الأمان الأبدي، بعد رحلة مضنية، طويلة، شاقّة، حافلة بالعطاء، والإبداع، والمعاناة، والتوابع، والزوابع، العواصف، والأعاصير، ومواجة شتّى ضروب المآسي والكروب، التي واجهته خلال حياته الطويلة صحبة وليده الأدبي الشهير، وظلّه الإبداعي الغرير، ورفيقه الوفيّ الكبير، الذي لازمه، ورافقه، وصاحبه، وظلّ لصيقا به، وبأدبه، وبشخصه، وبشخصيته طوال حياته، وهو: ‘ماكرول الغافييرو’.
مات ‘موتيس’ الكاتب والشّاعر الكولومبي الكبير، الذي كانت تربطه صداقة حميمة، وعشرة (بكسر العين) متينة ببلديّه غابرييل غارسيا ماركيز، والذي يحتلّ إلى جانب هذا العملاق الأدبي الكبير مكانة مرموقة، ومنزلة عالية في عالم الخلق، والكتابة، والإبداع في حقلي الرّواية والشّعر على حدّ سواء، حتى أصبح إلى جانبه من أبرز الرّموز الأدبيّة الإبداعية السّاطعة في بلديهما كولومبيا، وفي سماء الآداب الإسبانية، وفي العالم الناطق بهذه اللغة الواسعة الإنتشار بشكل عام.
هذا الكاتب المبدع لعوالم أدبية متنوّعة، وخالق شخصيّات خيالية تجري مصائرها وهواجسها مع الريّاح وعلى أنغام وقوافي الأشعار والقصص والحكايات والأساطير الغريبة.. هذا الكاتب الذي تتميّز رواياته بذكاء خارق، وتطبعها عواطف جياّشة، وروح مغامرة متجدّدة الذي يقدّم لنا من خلال كتاباته فلسفته في الحياة ونظرته إليها، ومواقفه منها، ومشاعره حيالها على لسان شخصيته الأدبية الفريدة ‘ماكرول ألغافييرو’ في روايته الشهيرة ‘عبده بشورالحالم بالسفن’، التي جعلت من ألفارو موتيس كاتباً ذا شهرة عالمية واسعة منذ أن وضع أوّل كتاب له بعنوان ‘الميزان’ (عام 1947) الذي كان إرهاصا بولادة كاتب كبير، ثمّ في كتابه ‘عناصر الكارثة’ (1953)، حيث ظهر إسم الشخصية الأدبية الخيالية الغريبة الأطوار ماكرول الغافييرو الذي خلّده في عالم الآداب الاسبانية، هذا البطل الدائم والمتكرّر في ثماني روايات متتالية .
في البحث عن الفراديس الضائعة
ماكرول الغافييرو.. ‘مسافر زاده الخيال’ … يمتطي صهوة جواده كفارس مغوار يجوب عالم الخيال، يسبح في سديم الذاكرة، يعكس بشكل أو بآخر مشاعر ولواعج موتيس نفسه. يتطلع إلى سبر كل مجهول، وتجاوز كل الحدود، واختراق أو إجتياب كل الآفاق، وهو يقطع البحار الواسعة، والصحارى الشاسعة، ويزور الأصقاع النائية، والعوالم المعروفة والمجهولة على حدّ سواء، مفتّشا عن نفسه، أو منقّبا عن خياله، أومقتفيا لظلّه، أو سابرا لذاكرته أو باحثا عن فراديسه الضائعة، وهو يجرّ معه آلاف القرّاء الذين يقتفون أثره في شغف ولهفة وتطلّع وفضول. وعنه يقول مخترعه موتيس: ‘إنه حتى وإن كان شخصية من نسج الخيال إلاّ أنّه قد أصبح مستقلاً عن صاحبه’، إنه شخصه الآخر الذي يثير له غير قليل من الفتن والقلاقل والمحن والمشاغل حتى وإن كان موتيس هو منها براء..! وتغدو حياته في هذا القبيل شبيهة بحياة الكاتب الإسباني العالمي ميغيل دي سرفانتيس الذي عاش وواجه هو الآخر متاعب مريرة، وتجارب مرعبة سواء في حياته الواقعية أو في حياة شخصياته الأدبية وفي مقدّمتها بطله ‘دون كيخوته دي لا مانشا’ .(أنظر مقالي في ‘ القدس العربي’ حول هذا الموضوع بعنوان:دون كيشوت..رحلة في عالم الاحلام عدد 7536 بتاريخ 11ايلول/سبتمبر 2013(.
موتيس رجل غارق في عالم المدارات، تائه في دهاليز المتاهات، إمتهن العديد من المهن والأعمال في مختلف انحاء ألعالم، عمل مديراً لشركة تأمين في كولومبيا، ومسؤولاً للعلاقات العامّة لشركة الطيران ‘لانسا’، كما عمل في شركة للبترول في بلده عام 1954 حيث هاجرمن بلده كولومبيا أو فرّ هارباً ـ من تهمة إختلاس ـ إلى المكسيك على إثر مشاكل مالية عرفتها هذه الشركة، ثم وقع في يد العدالة، وتم سجنه لمدة 16 شهراً عرف أو إكتشف خلالها أقسى معاني المرارة، وأعتى ضروب المعاناة.
وعنه يقول الباحث الاسباني خوسيه غارسيا فيلاسكو ‘إنهّ أحد أكبر الأصوات الأدبية في عصرنا، وإنّه لشرف كبير أن تجرجر أيّة جائزة أدبية من أيّ نوع أذيالها إليه وليس العكس’!. ويقول الناقد فيكتوريانو غارسيّا ‘إنّ أسطورة بطله ماكرول، الذي ما زال يسبح في ثبج بحر مغامراته تلخّص لنا مفاتيح وأسرار أدب موتيس وهي: اللغة الشخصيّة الخاصّة به التي يتميّز بها هذا الكاتب الحماسيّ والملحميّ والروائيّ، ثمّ قدرته الفائقة على الخوض في عالم الخيال الذي يتحوّل على يديه إلى واقع معيش ملموس، أو على العكس من ذلك، قدرته على سبك وتشكيل الواقع وتحويله إلى خيال طليق ومجنّح قادر على التأثير والأخذ بمجامع القرّاء من أي نوع أو في أيّ صقع كانوا، هذا إضافة الى تكوينه الثقافي الواسع والمتنوّع الذي يثري به عالمه الرّوائي الذي يتجلّى لنا فيه بشكل واضح إنعكاس لشخصيات شكّلت نوعاً من الانشغالات لدى الكاتب، حيث نجد في هذا العالم سان لوي عاهل فرنسا، نابليون، فليبي الثاني، وفراديس بولينسا، السّاحل الإغريقي، مرآة الأندلس وإشعاعها الحضاري الوهّاج، هذا كما تطفو على سطح خياله شخصيات أخرى عديدة لا حصر لها تشرئب بأعناقها إلينا من بين الصفحات، وهي شخيات تركض أبداً إلى جانب ظلّ ماكرول مثل ‘إيلونا’ وفلورإستفيث، وويتا، وعبده بشور، اللبناني الطائر المغامرحول العالم، الحالم بالسفن، والحبّ، والبحر، والسّماء، والمدن، والنساء. إّنّ ألفارو موتيس كاتب خبير وعارف بأحداث التاريخ وظواهره، ومظاهره، وتضاريس الجغرافيا ووهادها، ومواقف المرافئ النائية ومراسيها، والشرق العربي وحضارته، وثقافته، وسحره، وعطره، وخباياه.
ويقول الشّاعر المكسيكي خوسّيه إميليو باشّيكو: ‘لعلّه الكاتب الأمريكي اللاتيني الوحيد الذي أمكنه أن يضع عملاً أدبياً رائعاً في قطري الشعر والرّواية، فقد أمكنه أن يواجه أو يستكمل في آن واحد هذا العالم أو ذاك، بل لقد أمكنه أن يزيد هذين العالمين ثراء وإشراقاً، ذلك أنّ القول بأنّ جميع إبداعات موتيس هي أعمال شعرية يعني ذلك أننا ننتقص من إبداعاته الرواية والعكس صحيح، والحقّ إنّه روائيّ من طراز رفيع، كما أنّه أحد كبار شعرائنا المحدثين في الوقت ذاته، إنّ أعماله تجوب البحار بحثاً عن المغامرات الإنسانية في عوالم تهطل فيها أمطار بروكسل على الأودية الإستوائية، وهو بين الشجيرات المتداخلة ومزارع القهوة المتشابكة يقيم لنا قصور مدينة البندقية الجميلة التي ما أن تعلو بناءاتها في الفضاء حتى تغرق في بحر الأدرياتيك !.
ويضيف باشّيكو: ‘إننا منذ المأساة الإغريقية نعرف أنه ليس هناك مفرّ ولا مهرب لنا من التعاسة والشقاء، إنّ الروائي مارسيل بروست، الذي يحظى باعجاب موتيس نفسه، كان يتحدّث عن الزّمن كما لو كان يتحدّث عن وحش له رأسان، فهو خالق ومدمّر في آن واحد حيث كل شيء يتقدّم نحو نهايته المحتومة، إلاّ أننا نعيش قبل ذلك لحظة إزدهار وإشراق لا يمكن قنصها أو تصويرها إلاّ من طرف فناّن مبدع مثل ألفارو موتيس’.
ماكرول.. طائر الفينيق
هذا البطل الذي وجد نفسه وسط الأدغال الموحشة في ليلة حالكة بين أشجار عملاقة تحيط به من كل جانب يغلفه صمت قاهر مبلول تشيعه أوراق أشجار الموز البرّي، في هذا الجوّ المرعب عرف ماكرول الخوف، الخوف من بؤسه الكتيم، من فراغه القاتل، وهو يسترجع أمامه سنين طويلة من المعايشات الطويلة، تاريخا مثيرا، قصصا غريبة، مناظر خلابة تترى نصب عينيه ليلة كاملة فجرها بعيد وهو ينظر، وينتظر ويترقب إنهيار آدميته وغرقه بين لجج عالية عاتية في بحر جنونه وخبله.. ! هذا البحّارالطّائش، والمغامرالتائه ملأه الفضول، وهدّه اليأس، تجيش بصدره مشاعر، وتدور بخلده مشاغل وتتفجّر في صدره آهات، إنه مثلما يأخذ معه موتيس إلى أبعد أصقاع الدنيا، ومراتع الخلوة وأعالي البحار، فإنه كذلك يأخذه معه إلى أعمق أغوار النفس البشرية المعذبة والمكلومة في رحلة إستغرقت زهاء خمسين سنة، بدأت شعراً ثم إنتهت رواية متداخلة متشابكة متعانقة في ما بينها.
إنّ الكاتب موتيس يوصي القارئ من خلال رواياته الثماني أنّه هو كذلك كان بحّاراً ماهراً وأنه تسلّق مرّات عديدة صواري وأعمدة المراكب والسفن، وأطلق أشرعتها في الفضاء وسط التوابع والزوابع والعواصف والرّياح وهو يتطلع نحو الأفق البعيد ويرى ما لا يراه زملاؤه في أسفل السفينة.
ولقد شكّلت شخصية ماكرول الغافييّرو محور جميع أعماله الروائية، هذه الشخصية الأدبية الغربية الأطوار وصل بها الأمر أن ماتت في إحدى إبداعات المؤلف، إلاّ أنّها سرعان ما عادت للإنبعاث من جديد في أعماله الأخرى وذلك بعد أن هدّده أحد خلاّنه وهو الكاتب والشّاعر التشيلي غونسالو روخاس، بأن يرفع ضده دعوى في إحدى المحاكم إذا لم يعمل على بعث بطله مرّة أخرى. وهكذا سرعان ما عاد ماكرول إلى الظهور من جديد على صفحات أعمال موتيس، يبعث من رماده مثل طائر الفينيق، أكثر قوّة ونضارة ومغامرة وخبرة في شؤون البحار والترحال، يرتاد البيوت السيّئة السمعة في كل المرافئ والموانئ التي ترسو فيها به سفنه، ومع ذلك هو قارئ جيّد، ملتهم للمخطوطات القديمة الصّفراء، وكتب الرّحلات والمغامرات والتاريخ. ولقد أصبح ماكرول بشخصيته هذه الفريدة رمزاً أدبياً لصيقا بصاحبه وبعصرنا كذلك، وهو ليس بالضرورة ‘الأنا الآخر’ لصاحبه، كما أنه ليس بالضرورة ناطقاً باسمه، كما يوهم البعض، بل أنّه خلاصة وعصارة آلام وآمال وأحلام دارت برأس موتيس ذات ليلة أوذات يوم..!.
موتيس رولفو وماركيز
الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إعترف أنه ما كان له أن يكتب أيّ عمل من أعماله الأدبية الناجحة لولا أنّها لم تحظ منذ البداية بتزكية صديقه ألفارو موتيس منذ أمد بعيد، حيث كان ماركيز يقوم بقراءة بواكير أعماله عليه أو يقصّها له ثم بعد ذلك يعمل على نشرها فيما بعد. ولقد أهداه ذات مرة قصّة ‘بيدرو بارامو’ للكاتب المكسيكي خوان رولفو وهو يقول له: ‘خذ وتعلّم.. !’. وإعترف بعد ذلك غارسيا ماركيز أنّه منذ قراءته لرولفو إستفاد الكثير حيث يعترف صراحة في أحد عروضه عن ألفارو موتيس، إنه بقراءة رولفو لم يتعلم فقط كيف يكتب بشكل آخر، بل تعلم كذلك أن تكون عنده دائماً قصّة جاهزة مغايرة حتى لا يحكي ما كان قد كتبه من قبل. ويقول ماركيز: ‘وكما أدخلني ألفارو موتيس في هذه المحنة فقد أخرجني منها كذلك حيث أنني منذ أن كتبت ‘مائة سنة من العزلة’ كان يتردّد على منزلي كلّ ليلة تقريباً على إمتداد 18 شهراً، وكنت أحكي له الفصول التي أنهيت كتابتها وألمس إنطباعاته وانعكاسات ما قرأته عليه، حيث كان يصغى إليّ باهتمام وحماس بالغين، وكنت أغيّر في كتاباتي وأضيف . وكان أصدقاء موتيس يحكون عليّ هذه القصص بنفس الطريقة التي حكيتها له، وفي بعض الأحايين كنت أنسب لنفسي بعض إضافاته’. ويشير ماركيز إلى أنّ موتيس منذ ذلك الوقت ‘كان هو أوّل قارئ لأصول ومخطوطات رواياته، وكانت بعض إنتقاداته له لاذعة، وأحكامه عليه قاسية ولكنها في الوقت نفسه كانت معقولة. ولقد أفضت هذه الأحكام في بعض الأحيان إلى موت أو دمار ثلاث من قصص ماركيز التي إنتهت في سلة المهملات ويضيف ماركيز إنّه يجد في العديد من أعماله كثيراً من تأثيرات ألفارو موتيس، بل إنّه أحيانا يجد فيها موتيس نفسه..!( *).
(*) الكاتب المقتدر أمجد ناصر في كتابه الشيّق ‘رحلة في بلاد ماركيز’ يتعرّض للكاتب ‘ألفارو موتيس’، يقول عنه :’ تفصح رواية موتيس عن معرفة عميقة بالعالم العربي جغرافيا وثقافة، وتدهش القارئ معرفته بالعالم العربي مدناً وتاريخاً وثقافة. وتتميّز روايات موتيس بأنّها لا واقعية سحرية فيها كما هو معروف عن أدباء أميركا اللاتينية، فهو من الأدباء الذين يكتبون حياتهم وخبراتهم عبر سرد مناسب لهذه الحياة وتلك الخبرات اليومية. سرد غير ملحمي، غير غنائي. غير شامل…’