حافظت قسد على التوازن مع النظام واستعانت به في وجه تركيا، ويتعاظم إدراكها لحجم تهديد النظام لها في ريف حلب الشمالي، في حال انقلبت عليه شرقاً.
استمر التوتر بين قوات سوريا الديمقراطية “قسد” والنظام السوري في محافظة الحسكة شرق سوريا للأسبوع الثاني على التوالي. وتبادل الطرفان عمليات الاعتقال بحق عناصر بعضهم، خصوصا في مدينة الحسكة.
وحاصرت قسد “المربع الحكومي” والذي يضم عشرات مؤسسات حكومة النظام والأفرع الأمنية وقصر العدل والسوق والكراجات والذي يشكل نحو ثلثي المدينة. وأغلقت قوات الأمن الداخلي التابعة لقسد “الأسايش” مداخل تلك المناطق، وتبادلت إطلاق النار مع قوات النظام التي تبسط سيطرتها على “المربع”.
ودفع ارتفاع حدة التوتر والمناوشات بالأسلحة الخفيفة وتدهور الوضع الأمني إلى نزوح عشرات الأسر المقيمة في المربع وخروجها إلى القرى والأرياف القريبة تخوفا من تطور المناوشات إلى حرب تنازع سيطرة، خصوصا مع الشائعات التي تقول إن قسد أعطت النظام مهلة لآخر شهر كانون الثاني/يناير الجاري لخروجه من مدينة الحسكة وتسليمها إلى سلطة قسد المدنية “الإدارة الذاتية”.
وفي السياق، ارسل النظام تعزيزات عسكرية إلى اللواء 123 – مشاة التابع للفرقة 17 حيث هبطت طائرات مروحية في مقر اللواء الذي ينتشر على جبل كوكب شرق مدينة الحسكة. وأشارت مصادر محلية إلى أن النظام نقل عشرات الجنود إلى اللواء في ظل التصعيد الحاصل في المحافظة. وكانت روسيا استقدمت نحو 500 عنصر من الشرطة العسكرية الروسية وقوات الفيلق الخامس الموالي لها إلى مدينة القامشلي.
وتضم محافظة الحسكة قوتين عسكريتين هما الفوج 54- قوات خاصة والمتمركز في تل طرطب في القامشلي واللواء 123- مشاة في جبل كوكب قرب الحسكة، وقيادة الفرقة 17 مشاة، والتي انتقلت من محافظة الرقة إلى الحسكة عقب سيطرة فصائل المعارضة وعلى رأسها حركة “أحرار الشام” الإسلامية على مدينة الرقة، آذار/مارس 2013 إضافة إلى الأفرع والأقسام الأمنية التي يتركز أغلبها في مدينة القامشلي. وبهدف تخفيف الضغط عن مراكزه الحكومية والعسكرية، شدد النظام السوري على قسد في حلب، فقام بحملة اعتقالات لعدد من عناصرها في حي الشيخ مقصود، وضيق على حركة البضائع إلى الحي، ومنع إدخال المحروقات وخصوصا مادة المازوت التي تعتبر المصدر الأساسي للتدفئة في سوريا وتحديدا في مراكز المدن، بخلاف الأرياف التي يمكن أن تعتمد على الفحم الحجري المورد من تركيا أو على الحطب أو المازوت المكرر يدويا من النفط الخام في شمال سوريا.
كما منعت حواجز الفرقة الرابعة (يقودها اللواء ماهر الأسد) التي تنتشر في مناطق سيطرة النظام بين منبج وريف حلب الشمالي، أرتال قسد التي تنقل المؤن والمحروقات إلى الجيب الذي تسيطر عليه قسد في ريف حلب الشمالي والملاصق لمنطقة عفرين والذي يمتد من مرعناز جنوبي إعزاز وصولا إلى ريف مدينة الباب الغربي، وهي المنطقة التي أطلقت عليها “الإدارة الذاتية” منطقة الشهباء، وتعتبر تل رفعت أكبر بلداتها. وأقامت “الإدارة” في المنطقة عدة مخيمات للنازحين من منطقة عفرين بعد سيطرة الجيش التركي وفصائل المعارضة السورية عليها في آذار/مارس 2018.
التضييق على قسد في حلب وريفها الشمالي، لاقى غضبا من قيادة قوات سوريا الديمقراطية التي يبدو أنها كانت تحاول عزل الملفات وفصلها عن بعضها، معتقدة أن ملف شرق الفرات منفصل عن غربها، وانها من خلال دعم التحالف الدولي الذي تقوده أمريكا يمكنها فرض شروطها شرق سوريا من دون المساس بقواتها في ريف حلب الشمالي على حدود عفرين واعرز.
وشن محافظ الحسكة اللواء غسان حليم خليل هجوما على قسد، واصف إياها بـ “الميليشيات التابعة للمحتل الأمريكي” وأنها تحاول “أن تحصل على مكاسب في محافظة حلب أو بعض الطلبات غير الموجودة وغير الحقيقية” مشيرا إلى أنها (قسد) “تفرض حصارا على هذه المنطقة، كما منعت المواد الغذائية والمياه” وأشار في تصريح إلى إذاعة “شام اف ام” الموالية والذي نقله المكتب الصحافي في محافظة الحسكة، إلى انهم تمكنوا من ادخال الطحين، يوم الخميس. وعانى النظام من ارتباك في مقدرته على إيصال الطحين إلى أفرانه في مدينة الحسكة.
إن ضغط النظام على قسد وخصوصا في منطقة الشهباء سينعكس إيجابا عليه، وسيتمكن من رد قسد وإجبارها على عودة الأمور إلى قبل ما كانت عليه في القامشلي والحسكة، لما يشكله من أهمية وحساسية لدى قسد، فاستمرار قطع طرق الإمداد الذي تولته الفرقة الرابعة سيؤدي إلى خنق عناصر قسد ويهدد تواجد الإدارة الذاتية في ريف حلب الشمالي، ويقضي على آمال حزب الاتحاد الديمقراطي وذراعه العسكرية “وحدات حماية الشعب” في العودة إلى عفرين بشكل نهائي.
ويعتبر ملف النفط واحدا من أبرز ملفات التفاوض بين النظام وقسد، فقد تجاوزت قسد رغبة واشنطن بإيقاف إمداد النظام بالنفط الخام، خصوصا عبر وسيط النظام القاطرجي الموضوع على لوائح العقوبات. ومع وجود عشرات المصافي (نصف الآلية) وشروع شركة دلتا الأمريكية بتعمير وتأهيل حقول النفط السورية الواقعة في مناطق سيطرة قسد، يخشى النظام السوري أن تعتزم واشنطن تحويل جهة النفط المستخرج من الغرب إلى الشرق/من النظام إلى إقليم كردستان العراق.
حافظت قسد على التوازن مع النظام ولم تتخل عنه مطلقا واستعانت به في وجه الغول التركي داخل الأراضي السورية في عملية “نبع السلام”. ويتعاظم إدراكها إلى حجم تهديد النظام لها في ريف حلب الشمالي، في حال انقلبت عليه شرقاً.
وأشارت مصادر مقربة من قيادة “الوحدات الكردية” في القامشلي لـ “القدس العربي” أن ضغط “الأسايش” على النظام في الحسكة هدفه ردع النظام في منطقة الشهباء وإجباره على فتح الطرق الواصلة اليها وإلى حي الشيخ مقصود في مدينة حلب، وأشار إلى أن قسد “تريد حل ملف إعاقة وصول المساعدات إلى الشهباء من خلال فرضها حواجز مشتركة بينها وبين الفرقة الرابعة التابعة للنظام في 30 حاجزا على طول الطريق من عفرين إلى منطقة الشهباء”.
في النظر لسلم أولويات قسد، فإنها تفضل ألا تخسر سيطرتها وتواجدها في منطقة الشهباء، وبالتأكيد ستحاول التنازل للنظام من أجل ضمان تواجدها هناك. لكن في حال استمرار حصار المنطقة وعدم تراجع النظام فلديها عدة أوراق كي تلعبها ـ قبل اللجوء لحسم عسكري ضده في الحسكة والقامشلي. أولى تلك الأوراق هي النفط والقمح والكهرباء والمياه.
بالتأكيد فإن أولويات النظام وروسيا اليوم قد أصبحت الالتفات إلى خطر تنظيم “الدولة الإسلامية” المتجدد في البادية السورية وتأمين موارد النفط هناك. ويستعجل النظام فرض واقع جديد في مناطق سيطرة قسد لأنه يدرك تعرضه وحلفائه إلى خسارة كبيرة مقبلة أمام تنظيم “الدولة الإسلامية”. وفي حال خسارة النظام شرق الفرات وغربها خلال الشهور المقبلة، هذا يعني عودته إلى لحظة ما قبل التدخل الروسي في تشرين الأول/أكتوبر 2015. مع اختلاف الفاعلين ضده، بسبب وقف فصائل المعارضة قتال النظام وشن أي عمل هجومي ضده بعد أن انضوت في مسار أستانة وانخرطت في الاتفاقات الناتجة عنه بضمانة تركيا.