رسائل ميدانية جديدة بعثتها تل أبيب على شكل مجازر خطط إسرائيل تجاه غزة إبقاء الاحتلال وإطالة أمد الحرب وإفشال مقترحات التهدئة

أشرف الهور
حجم الخط
1

غزة ـ «القدس العربي»: كعادتها تواصل حكومة الاحتلال اليمينية تسويف كل المبادرات الرامية لوقف الحرب الدامية على قطاع غزة، وبعثت خلال الأيام الماضية سلسلة رسائل مباشرة وغير مباشرة، أكدت فيها نيتها الاستمرار في هذه الحرب، والإبقاء على احتلال قطاع غزة.

أول الرسائل العملية التي أوصلتها إسرائيل خلال الأيام الماضية، بعد إعلان الرئيس الأمريكي جو بايدن، ضرورة وقف الحرب، كانت كعادتها من خلال تصعيد هجماتها الدامية.
ومع حلول عيد الأضحى الذي لم يشفع للغزيين ولم يوقف الحرب عنهم ولو في إطار «هدنة إنسانية مؤقتة» أعاد بايدن التأكيد على أن إدارته تبذل كل ما في وسعها لوضع حد للحرب في قطاع غزة، وتحرير جميع المحتجزين، وتقديم الإغاثة الإنسانية، والعمل نحو حل الدولتين في المستقبل.
وقد أكد أن العيد يأتي هذا العام في وقت صعب، إذ يعاني المدنيون الأبرياء في غزة ويلات الحرب، وقال أيضا وهو يتحدث عن الحالة الموجودة «عدد كبير جدا من الأبرياء الفلسطينيين قُتلوا، بينهم آلاف الأطفال، وفرّت عائلات من منازلها وشهدت تدمير مجتمعاتها» وأكد أيضا أنه يؤمن بأن الاقتراح الحالي المقدم لوقف إطلاق النار، على 3 مراحل هو أفضل وسيلة لإنهاء الحرب في غزة.
لكن لم يكن يمر على هذا الحديث سوى ساعات قليلة، حتى كانت إسرائيل كعادتها ترد بما يؤكد نواياها لاستمرار التصعيد، فوسعت من هجومها البري على مدينة رفح، وأعلنت عن السيطرة على ما نسبته 70 في المئة من أراضي المدينة، وارتكابها هناك العديد من المجازر الدامية.
وخلال أيام العيد، قامت قوات الاحتلال بشن سلسلة غارات عنيفة على مدينة رفح، تعمدت خلالها تدمير مبان ومنشآت خدماتية، وحرق الكثير من المنازل والمنشآت كان من بينها صالة المسافرين في معبر رفح البري الفاصل عن مصر، في إشارة على نواياها الإبقاء على احتلالها لفترة طويلة، والسعي لأن يكون لها الدور الأساسي في المرحلة المقبلة، بخصوص إدارة المعبر، بعيدا عن أي جسم فلسطيني.
كما كررت فعلتها السابقة، واستهدفت بالطيران الحربي خيام النازحين في مواصي رفح، لترتكب مجزرة جديدة ما أدى لاستشهاد وإصابة عشرات المواطنين، واندلاع حرائق في الخيام.
ولم تكن هذه هي الرسائل العملية لحكومة الاحتلال على مقترحات التهدئة، فقد توسع خلال الأيام الماضية الهجوم على مناطق وسط القطاع، فشهدت المناطق الشمالية توسعا للغارات مع تقدم بري محدود في محيط الممر الأمني الذي يفصل شمال القطاع عن جنوبه، وتدمير العديد من المنازل والأراضي القريبة من هذا الممر، وقد فهم من ذلك أن الأمر ربما يكون راجعا لمساع إسرائيلية لتوسعة الممر على حساب الأراضي الواقعة على جانبيه، ضمن خطط البقاء في القطاع، وتكريس الاحتلال، وهو ما يفشل الجهود المبذولة للتهدئة، في ظل إصرار الفصائل الفلسطينية المقاومة، على ضرورة تحقق شرط الانسحاب من غزة لإنجاز التهدئة.
وعلاوة عن ذلك، فقد اقترف جيش الاحتلال في اليوم الأول والثاني للعيد مجازر دامية في وسط القطاع، استهدف خلالها منازل سكنية ودمرتها فوق رؤوس ساكنيها، وقتلت من فيها من سكان وأكثرهم أطفال.
وأظهرت الصور انتشال جثث أطفال صغار من تحت الركام، وقد مزقت الصواريخ الإسرائيلية أجسادهم، فيما استمرت مأساة السكان وتجددت أحزانهم في أيام العيد.
ولم يكن الحال في مدينة غزة وشمالها، بعيدا عما يحصل في وسط وجنوب القطاع، فقد اقترفت قوات الاحتلال هناك العديد من المجازر، ودمرت منازل في مدينة غزة فوق رؤوس ساكنيها وقتلت من فيها من نساء وأطفال، وتعمدت كذلك تنفيذ توغل محدود على الأطراف الشرقية لحي الزيتون، بعد أن نفذت غارات جوية عنيفة على شكل أحزمة نارية، أرهبت خلالها السكان وقتلت عددا منهم.
وأظهرت الإحصائيات الرسمية الطبية ارتفاعا في عدد الشهداء الذين سقطوا خلال الأيام الماضية، حيث فاقت حصيلة الشهداء الذين سقطوا منذ السابع من أكتوبر الـ 37370 شهيدًا و85450 إصابة، فيما لا يزال هناك عدد من الضحايا تحت الركام وفي الطرقات لا تستطيع طواقم الإسعاف والدفاع المدني الوصول إليهم.

خطط إبقاء الاحتلال
وبموازاة ذلك، بعثت دولة الاحتلال العديد من الرسائل الأخرى التي أكدت فيها نواياها على إطالة أمد الحرب.
وكان أبرز تلك الرسائل، ما تحدث فيه علنا رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، حين قال في اجتماع مع أهالي الأسرى الإسرائيليين في قطاع غزة «لن نخرج من قطاع غزة حتى إعادة جميع الرهائن، ولن نخرج حتى نقضي على قدرات حماس العسكرية والحكومية. ليس لدينا خيار للاستسلام، وليس لدينا خيار للتخلي عن النصر. هذا هو موقفي. ومن يعارضه فليعارض جهرا».
وفي الوقت الذي كان فيه الوسطاء يتحركون على الأرض لبدء جولة مفاوضات جديدة لإنهاء الحرب، كشفت تقارير عبرية، أن كبار المسؤولين الأمنيين في إسرائيل يقدرون بأن العملية العسكرية في رفح ستستمر لمدة أسبوعين.
وذكرت هيئة البث الإسرائيلية، أن المسؤولين الأمنيين، يقدرون أن العملية العسكرية في رفح ستنتهي خلال أسبوعين بعد إخلاء جميع السكان المدنيين.
وكشف الهيئة أن المداولات الأمنية تؤكد الإبقاء على السيطرة على «ممر نتساريم» الذي يفصل شمال القطاع عن جنوبه، وكذلك الإبقاء على احتلال «محور فيلادلفيا» الذي يفصل بين الأراضي الفلسطينية والمصرية، وكذلك معبر رفح حتى عندما ينهي الجيش الإسرائيلي نشاطه.
ونقلت عن مسؤول في فريق التفاوض الإسرائيلي، قوله إن الجيش سيبقى في قطاع غزة حتى بعد انتهاء العملية العسكرية في رفح، وقال «إذا كانت حماس تعتقد أن القتال سيتوقف مع انتهاء العملية في رفح فهي مخطئة» وقد أشار أيضا إلى أن «إسرائيل ستواصل القيام بعملية عسكرية قوية وفعالة» وأن الجيش يستعد لمواصلة العمليات حتى بعد انتهاء القتال في رفح، وقال «ستبقى إسرائيل في غزة».
وأضاف أنه «حتى بعد انتهاء الجيش الإسرائيلي من العملية في رفح، سيبقى الجيش في القطاع بكامل قوته وعلى نطاق واسع لمواصلة النشاط العسكري المكثف» كاشفا بأن لدى الجيش الإسرائيلي خطط هامة سيتم الكشف عنها لاحقا.
وفيما يتعلق بالعرض الإسرائيلي الأخير لحركة حماس، الذي كشف عنه الرئيس الأمريكي جو بايدن بداية الشهر الجاري، قال المسؤول إنه «لن تكون هناك مفاوضات حول مقترح آخر غير ورقة بايدن» وزعم «رد حماس بمثابة الرفض التام للورقة».
وترافق ذلك مع ما كشفته صحيفة «معاريف» إنه بعد انتهاء مرحلة رفح، فإن القرار المتوقع أن يتخذه المستوى السياسي في إسرائيل هو الانتقال إلى المرحلة «ج» أو المرحلة الثالثة من القتال.
ونقلت عن مصادر مطلعة على التفاصيل قولها إن الخطوة التالية ستأخذ شكل غارات دقيقة لقوات الجيش الإسرائيلي في كامل أراضي قطاع غزة.
وأفاد المصدر بأن خطة الانتقال إلى المرحلة الثالثة تم إعدادها من قبل المؤسسة الأمنية وهي في انتظار موافقة المستوى السياسي.
وأوضح أنه وفي الوقت نفسه، لا يبدو أن هناك تغييرا في موقف المستوى السياسي من السلطة الفلسطينية، كعامل قادر على القيام بدور فعال في إدارة غزة، بل على العكس من ذلك وفي ضوء الإجراءات التي تتخذها السلطة الفلسطينية ضد إسرائيل على الساحة الدولية، بدأ المجلس الوزاري السياسي الأمني بمناقشة حزمة «الإجراءات العقابية» ضد كبار مسؤولي السلطة الفلسطينية.
ولذلك قال أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، حسين الشيخ، إن إسرائيل لم تعلن رسمياً ترحيبها بخطة وقف إطلاق النار التي اقترحها الرئيس الأمريكي، لافتا إلى أن إجراءات إسرائيل في غزة تؤكد أنها لا تنوي الانسحاب من القطاع إطلاقا، وأنها تحاول فرض أمر واقع في القطاع الفلسطيني وتريد البقاء فيه.
ويدلل ذلك على نوايا إسرائيل بعدم إحالة إدارة القطاع للسلطة الفلسطينية، أنها ماضية في إطالة مدة الاحتلال وإبقاءه لفترة طويلة، غير مكترثة لكل مبادرات التهدئة، ومضيها في حرب الإبادة وقتل المزيد من الفلسطينيين خاصة الأطفال.

تردي
الأوضاع الإنسانية

وفي هذ السياق قال جيمس إلدر المتحدث باسم «اليونسيف» إن قتل الأطفال في غزة والدمار في القطاع «لن يجلبا السلام للأطفال أو المنطقة» مشيرا إلى أن وقف إطلاق النار هو الحل الوحيد.
وأوضح أن التأثير غير المتناسب الذي تحدثه هذه الحرب على الصبيان والفتيات يؤكد الاعتقاد السائد بأن الحرب في غزة «هي حرب على الأطفال».
ويأتي هذا كله، والوضع الإنساني يزداد صعوبة في قطاع غزة، حيث يتوسع يوميا نطاق المجاعة في صفوف السكان، بسبب استمرار الحصار وإغلاق معبر رفح، والسماح فقط بعمل جزئي لمعبر كرم أبو سالم، الذي تدخل منه مواد تموينية بكميات قليلة جدا.
كما لا تدخل في هذا الوقت المساعدات الإنسانية بالشكل القليل التي كانت عليه قبل إغلاق معبر رفح، ولا تدخل أيضا أي مستلزمات طبية أو أدوية إلى القطاع، سوى كميات محدودة جدا، ما يهدد بوقوع كارثة طبية.
كما يعاني القطاع من نقص حاد في الوقود بسبب الحصار، وباتت العديد من المشافي والمراكز الصحية ومحطات تحلية المياه وآبار المياه مهددة بالتوقف الكامل، ما يعني وقوع ضرر أكبر على السكان الذين يعانون من ويلات الحرب والنزوح والمرض.
ولذلك حذر وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، مارتن غريفيث في بيان، من أن يواجه نصف سكان قطاع غزة الموت والمجاعة بحلول منتصف تموز/يوليو المقبل، وأكد أن توصيل المساعدات الإنسانية إلى السكان الذين يقفون على حافة المجاعة أصبح «أمراً شبه مستحيل» في حين قُتل العاملون في المجال الإنساني والأمم المتحدة بأعداد غير معقولة.
وأشار كذلك إلى إن القصف الاسرائيلي على غزة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر الماضي حوّل القطاع الفقير الخاضع للحصار إلى «جحيم على الأرض».

تفشي الجوع

وفي هذا السياق حذرت منظمة الصحة العالمية من أن سكان غزة يواجهون «جوعا كارثيا وظروفا شبيهة بالمجاعة» وكان المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس، نفى وجود أي دليل على أن المحتاجين في غزة يتلقون ما يكفي من الغذاء كما ونوعا، رغم الأنباء عن زيادة تسليم الأغذية.
وأشار غيبريسوس إلى أن أكثر من 8 آلاف طفل دون سن الخامسة شخصوا وعولجوا من سوء التغذية الحاد، بمن فيهم 1600 طفل يعانون سوء التغذية الحاد الوخيم.
وأكد المسؤول أيضا أنه بسبب انعدام الأمن وعدم إمكانية الوصول، لا يمكن تشغيل سوى مركزين لتحقيق الاستقرار للمرضى الذين يعانون سوء التغذية الحاد، معلنا أن عدم قدرة منظمته على تقديم الخدمات الصحية بأمان يعود إلى الافتقار إلى المياه النظيفة والصرف الصحي، وإلى زيادة كبيرة في مخاطر إصابة الأطفال بسوء التغذية.
وتطرق إلى هذا الأمر المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، الذي قال إن الاحتلال الإسرائيلي والإدارة الأمريكية يصران على إدخال 2.4 مليون إنسان مدني في قطاع غزة إلى نفق المجاعة وتكريس سياسة التجويع بحق الأطفال والمرضى ومنع إدخال الغذاء والدواء، في أسلوب خطير وغير إنساني، وذلك ضمن حرب الإبادة الجماعية التي ينفذانها ضد المدنيين في القطاع.
وأكد أن جريمة منع إدخال المساعدات والغذاء كأداة للضغط السياسي من قبل الاحتلال والإدارة الأمريكية، عمل على مضاعفة المعاناة في جميع محافظات قطاع غزة بشكل ملحوظ، حتى الأسواق والمحال التجارية باتت تعاني من جفاف البضائع والسلع بسبب الإغلاق التام لجميع المعابر.
وعندما تطرق أكثر للحديث عن الأزمة الراهنة، قال إن شبح المجاعة بات يُهدد حياة المواطنين بشكل مباشر، ما يُنذر بارتفاع أعداد الوفيات بسبب الجوع خاصة بين الأطفال، حيث بات 3.500 طفل يتهددهم الموت بسبب سوء التغذية وانعدام المكملات الغذائية والتطعيمات التي أصبحت في إطار الممنوعات من الدخول إلى قطاع غزة.
وشدد على ضرورة فتح معبر رفح وكرم أبو سالم أمام المساعدات والبضائع، والعمل على إنهاء «حرب الإبادة» وطالب المجتمع الدولي والمنظمات الدولية والأممية بالوقوف عند مسؤولياتهم، واتخاذ موقف شجاع بفرض تدخل دولي فوري وعاجل لوقف هذه الجريمة التي سيروح ضحيتها مئات الآلاف من المدنيين والأطفال والمرضى.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية