«رسائل لها تاريخ» للمصري أيمن الحكيم: صحافة الثلاث ورقات

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: تعد الرسائل المتبادلة بين المشاهير حالة مُحرّضة على القراءة، خاصة أنها بمثابة رسائل شخصية، تكشف أكثر عن شخصية صاحبها، بغض النظر عن الصورة الرسمية التي يحرص كل الحرص على رسمها لنفسه. وفي الغرب تنتشر ظاهرة نشر الرسائل الخاصة بين المشاهير، ساسة أو فنانين، سواء تعلقت بعلاقات حب، أو حالات الإبداع وتوتراته التي لا تنتهي.

وفي هذا السياق يأتي كتاب بعنوان «رسائل لها تاريخ.. العوالم الخفية للمشاهير» من إصدارات الهيئة العامة لقصور الثقافة، للصحافي المصري أيمن الحكيم، الذي اشتهر بدوره بهذا الشكل من الكتابة عن سيرة حياة الفنانين، مثل.. «موال الشجن سيرة بليغ حمدي، ذكرياتي عن سيرة هند رستم، المشهد الأخير.. مبدعون انتهت حياتهم بمأساة» والعديد من الإصدارات على هذه الشاكلة. الملحوظة الأولى على مثل هذه النوعية من الإصدارات أنها كانت تخص فترة في الصحافة المصرية، كانت تهتم دوماً بالإثارة واختلاق الجدل حول سيرة الشخصيات، التي معظمها يكون في عِداد الموتى، حتى يؤلّف الصحافي ما يشاء من حوادث وأحداث، أو كتابة عنوان مثير لا يمت لمتن الموضوع بصِلة، فقط لجذب القارئ لا أكثر ولا أقل، كشأن الصحافة الصفراء، من قبيل الفنانة الشهيرة فلانة تقتل الفنان فلان، ليتضح أنه مشهد في أحد الأفلام يقوم فلان وفلانة بتصويره. وكتاب الحكيم يأتي على هذه الشاكلة، فالعوالم الخفية للمشاهير ما هي إلا سرد لحياة بعض الشخصيات، فالبرقية الرسمية تتحول إلى مراسلات خاصة، والمراسلات العادية تصبح قصة حب مجنونة، وهكذا من تفاهات تخطاها الزمن، محاولة اللحاق بأخبار ومجادلات أكثر تفاهة يتنفسها صحافي تجاوزه الزمن، لم يزل يختلق التخاريف التي لا تهم أحدا، حول العندليب الذي تزوج السندريلا، متناسين ما نعيشه وما نحياه من مأساويات تكاد تقارب تراجيديات اليونان.

من غادة لبليغ يا قلبي لا تحزن

لم ننته من السندريلا والعندليب، حتى تأتي حكاية غادة السمان وبليغ حمدي، بيحبها، مش بيحبها، سيتزوجها، لن يتزوجها. ما الأهمية لهذه التخاريف؟! إلا أن المراسلات أيضاً لم تكن شارحة وموضحة لقصة الحب هذه، فهل كتبت الكاتبة عنها رواية مثلاً، لا. وهل قدم بدوره لحناً لها، أيضاً لا. فماذا إذن؟ مراسلات عن بليغ تكتبها السمان لصديق مشترك، ومنها مثالاً «ما أخبار بليغ حمدي وأين هو وأين سيكون وما عنوانه في القاهرة؟ وإذا كان لا يزال في لندن، أرجو أن تعطيه عنواني أو تبعث إليّ بعنوانه، لم أكن أدري أنني سأشتاق إليه كثيراً». الأمر لا يتوقف عند هذا الحد من الهراء، بل يتواصل ناقد فني آخر (حكواتي) مفنداً الجريمة الشنعاء ـ نقصد طارق الشناوي اللي بيتكلم في كل حاجة ـ مُتهماً ناشر الرسائل ـ عديمة الجدوى ـ بأن ما فعله لا يجوز أخلاقياً وأدبياً وقانونياً، لأنه ببساطة لم يستأذن أطرافها في نشرها. «الناس دي عايشه فين!» ومن التفاهة إلى البلاهة، فيقوم مؤلف الكتاب بالرد على الناقد الجهبذ قائلاً في مقال صحافي لافت لامع، «لا أحتاج أن أُذكره بأن أنديرا غاندي الزعيمة الهندية نشرت رسائل والدها الزعيم الأسطوري جواهر لال نهرو الشخصية إليها، في كتاب نقله أستاذنا أحمد بهاء الدين إلي العربية، وسحر أجيالاً ولا يزال». نهرو وأنديرا غاندي بقوا غادة وبليغ.

فريد وعبد الناصر

جاء هذا الفصل بعنوان «رسائل عبد الناصر إلى فريد الأطرش تكشف أسرار علاقة الزعيم والموسيقار». فما هي الرسائل؟ وما هي الأسرار؟ وبعد سرد لحياة فريد ومآل ممتلكاته، تأتي الرسالة، ليتضح أنها رسالة رسمية رد بها عبد الناصر شاكراً فريد الأطرش لتبرعه لمنكوبي السيول في قنا، وأخرى لتبرع فريد للمجهود الحربي. والفصل بالكامل حكايات عن علاقة فريد بالملك فاروق، وغيرة الأخير من فريد، لأن الملكة ناريمان كانت تعشق فريد. الصبر يا رب.
وعلى هذه الشاكلة تدور جميع فصول الكتاب والرسائل الرسمية أو العادية جداً، التي لا يرقى الكاتب حتى لتحليلها وتحليل عصرها والسياق الذي كُتبت فيه، لأنها لا تحمل دلالات توحي بالتأويل أو الاستنتاجات. منها رسائل محمد حسنين هيكل وأحمد بهاء الدين إلى جمال حمدان، وفيها لا يفوت الصحافي عقد أوجه الشبه بين حمدان وبهاء الدين، تصدق أنهما من مواليد شهر فبراير/شباط، لأ وساكنين في الدقي، لا تخرج قبل أن تقول سبحان الله.

نزار وصلاح عيسى

ربما أهم ما في السمك لبن تمر هندي هذا رسائل نزار قباني إلى الناقد رجاء النقاش، ورسائل صلاح عيسى إلى زوجته أمينة النقاش، ذلك لارتباطهما بموقف أو محنة سياسية خاضها أصحابها.
نبدأ بنزار ورسالته إلى رجاء النقاش، بعد موقف الأخير منه والدفاع عنه بعد يونيو/حزيران 1967 وإصداره «هوامش على دفتر النكسة». فقد قاد الشاعر صالح جودت حملة ضد نزار قباني ـ جودت نفسه قائد الحملة على نجيب محفوظ وأولاد حارتنا ـ مطالباً بمنع قصيدة وصاحبها من دخول مصر، مع مصادة دواوينه. فكتب النقاش مقالاً مدافعاً عن نزار، وطالبه بكتابة رسالة إلى عبد الناصر، أعطاها النقاش إلى أحمد بهاء الدين لإيصالها لعبد الناصر، الذي أصدر توجيهاته بإلغاء كل قرارات الحظر والمنع التي صدرت في حق الشاعر. ونذكر هذه الكلمات من إحدى رسائل نزار لرجاء النقاش.. «ليست هناك خيارات كثيرة أمام الشعر، فهو إما أن يكون مع الناس، وإما أن يكون ضدهم، ولا قيمة لشعر يقف في الوسط، وينضم لمجموعة الحياد الإيجابي».
ثم نختتم بجزء من إحدى رسائل الكاتب الصحافي صلاح عيسى إلى زوجته الكاتبة أمينة النقاش، وقت اعتقاله في حملة اعتقالات السادات الشهيرة في سبتمبر/أيلول 1981، فيقول.. «تقديري الشخصي أن هناك إفراجاً لن يزيد عن منتصف الشهر المقبل… ذلك أن أحداً لا يستطيع أن يحكم مصر في المعتقلات تحت أي ظرف، فأرجو أن تطمئني… لا مأساة هناك، ولكن هناك العادي والطبيعي في حياة رجال ونساء، اختاروا منذ زمن طويل أن ينتموا لغير أنفسهم في وطن مليء بتعاسات لا حد لها كوطننا».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية