عن عمر يناهز الثمانين، توفي الناقد والأكاديمي المغربي المرموق محمد مفتاح يوم الاثنين 9 آذار/ مارس 2022، تاركًا وراءه تراثا علميا هو حصيلة قراءات واجتهادات في فكر الغرب الإسلامي، وعلوم النقد والبلاغة والأدب، فكان بحقّ صاحب أحد المشاريع المؤثرة في سيرورة النقد العربي المعاصر، بحيث أعطى أولوية لمفاهيم الدراسة الأدبية على مستويي التنظير والتطبيق، واشتغل على التحليل وأجرأة المصطلح عبر الخطاب الأدبي، وهو ما أكسب طروحاته النقدية طرافة وجدّة بين مجايليه.
ولد محمد مفتاح في الدار البيضاء عام 1942، حصل على الإجازة في الأدب العربي عام 1966، وعلى شهادتي الدراسات اللغوية والأدبية المقارنة والكفاءة في التربية وعلم النفس عام 1967، ثم على دكتوراه السلك الثالث عام 1974، ودكتوراه الدولة في الآداب عام 1981.
عمل أستاذا في سلك التدريس الثانوي، ثم أستاذا للدراسات الأدبية والنقدية في كلية الآداب في الرباط، وأستاذا محكما لدى عدة جامعات، كما انتُدب عضوا في بعض اللجان العلمية، أو في هيئة تحرير بعض المجلات الثقافية المغربية، إلى أن تقاعد وبقي ينشط في ميدان تأليفه حتى ساعة وفاته. أشرف على ثروة من الرسائل والأطاريح الجامعية، وتخرجت على يديه أجيال من الباحثين، ممن صار لهم حضور مشهود وعطاء متواصل في المشهد الثقافي والأدبي المغربي اليوم.
مشروع نقدي
لفت الراحل محمد مفتاح (1942- 2022) الأنظار إليه عندما صدرت دراسته اللمّاحة «في سيمياء الشعر القديم» (1982)، وهي دراسة نظرية وتطبيقية على قصيدة أبي البقاء الرُّندي المعروفة، حيث طبّق، وكانت سابقة، آليات المنهج السيميائي في تحليل الخطاب الشعري، وهو ما تعزز مع كتابه ذائع الصيت «تحليل الخطاب الشعري: استراتجية التناص» (1985)، الذي يبني من خلاله تصوُّره للتعددية المنهجية (الشعرية بشقيها العربي والغربي، والسيميائية، والتداولية، والفيلولوجية)، تماشيا مع ما يمليه النص الشعري بنسيجه المركب ومتداخل المستويات. وإذا أردنا أن نُحقّب مسيرة هذا الناقد الفذ في تعامله مع المنهج النقدي، أشرنا إلى المراحل التالية:
– المرحلة الشعرية الجمالية ويدخل فيها كتاب «سيمياء الشعر القديم»، وكتاب «تحليل الخطاب الشعري: استراتيجية التناص»، ثم «دينامية النص: نظرية وتطبيق» (1987).
ـ المرحلة الثانية وفيها يستأنس الناقد بما يسمى بالعلوم المعرفية، وتعكسها كتبه: «مجهول البيان» (1990)، و»التلقي والتأويل: مقاربة نسقية» (1994)، و»المعنى والدلالة» (2018)، وهنا يميل التفكير نحو استخراج أنساق الثقافة والفكر.
– المرحلة الثالثة تركز على المفاهيم، ومن كتبها: «التشابه والاختلاف» (1996) و»المفاهيم معالم» (1999)، و»مشكاة المفاهيم: النقد المعرفي والمثاقفة» (2000).
– المرحلة الرابعة حين بدأ يستعين بعلم الموسيقى لدراسة أوجه الانتظام الإيقاعي في الشعر، وتمثلها كتبه: «الشعر وتناغم الكون: التخييل، الموسيقى، المحبة» (2002) و»مفاهيم موسعة لنظرية شعرية» (2010).
أولوية المفاهيم
وقد أولى هذا الناقد المتمرس الذي يضع كل شيء موضع المساءلة والحوار، أهمية قصوى للمناهج في دراساته وأطروحاته الجامعة، من مناهج لسانية، وسيميائية، ومعرفية، وعلمية خالصة (الرياضيات، الفيزياء والكيمياء، الطب). وعلى ضوء ذلك، فإنّ مسألة المفاهيم في مشروعه النقدي، ينبغي أن تُفهم في سياقها التحليلي- التحويلي، لأنّ النقد عنده هو علمٌ من العلوم. بهذه الاعتبارات وغيرها، فإنّنا أمام مشروع حقيقي، نقدي وثقافي وجمالي في آن. يقول الناقد أحمد بوحسن: «لقد رأينا بأن مشروع محمد مفتاح يقوم على مجموعة من المبادئ التي تؤهله ليكتسب صفة المشروع النقدي، ولعل أهم أفق فتحه مشروع محمد مفتاح هو قدرة الخطاب العربي على استيعاب مختلف النظريات والمناهج والمفاهيم. ثم قابليته للإفصاح عن نفسه أكثر كلما دخلنا إليه بأدوات علمية جديدة وتصور نظري أوسع. والنتائج التي توصل إليها المؤلف أكبر».
ونظير هذا المشروع المعرفي الاجتهادي المتواصل، حصل محمد على جائزة المغرب الكبرى للكتاب في الآداب والفنون 1987، وجائزة المغرب الكبرى للكتاب في الفنون والآداب عام 1994 عن كتابه «التلقي والتأويل»، وجائزة سلطان بن علي العويس الثقافية في دورتها التاسعة (2004 – 2005) في مجال الدراسات الأدبية والنقدية، وجاء في حيثيات الجائزة: «تعد إنجازاته في هذا المجال إضافة نوعية لخطاب النقد العربي الراهن نظراً لتنوعها وعمقها ونزوعها نحو التأصيل والابتكار، فالناقد يمتلك دراية واسعة معمقة بالتراث العربي، ومتمثل بشكل واع للنظريات النقدية الحديثة، كذلك تكشف أعمال الباحث عن عدم الركون إلى الاستعارة السهلة لما هو جاهز أو سائد مكرس بل يعمد إلى التركيب الخلاق والتشييد الفعلي لعناصر نظرية ومنهاجية، تفيد من مختلف العلوم الإنسانية بقدر إفادتها من العلوم الدقيقة، لهذا كله تعد منجزاته في مجملها خير تجسيد للعمل المعرفي المنتظم الذي يؤصل للفكر النقدي الحديث».
كما حصل على جائزة الشيخ زايد للكتاب عام 2011، وجائزة الملك فيصل العالمية عام 2016 في فرع (اللغة العربية والأدب).