إن عظمة الأدب تتلخص في مقدرته على منحنا سعة قراءة ما نشاء، وسعة تحليله بالطريقة التي نشاء دون الإخلال بمنظومته الفنية، بحيث لا نضطر أحيانا لتحليل الكتاب كله. كل ما نحتاجه فعلاً هو أن نقرأه، ثم نأخذ منه ما نشكل على ضوئه رؤيتنا النقدية، فبعض النصوص بنيت دون غيرها على ما لم يدون، إذ أن منهجها السردي قائم على الحذف، عباراتها خيط رفيع يقودك إلى ما لم يصرح به. ذلك عرف بعض الكتاب في التدوين، وتلك خلطتهم السرية.
هكذا هي نصوص الكاتبة القطرية خلود جمال في آخر أعمالها الأدبية «رسائل ألبير كلود وسواني فوريست»، هذا الكتاب الذي خرجت منه من مرحلة الكتابة بوصفها اقترابا من الذات في مؤلفاتها السابقة لتتجه إلى أدب الرسائل من خلال مخاطبة الآخر الذي تشاركه يومياتها وأحلامها وحتى هواجسها. تقول
«إليك حيث لا تشرق شمسك
فتشرق عبر نافذتي
أعلم أنك بالأمس الآن
وأن كل شيء يحدث هنا يسبق حدوثه لديك».
تذهب المؤلفة بحرية من خلال أدب الرسائل إلى عالم مختلف عما تعودت عليه، عالم يعيد تعريف تجربتها الأدبية، إذ أصبحت أكثر فهما للواقع، لذا صارت تتعامل مع نضجها الأدبي بوعي أكبر، وفي الوقت ذاته أصبحت تمتلك المقدرة على رفض الأشياء غير المناسبة لها، وهي بذلك ترفض من الحياة عاديتها. وروتينها الذي يألفه غيرها. ما يحيلني إلى مقال للكاتبة الأمريكية أناييس نن تقول في إحدى عباراته: «الحياة العادية لا تثير اهتمامي. أبحث فقط عن اللحظات العالية».
وهذا ما يمكن استخلاصه من فكرة البحث عن حياة غير عادية في كتابات خلود جمال التي يبدو واضحا أنها تحاول البحث عن طريقها وطريقتها في الكتابة، وكأنها تبحث عن الخيط الذي سيصلها بالأدب وتخوض فيه تجربتها الأدبية بحرية، لذا تميل كتاباتها إلى التأمل بوصفه أداة ترفعنا إلى الفن كوسيلة للتعبير عن الجمال. تقول:
«أدعى سواني فوريست
أبلغ من العمر جمالا
أتنفس الكتابة
عالقة بنصوص المسوّدة».
ويفسر هذا النص الحاجة إلى الجمال كأحد هواجس الكتابة، إذ لا يمكن لمن لا يعرف كيف يلتقط الجمال أن يكتب عنه، فالتعبير عن الجمال شكل من أشكال الكتابة، وتأكيد على أن العمر ليس وثيق الصلة بعدد السنوات أو بما مرّ على وجودنا في هذه الأرض، بقدر ما هو مقترن بمدى تصورنا للجمال الذي ربطته المؤلفة بالكتابة.
لكنها في الجزء الذي تقول فيه إنها «عالقة بنصوص المسوّدة»، تشرح فكرة الكتابة بوصفها حلما ما زالت الطريق إليه طويلة، غير أنها تصر على الكتابة بغية الوصول إلى نصها المشتهى. نص ما زالت تعيد صياغته في مخيلتها. وهي بذلك تشرح فكرة الكاتب الذي لا يرضى عن نصوصه المنشورة، بل يواصل دائماً رحلة مطاردته للنص الحلم..
ما يميز رسائل سواني فوريست وألبير كلود أنها ليست رسائل كتلك التي تكون بين صديقين وحبيبين يسأل فيهما الآخر عن حاله بدعوى الحب والصداقة وغيرها من المشاعر التي يمكن اختزالها فيما يقوله المحبون بالوتيرة ذاتها، ولكنها رسائل تطرح أسئلة حول الأدب، الفن، الجمال. وكأن هذين الشخصين اللذين لا نعرف شيئا عنهما، ينتميان للفضاء الإنساني بمفهومه الأوسع، وينتصران للمحبة التي جاءت نتيجة الروابط المشتركة كالأدب الرفيع الذي كان وسيلتهما في تبادل الرسائل ومبتغاهما في الحياة ذاتها.
تسأل سواني فوريست ألبير كلود: «تعتقد لماذا افترقت سيلفيا بلاث عن صديقها بالمراسلة هانز يواكيم، فيجيبها بأنهما لربما هربا في منطاد أو اختفيا في المحيط». ويمكن الاستدلال من خلال حديثهما سواء عن سيلفيا بلاث أو دوستوفسكي أن الأدب جزء محوري من رسائلهما وعلاقتهما، وفي الواقع تناولا ضمن رسائلهما الشخصيّة أدب الرسائل، وهذا في حد ذاته قالب مبتكر من قوالب المراسلات التي نود أن نفصح للآخر فيها عن مشاعرنا، لكن لا نضخها على الورق مباشرة بل نحاول أن نقولها بما يرمز لها. لذا يمكن أن يكون الأدب السبيل لقول ما نعجز عن قوله بلغة مباشرة.
والملاحظ في هذه الرسائل أنها لا تعبر عن المشاعر تعبيرا جافا بقدر ما تشرح كذلك حالة المشاعر التي نجد أنفسنا متورطين فيها حين نشعر بالغربة، والحنين للأماكن الأولى خاصة المرتبطة بالطفولة: «الحنين يجرفني ويزداد هاجس العودة بي إلى وطني الحبيب.»
تقول إحدى العبارات التي أوردتها خلود جمال على لسان بطلة رسائلها إن «الكتابة الأكاديمية تختلف تماماً عن الكتابة إليك. ففي الأولى ينبغي أن أرفق المصادر والأدلة والدراسات التي قام بها ذوو الشأن. أما هنا أكتب ما أوده غير مستندة على شيء، أنا المصدر الوحيد لذلك، وأنت برهاني الحقيقي، فها أنا أثبته.»
تظهر رسالة سواني فوريست إلى ألبير كلود على أن المشاعر الإنسانيّة لا تستند إلى شيء بقدر ما تستند إلى الفعل ذاته، الذي تنطلق منه، ومن خلاله تعبر عن ذاتها وحاجتها في فعل ما تراه مناسبا لها، بخلاف الأشياء التي تتطلب ردود أفعال معينة.
وفي الحقيقة فكرتها هذه تتجاوز ما هو مطروح إلى ما هو أعمق وهو معرفة الإنسان بنفسه، إذ إن تلك المعرفة هي الأساس في أن يكتسب الإنسان علاقة صحية مع نفسه قبل الآخرين. أن تعرف نفسك معناها لست في حاجة إلى أي إثبات شيء يخصك، في حين من لا يعرف نفسه مضطر دائماً لأن يبحث عن ذاته في عيون الآخرين وربما حتى قيمته.
محتاج إلى العثور على تلك القيمة ليشعر بالرضا عن نفسه، وهو يشبه بذلك البحث الأكاديمي الذي لا يمكن أن يستقيم إلاّ بهوامش تحمل أسماء كتب ومجلات ووثائق يمكن استخدامها للتأكيد على جدية البحث، وهذا الفرق الجوهري بين الأشياء التي يصنعها البشر وبين البشر أنفسهم، إذن قيمة الواحد منا لا تصنعها تقييمات الآخرين بل نعثر عليها بأنفسنا حين نعرف كيف نستدل عليها.
وفي عبارات أخرى نعثر على العمق الذي يقتضيه الأدب لا الأسئلة الشخصية، إذ تنظر الكاتبة دائماً للأشياء من زاويتها الخاصة كي تصوغها فنيا بالطريقة التي يقتضيها الأدب، تسأل:
«أما زالت هناك شمس تشرق؟
أم علق الليل بالنافذة؟»
ومرة أخرى تسأل: «ما فائدة النوافذ والأبواب؟»
تنطلق كتابات خلود جمال من الذاتي كحيلة أدبية غايتها منها الكتابة بوصفها أداة تنقل عبر الأدب خصوصية مشاهد الحياة اليومية إلى العام، وهي بهذا تعيد تشكيل وتعريف هذا النوع من الأدب عن طريق استحضار شخصيات وهمية، أو ربما شخصيات حقيقية لاستنطاقها أدبيا، ففي آخر كتابها تصرح: «سواني فوريست وألبير كلود شخصيات حقيقية وما أنا إلاّ كاتبة».
إذن لا تكتب المؤلفة الواقع كما نعرفه عن قرب ولا تكتب الحقائق كما نصدم ببعضها، لكنها تكتب الأدب الذي يصلنا بالواقع ويقربنا من الحقيقة أكثر من الحقيقة ذاتها، لذا كان الأدب وكانت الكتب. ألم يقل يواخيم لونزلد: «الأدب هو الحصن الأخير الذي ما زال يمكن فيه أن تقال الحقيقة.»
وفي عبارة لخلود جمال: «من يصلك بالكتب يصلك العالم»، ويبدو أنها هي الأخرى تحاول أن تمنح من خلال الكتابة عالمها الاتساع الذي يصل العالم.
خلود جمال: «رسائل ألبير كلود وسواني فوريست»
دار روزا، الدوحة، 2023
179 صفحة.