«قريباً على قيد الحياة» رواية الفرانكوجزائرية أمينة داميرجي: حكايات الخوف وترويض الأمل

سارة سليم
حجم الخط
1

في كل مرة أقرأ فيها نصا أدبيا تستند أحداثه إلى وقائع حقيقية، أتساءل هل يعبر عن الأدب أم أنه يعيد كتابة التاريخ بشكل واضح وصريح بدون أن يستوعب خصوصية هذا الفن الذي يقرأ الواقع في إطاره الروائي، وضمن حدود رؤيته تلك، إذ يلجأ بعض الروائيين إلى التوثيق الصريح وكأن الأدب حلّ محل التاريخ. وهذا الخلط يجرنا بالضرورة إلى السؤال عن الغاية من كتابة رواية تعيد قراءة التاريخ من وجهة نظر الأدب..
وقبل الإجابة عن هذا التساؤل من المهم جدا أن نفرق بين عمل أدبي يستخدم الواقع بشخصياته وأمكنته كما هي في الحقيقة، وبين عمل يعيد تمثيل تلك الفترة الزمنية وكأنك جزء منها. فالأول لا يعبر عن الأدب بالمعنى الخفي له، بينما ينطلق الثاني من الأدب حين يكتب التاريخ كتابة تقربك من فهم تلك المرحلة. هذه الفكرة بالذات وصفتها الكاتبة النيجيرية شيماندا أديشي وصفا دقيقا حين ذكرت أن «التاريخ يخبرك ماذا حدث، لكن الرواية الجيدة تخبرك كيف شعر الناس بما حدث».
إذن، الأدب في حدود تعريفي الشخصي هو وسيلة أكثر اقترابا من الواقع حين يسرد تفاصيله وينقل المشاعر التي رافقت كل مرحلة، وفي الوقت ذاته، لا يسرد وقائع حقيقية بعينها كما وثقها التاريخ، فالتوثيق مهما كان دقيقا إلا أنه «سيقدم لنا نسخة معدلة من الواقع» بتعبير سوزان سونتاغ.
لربما هي مقدمة طويلة للحديث عن التاريخ والرواية التي تعرف كيف تسرد وقائع تاريخية ضمن ما يسمح به الأدب، هذا الفن الذي يسع كل شيء، وكأنه يقدم قراءة نقدية لحياة متخيلة، لكنها أكثر تجسيدا وفهما لحياتنا الحقيقية. إنه لشيء نادر وثمين هذا الذي يقدمه الأدب للإنسانيّة، إذ إنه يمتلك عصا سحرية قادرة على تحويل واقع لم نعشه إلى مشاهد حية.
هذا ما حدث معي عندما قرأت رواية «قريبا على قيد الحياة» للكاتبة الفرانكفوجزائرية أمينة داميرجي، إذ شعرتُ بأني أكثر فهما لتلك الفترة، كما شعرتُ أن الرواية لا تقدم نقدا لتلك الفترة، بل تتطلع إلى القادم بتفاؤل كما يوحي عنوانها، وتستثمر في الأمل الذي يولد وسط الظلام ويكبر رغم كل ما يحيط به من منغصات.
إنه الأمل في المستقبل، كما أنها رواية عن تذليل الصعوبات وعن محاولة ترويض المستحيل الذي يرافق الفترات الصعبة، تلك التي تصبح فيها النجاة أقوى من الحياة نفسها. هي رواية عن مرحلة مؤلمة من تاريخ الجزائر، عن العشرية السوداء، عشرية الألم والفقد، إذ عرفت أمينة من خلال هذا النص كيف ترجع إلى تلك الفترة الزمنية كي تعيد استحضارها روائيا من منظورين مختلفين، منظور عام، يسرد تفاصيل تعود بنا إلى مظاهرات 5  تشرين الأول/أكتوبر 1988، وغيرها من الشخصيات والأحداث التي قد ينتبه إليها القارئ الملم والعارف بتاريخ الجزائر في تلك المرحلة المأساوية.
أما الشكل الخاص للرواية فهو قصتها التي تبدأ في قرية سيدي يوسف القريبة من غابة باينام بالجزائر العاصمة، هناك حيث يعرف الخوف كيف ينسج خيوطه بين الناس، إذ يتسلل الرعب إلى قلوبهم ويصبح رفيق كل عائلة، انطلاقا من عائلة باسعيد. وإن كانت الرواية لا تسرد قصة هذه العائلة الناطقة بالفرنسية فحسب، بل تُقدم نموذجا مصغرا عن بعض العائلات الجزائرية البرجوازيّة التي تشبه عائلة سلمى، وسلمى في رواية داميرجي ليست تلك البنت المدللة التي لا تعي ما يدور حولها، بل مدركة تماما للوضع التي تمر به الجزائر آنذاك، لكنها كانت تلجأ للطبيعة ولهواياتها وحبها للحيوانات هربا من واقع فرضه الإرهاب وشغفا لا ينتهي بهذه الكائنات فسلمى بتعبير الرواية: C’était tout son temps libre que Selma consacrait à ses bêtes، أي ما معناه أنها تكرس كل وقت فراغها لحيواناتها.
وقصتها مع حصان نادي الفروسية التابع لباينام واحدة من تلك القصص التي نتعلم منها جدوى أن لا نفقد الأمل في كل من نعتقد أنهم لن يتغيروا أو لربما من منظورنا أنهم مختلفون، في حين لم نمنحهم فرصة لكي يكونوا هم، ويشاركونا الحب ذاته. وهذا ما تعلمته سلمى من خلال تجربتها مع الحصان الذي أراد الجميع التخلص منه لأنه متوحش ويؤذي كل من يقترب منه حتى أنهم أطلقوا عليه اسم «شيطان». لكن هذا لم يردع سلمى أو يجعلها تخاف الاقتراب منه، بل حدث العكس، إذ دافعت عنه حين حاولوا إبعاده بهدف التخلص منه.
وهكذا نشأت علاقة صداقة جميلة بين سلمى والحصان الذي روضته وأعادت له الأمان الذي كان بحاجة إليه كي يكون مسالما، بينما روض هو الآخر الأمل داخلها وأزال عنها حدة الخوف الذي لازمها في كل شيء، ولكن حدث ما كان متوقعا، إذ أُغلق نادي الفروسية بسبب حالة الخوف، وسارت على خطاه أغلب مرافق البهجة في إعلان عن توقف الحياة. هكذا غادر الرفاق، وهاجر الأحبة واختفت كل صور الحياة، فوجدت سلمى نفسها مجبرة على تقبل ظروف لم تجربها من قبل، فحتى البيت الذي منحها حياة مترفة لم يقلص ظروف سلمى الجديدة، بل وجدت نفسها مرة ثانية تعيش مشاكل ليست طرفا فيها، بل هي مشاكل ناتجة عن اختلافات جذرية بين عمها ووالدها، إذ كان والدها ضد التيار الذي ينتمي إليه عمها.
وهكذا صارت عائلتها ساحة معركة لا أعداء فيها، سوى الاختلافات التي شتتت الجميع وصنعت بينهم حواجز وأسباب للاختلاف من شأنها أن تزرع الكراهية، وكل ما من شأنه أن يدمر الروابط الإنسانية عند الجميع. أجيال بدأت تنطفئ أحلامها وتختفي تدريجياً، لذا بات لزاما على سلمى البحث عن طريقها الذي يمكن من خلاله أن تنسى معاناتها يبعد عنها شعور الخوف الذي رافق الجزائريين في تلك العشرية السوداء، خاصة الصغار، الذين عايشوا مجازر دموية.
وهذا ما قدمته الرواية من خلال سردها التخيلي لأحداث حقيقية مفرطة في القساوة، كمشهد البنت التي رأت والدها يقتل أمام عينيها، وهو مشهد لا يغيب عن الذاكرة، بل يترك أثرا باردا ينخر العظم ويحدد إلى أي مدى يمكن أن يصل شعور وأحاسيس الإنسان في تلك اللحظة. فالموت كحدث ليس بالأمر الهين، فما بالك موت أقرب الناس لك بطريقة وحشية، وهذا ما أعادت أمينة داميرجي إنتاجه عبر العودة بالزمن إلى تلك السنوات، تاركة للقارئ فرصة خلق تأويلات جديدة، تعيد استرجاع مآسي تلك الأيام.
ومن هنا نرى أن قوة النصوص الأدبية لا تتوقف عند سرد حكاية بتفاصيل معينة، بل في مقدرتها على إعادة الإنتاج، وهو ما ذهب إليه جاك دريدا حين اعتبر أن «النص لا يُقرأ فقط، بل يُعاد إنتاجه في كل قراءة». لذا فإن رواية «قريبا على قيد الحياة» تُوَلِّدُ الأفكار عند كل قراءة، وكأنها منجم حكايات، حكايات الحب في بداياته الأولى، والشغف بالحيوان في أسمى صوره الإنسانية، وحكايات الأمل وتأويلاته المستقبلية، وحكايات الخوف حين يصبح الصوت الأكثر صدى، وحكايات الأسر التي تمزقها الاختلافات، وحكاية المدن التي تحاول أن تلفظ كل ما يعكر صفوها، وأخيرا حكايات الأمل الذي يعيد الحياة إلى مسارها الطبيعي هذا ما عبرت عنه.
ورواية «قريبا على قيد الحياة» تصلح أن تتحول إلى فيلم سينمائيّ، ذلك أن أسلوب أمينة في الكتابة وطريقتها في سرد تفاصيل الحكايات تشبه المشاهد السّينمائيّة حين تعرض أمامك الأحداث وكأنك جزء منها، كما أنها لم تستخدم شخصياتها الروائية لتكون مع طرف ضد الآخر، بل التزمت الحياد، حين تركت لكل رأي الحرية في أن يشكل ذاته الأدبية انطلاقا من أفعاله وردودها عليه وعلى المجتمع حوله.
أيضاً قصة الرواية تبدأ من العائلة كجزء من المجتمع لتكبر الحكاية مع كل تفصيل من تفاصيلها لتصبح القضية التي نعرفها جميعا كجزائريين عرفوا معنى الظلم والاحتلال، وكشعب ناضل من أجل أن ينال حريته، ولم يقف وقفة العاجز حين يتعلق الأمر بحرب أهلية تحدث بعد فترة قصيرة لا تتجاوز الثلاثيين سنة من نيل الجزائر استقلالها.
وقد عبرت داميرجي عن هذه الأحداث بلغة بسيطة لا تكلف فيها لكن عباراتها قوية ومؤثرة. وحصلت الرواية على جائزة مجلة Transfuge  بوصفها «أحسن رواية فرنسية لسنة 2024» حين صدرت أول مرة طبعة فرنسية عن دار غاليمار العام 2024، كما صدرت بطبعة جزائرية عن دار برزخ العام 2025. وأمينة داميرجي كاتبة وشاعرة وباحثة فرانكوجزائرية، ولدت في الولايات المتحدة وعاشت طفولتها في الجزائر، وانتقلت بعدها للعيش في فرنسا وهناك بدأت مسيرتها الأدبية والأكاديمية إذ تحصلت على دكتوراه في الأدب الكوبي.

Amina Damerdji: Bientôt les vivants
Gallimard, Paris 2025
281 pages.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية