مرّت الذكرى السادسة لغياب رزان زيتونة وسميرة الخليل وناظم حمادي ووائل حمادة، النشطاء السوريين وبعض أنصع النماذج الإنسانية والثورية والحقوقية التي أبرزتها انتفاضة الشعب السوري؛ الذين اختطفهم بغاة من قادة ميليشيات إسلامية سامت الغوطة وأبناءها عسفاً وطغياناً وعربدة وفساداً، ولم تكن سلوكياتها أقلّ شناعة من ممارسات نظام آل الأسد وأجهزته.
وإذْ يُعقد الأمل في أن يصل ذوي المخطوفين الأربعة، ويصلنا، خبر بهيج عنهم، ذات يوم قريب؛ أتوقف، هنا، عند جانب مجهول بعض الشيء في شخصية رزان زيتونة، هو مساهماتها في كتابة تغطيات صحافية مختلفة الاهتمامات، اعتادت نشرها في منابر عربية على سبيل تأمين مقتضيات العيش، قبل أن تتدرّب على المحاماة وتقرّر احترافها كمهنة. وأستعيد، في هذا المضمار، تغطية خاصة الطابع، وجدانية وشخصية بقدر ما هي سياسية وعامة، تخصّ طوراً مؤلماً من حياة العاصمة دمشق، وشجونها البشرية والعمرانية تحديداً: العام 2007، حين جرى إنذار أصحاب عشرات المحالّ في سوق البزورية الدمشقي التاريخي العريق بالإخلاء؛ تمهيداً لأعمال هدم واسعة النطاق، قيل إنّ الهدف منها هو بناء سوق جديد عصري، تتوفّر فيه المنشآت السياحية الضرورية (مرآب سيارات، فندق سياحي، مسبح…).
كانت لدى قتلة الغوطة أسبابهم الكافية لإخراس رزان زيتونة، لأنّ هذا الصوت النبيل الثائر لم يصدح بالحقّ فحسب، بل كان أيضاً كفيلاً بإطلاق الضياء ودحر الظلمات
وسوق البزورية، لعلم الذين لا يعرفون عنه الكثير، أنشأه في سنة 1878 والي دمشق الشهير مدحت باشا، ويبلغ طوله قرابة 1000 متر، ويضمّ نحو 150 محلاً، ويتمتع بموقع متميز تجاري وفولكلوري لدى الدمشقيين والسوريين عامة، ترسّخ عبر عقود طويلة من تقاليد البيع والشراء في جنباته، وكذلك من سمة الورع والأصالة التي طبعت تعاملات تجّاره. كذلك حمل السوق خصوصية بضائعه، التي تشمل الأغذية والسكاكر والحلويات والمكسرات والبهارات والتوابل المختلفة ذات المنشأ المحلي أو القادمة من الهند وشرق آسيا؛ إلى جانب أحد أشهر اختصاصات السوق: الأعشاب والنباتات الطبية، مثل جزر الرباص والحنظل والـ»روزميري»، ثمّ الكمون والعصفر والزهورات المختلفة، والتمر هندي والعرق سوس، والزعتر وحبّة البركة والغار والخروع…
وفي صحيفة «المدينة»، شباط (فبراير) 2007، وتعليقاً على أخبار سوق البزورية المحزنة، كتبت زيتونة: «مَنْ عاش دمشق يحسن نظم الشعر فيها والبكاء عليها، والبحث عبثاً عن تلك المدينة في بقاياها هنا وهناك. ومن لم يعشها، يصنعها في خياله مرّات ومرّات، مستعيناً بقصص الجدّات والأمهات. بغزل شاعر أو قصة راوٍ أو كتاب تاريخ، ناظراً بحسد إلى ذاك الذي تسعفه ذاكرته الزمنية بصور حقيقية غير متخيلة. قد تكون الحقيقة أقلّ سحراً من الخيال، لكنها أكثر حميمية ودفئاً بما لا يُقاس. المعضلة فيمن يأتي لاحقاً. ويتعين عليه بناء دمشق على مخيّلة من تخيلوها قبله. ترى ماذا سيكون شكلها آنذاك؟».
وإذْ تقتبس زيتونة عبارة من نزار قباني («لا أستطيع أن أكتب عن دمشق، دون أن يعرّش الياسمين على أصابعي»)، فإنها تستطرد، مقترحة صورة حاضر نقيض: «أتدركون ما أقصد؟ لا أستطيع أن أكتب عن دمشق، دون أن يعرّش الغبار على أصابعي. يكسوني التعب الذي يلبس المدينة. ويستغرق كلماتي القلق المرتدي وجوه أهلها. تميل السطور سأماً، وتتراكب الصور بغرائبية. يتجاوز الأمر ثقل الهواء المشبع بالدخان ورماد ماض أُحرق. يتجاوز عبثية كلّ ما في المدينة من بناء قبيح وفوضى في المشهد وانعدام في الملامح. مدينتي لا ملامح لها من وراء أقنعة كثيفة. مدينتي غريبة، وهو ذنب جدّتي وذاكرتها اللعينة. ما كان لهم أن يرسموا مدينة من ضوء لأجيال قد لا تعرف إلا العتمة».
ثمة، هنا، الكثير من الذهاب إلى الشعر (غير الغريب عن شخصية زيتونة الأدبية، بالطبع)، لكنه يستبطن طرازاً شفيفاً من شجن يمتزج عضوياً بحسّ الاحتجاج على اغتيال المدينة، والانتصار لها أيضاً؛ خاصة حين تذهب التغطية الصحفية إلى إدانة أجهزة السلطة الموشكة على تخريب عمران دمشق وتاريخها: «اليونسكو ومركز التراث العالمي هددا برفع اسم دمشق نهائياً عن لائحة التراث العالمي إذا ما تواصل التعامل مع الآثار بهذه الطريقة». وأيضاً: «ما هَمّ دمشق إن بقيت على اللائحة إياها أو غادرتها. لقد فقدت اهتمامها باللوائح والمراكز منذ زمن. منذ أن قدّموا إليها هدية الميلاد الجديد. البلدوزر لم يقتلع فقط أحياء قديمة ذات قيمة أثرية. قبل ذلك بكثير، امتص دماء المدينة (بردى يتذكر)، هدم القديم الجميل وبنى الجديد الأقبح. جرَف ملامحها وغيّر حدودها وانتزع هويتها».
وتختم زيتونة تغطيتها على هذا النحو، الصارخ والصاعق، حيث السخرية السوداء تتبادل الدلالة مع النبرة الرثائية: «المدينة في المزاد العلني، العين لها سعرها، والجفن له سعره، الكبد أغلى قليلاً، والروح ليست للبيع، فقد تعرضت للاستملاك. والمدينة أصبحت أقذر من أن تُحتمل، وبحاجة إلى تنظيف. تعمّها الفوضى وبحاجة إلى تنظيم. والعملية يجب أن تبدأ من الجذور. لا أهمية لغسل طريق أو رفع مكبّ قمامة عن زوايا الطرقات. ولا لغرس شجرة في الجلد القاحل. العملية تحتاج إلى تعقيم المدينة برأس المال الاحتكاري. فتنبت شجرة دولار مكان شجيرة ياسمين. الشجرة ليست ملكا للمدينة. المدينة ملك للشجرة».
كانت لدى قتلة الغوطة أسبابهم الكافية لإخراس زيتونة، لأنّ هذا الصوت النبيل الثائر لم يصدح بالحقّ فحسب، بل كان أيضاً كفيلاً بإطلاق الضياء ودحر الظلمات.