رسالة إلى الرئيس السيسي حول ما يجري في مصر

سيادة الرئيس: هذه رسالتي إليكم‪، ولدت من رحم ردود فعل على مقال السبت الماضي، وقد وصلت على بريدي الألكتروني أو بطريق الهاتف، وكانت على ما ورد في المقال من وقائع «التمييز العنصري» ضد مواطنين؛ من غير ذوي النفوذ ولا من ملاك الثروة أو ذوي الحظوة السياسية، وأن يحدث ذلك بعد ثورتين عظميين تصدرت شعاراتهما «العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية»، بدا مستغربا من شقيق عربي غير مصري؛ صدمته المعلومات الواردة بالمقال، وكما ذكر لم يكن يتصور أن بمصر مسؤولين وأصحاب قرار غلاظ القلوب والعقول، إلى حد حرمان مواطنين من حقوقهم الطبيعية والإنسانية والقانونية، وحد التنكيل بالمتفوقين منهم، ويعد هذا الشقيق العربي، الذي أزعجه ما قرأ عاشقا لمصر؛ يتمنى رؤيتها مستقرة ومتقدمة ومزدهرة، وكان في زيارة للقاهرة قبل ثورة 30 حزيران/يونيو 2013 بأيام، وذلك أتاح له الوقوف على الحراك الذي سبقها. ودفعه الفضول إلى التجول في القاهرة وضواحيها بالجيزة والقليوبية، واختلط بأوساطها الشعبية والمتوسطة والراقية، وشهد إجماعا لم يتخيله ضد حكم الإخوان المسلمين، ولما عاد إلى لندن وجد أن أكثر من 90٪ مما ينقله الإعلام الغربي، أو ما تبثه الفضائيات ووسائط الاتصال الألكترونية لا علاقة له بالحقيقة؛ وقتها علق: لو لم أكن هناك لكنت مثل غيري أعتمد على ما أسمع وأشاهد.. قال: أن الرئيس السيسي لا يعلم بهذه المعلومات، فقلت أنني متأكد أنه يعلم، وحتى لو افترضنا عدم علمه فهو في النهاية المسؤول الأول عما يحدث.

سيادة الرئيس:
كثيرون يجهلون أن الدستور المصري الجديد (2014)؛ أخذ بنظام الحكم “المختلط”.. فلا هو رئاسي ولا برلماني، ومنح القوة لـ»مجلس النواب»، ووزع المسئولية التنفيذية العليا بين رئيس الدولة ورئيس الوزراء؛ وصلاحيات رئيس الدولة ليست مطلقة، ولم يبق رئيس الوزراء سكرتيرا فنيا وتنفيذيا لدى رئيس الجمهورية كما كان في السابق، وأي منهما «ثاني اثنين» في تحمل المسؤولية التنفيذية الأعلى، ومعها صلاحيات التشريع حتى انتخاب «مجلس النواب» في الربع الأول من عام 2015.. وسألني لماذا لا أوجه رسالة للرئيس من خلال صحيفة «القدس العربي»، التي يرى أنها مقروءة من مصريي الداخل والمهجر. واستشعر ذلك أثناء زيارة القاهرة، وجاء الاقتراح في وقته، فقبيل الشروع في الكتابة بساعات طيرت وكالات الأنباء خطوة الملك عبد الله بن عبد العزيز للم الشمل العربي، و»ناشد مصر شعباً وقيادة السعي معنا في إنجاح هذه الخطوة في مسيرة التضامن العربى، كما عهدناها دائماً عوناً وداعمةً لجهود العمل العربي المشترك». وهي خطوة محرجة لقوى تتعيش على الفتن والإثارة والفرقة، ولا تملك غير تزكية الصراعات وشق الصفوف.. ولفتُّ نظر بعضهم منذ شهور إلى قرب حلول «موسم» التصالح و»تبويس» اللحى؛ وهي «مواسم» تفرضها المصالح السياسة المتغيرة، وهو ما لا ينتبه إليه أولئك المتضخمون ذاتيا والأكثر سعيا للمال والأعلى صوتا. ومخاطبة الرئيس السيسي وأي مسؤول عربي من قِبَل الكتاب وأهل الرأي والفكر في هذه الظروف يعزز لم الشمل ويساعد في رأب الصدع.

سيادة الرئيس:
كاتب هذه السطور منحاز لثورة كانون الثاني/يناير 2011، وكان صاحب مصلحة فيها، فقد أعادته إلى مصر بعد عقود قضاها في المنفى؛ كان نصفها إجباريا والآخر اختياريا، وخلالها لم يتوقف عن العمل من أجل تغيير حكم عائلة مبارك، ودفع الثمن قانعا وراضيـا. وقاطعه من اعتبر ذلك ضربا من الجنون؛ واحتسبه «كلمة حق في وجه سلطان جائر». وساهم في ثورة 30 يونيو بجهد متواضع، مزاملا آخرين أنكروا ذواتهم، وعملوا في صمت، من وراء ستار، ومن خلالهم توفر لثورة يونيو قدر لازم من الإمكانيات التي ساعدتها على النجاح.. وله موقف داعم لإنقاذ الدولة من السقوط، واقترب إلى من تصدوا لمخطط إسقاطها وتخريب مؤسساتها، وكان مثله مثل أي مصري بسيط في تقديره للقوات المسلحة، ووقوفها الدائم في صف الشعب، وكما مدت يدها له في أزماته اعتاد الشعب بدوره أن يقيلها من عثراتها، ولو كانت بحجم هزيمة 1967، وبدونها ما استطاعت مصر التخلص من الحكم المذهبي والطائفي، الذي أقام بنيانه على التمييز والفتن والعنف، وذلك الحكم أثبت العلاقة العكسية بين كثرة المذاهب وتعدد الطوائف وتناحرها وقلة الدين!!.

سيادة الرئيس:
المعلومات الواردة في مقال السبت الماضي، كشفت مناهضة حكومة ما بعد 30 يونيو للفقراء ومحدودي الدخل وصغار الكسبة والموظفين وعملت على حرمانهم من حقوقهم، وتعاملت معهم بروح انتقامية ثأرية، بلا سبب أو مبرر، في وقت تهيم فيه غراما بأصحاب الثروات الحرام التي تضخمت في حقبة الحكم «العرفي» لجمال مبارك، الذي استمر قرابة عشر سنوات سبقت يناير 2011. ونقل الوضع من «فساد إدارة» إلى «إدارة فساد» ممنهجة ومشروعة، ونتج عنها أكبر نهب في تاريخ مصر.
وأسمح لنفسي أن أذكر معلومات حصلت عليها من مصادر موثوقة عن أموال كانت حائرة وتائهة بين مصارف أوربا، وقدرت وقتها بأكثر من أربع مليارات جنيه مصري (750 مليون دولار أمريكي)، ونشرتها «القدس العربي» 2007)، وأعادت نشرها صحف مصرية في الداخل، واتصلت بي فضائية خاصة، وسألتني عن جدية ما طلبت في المقال واعتباره بلاغا للنائب العام.. وعن استعدادي للمثول أمام النائب العام إذا ما طلب ذلك.. قلت: أحضر فورا، وكما كان متوقعا لم يحرك النائب العام ساكنا.
وبعد 25 يناير سعيت لتجديد تقديم البلاغ ثانية.. فقيل لي أن هناك لجنة مشكلة لذلك الغرض، ورئيسها، كان يعمل محكما دوليا ودبلوماسيا سابقا، وتربطني به علاقة.. فاتصلت به فرحب.. وطلب إرسال ما لدي بالفاكس، والقانون المصري يسمح لي بالإفصاح عن تفاصيل المعلومات، وهو ما لا يسمح به القانون البريطاني. وفي البلاغ الجديد كشفت عن مصدر الأموال وأماكن وجودها وأسماء المصارف التي رفضتها، وكانت قد تصورتها أموالا حكومية، ثم وجدتها مهربة لصالح شخصية نافذة واعتبرتها “غسيل أموال”، وذكرت عنوان السفارة المتورطة واسم الدبلوماسي الوسيط، وبعد طول انتظار وإلحاح أبلغني “الصديق” المحكم الدولي والدبلوماسي السابق أنه لن يتقدم بالبلاغ للنائب العام، فالدبلوماسي المقصود اقترب من التقاعد ولنتركه يهنأ بتقاعده!!.. وكانت المفاجأة أن هذا «الصديق» شكل جبهة بعد عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي؛ أطلق عليها «جبهة الضمير» فقلت كم من الخطايا ترتكب باسمك أيها «الضمير» الغائب؟!

سيادة الرئيس:
الكل يعلم أن مصر تخوض حربا ضد الإرهاب؛ وهي ليست حرب القوات المسلحة وحدها ولا الشرطة بمفردها..وحالة الحرب تحتاج «حكومة حرب» أو حكومة طوارئ؛ تهيئ المجتمع والدولة وتعد المواطنين للدفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم وأعراضهم، ومواجهة احتمالات «التدخل الإنساني»؛ المقدمة المعتادة للتدخل العسكري المباشر. والعرب منذ غزو الكويت يعيشون هذا السيناريو ويتواطأون؛ حكاما ومحكومين؛ على تجاهله، ويسلمون أنفسهم لقمة سائغة لتحالفات يبنيها الغرب أو لحلف شمال الأطلسي (النيتو)، ومثل هذه الحكومة تحتاج شبابا قادرا لا علاقة له بحكومات المقاولين والسماسرة والجباة، التي قد تجد من الأيسر لها الاستقواء بالأجنبي وطلب تدخله. الأسبوع القادم باذن الله

٭ كاتب من مصر يقيم في لندن

محمد عبد الحكم دياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية