رسالة عباس إلى إسرائيل: إما تسوية سياسية أو تحمل العبء الأمني  

حجم الخط
0

التصريح الشخصي الذي أصدره محمود عباس في اجتماع القيادة الفلسطينية في 26 تموز الماضي بشأن وقف العمل بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل، يمكن أن يكون تصريحاً آخر فارغاً من تصريحاته الكثيرة. ولكن العمليات التاريخية لها وتيرة وزمن خاص بها، وأيضاً هناك محطات في الطريق، تؤدي في النهاية إلى نقطة تحطم فيها الأدوات.

عباس يشغل منذ العام 2005 منصب رئيس السلطة الفلسطينية. ويدير أساس النضال مع دولة إسرائيل عبر القنوات السياسية والدبلوماسية والقانونية. ورغم تصريحات سابقة عن النية لإلغاء الاتفاقات السياسية والاقتصادية والأمنية مع إسرائيل، فإنه لم يحطم الأدوات بعد. “حل المشكلات بطرق سلمية من خلال الاتفاقات واحترام القوانين مفضل أكثر من إطلاق الصواريخ ودهورة العالم إلى شفا حرب كبرى”، قال عباس للمراسلين الأجانب. “ما زلنا نؤمن بالسلام ونسعى إلى تطبيقه حسب القرارات الدولية المتعلقة بالعملية السلمية، لا سيما مبادرة السلام العربية من العام 2002″، قال للحضور في المؤتمر الإسلامي الأخير الذي عقد في شهر حزيران في مكة.

يفضل عباس حل النزاع بالطرق السلمية والامتناع عن إلغاء الاتفاقات مع إسرائيل. وكل ذلك من خلال الإدراك بأن هذه الخطوة ستؤدي إلى حل السلطة ونقل السيطرة في الضفة إلى إسرائيل وتراجع كبير لا يغتفر في مكانة حركة فتح كقائدة لنضال التحرر الوطني. ولكنه لا يستطيع تجاهل المزاج الحزين السائد في المجتمع الفلسطيني وفي الأجهزة الأمنية الفلسطينية وفي حركة فتح وفي فروع الشبيبة الفتحاوية، أو الانتقادات المتزايدة ضد الفساد في السلطة الفلسطينية.

المواجهات الاستثنائية بين قوات الجيش الإسرائيلي والأجهزة الأمنية الفلسطينية في نابلس وفي منطقة “اتش 1” وفي قرية بني نعيم، التي كان في واحدة منها تبادل لإطلاق النار، والدعم الذي تعطيه حركة فتح للجان الدفاع الليلية التي تعمل على وقف استفزازات المستوطنين، والشرعية التي تعطيها الأجهزة الأمنية للتطرف في خطاب حركة الشبيبة في فتح وعودتها إلى لغة الميثاق الفلسطيني من العام 1968 – كل ذلك يبرهن على أن هناك شيئاً ما سيئاً يحدث في حركة فتح، وليس بصورة موجهة، إنما بسبب الإهانة والخجل.

لا يمكن لعباس أن يسمح لنفسه باستبدال مبدأ “الأرض مقابل السلام” بـ “النمو الاقتصادي مقابل السلام” (مؤتمر البحرين و”صفقة القرن”)؛ ولا يمكنه الاعتراف بأن السجناء والشهداء الفلسطينيين إرهابيون وليسوا مقاتلي حرية، ولا يستطيع أيضاً تقليص أموال المساعدات لعائلاتهم؛ ولا يستطيع ضرب نفسه إزاء الإهانة التي هو والسلطة يتعرضون لها من إسرائيل من خلال خرق السيادة الفلسطينية في مناطق “أ” (البحث عن المطلوبين وهدم البيوت). إذا فعل ذلك فيتوقع أن يفقد ما بقي له من ثقة أبناء شعبه به.

رئيس السلطة يعرف جيداً معطيات الاستطلاع الأخير للدكتور خليل الشقاقي في حزيران 2019، الذي –بحسبه- يعتقد 80 في المئة من المستطلعين في الضفة الغربية أن مؤسسات السلطة الفلسطينية فاسدة، و50 في المئة منهم غير راضين عن أداء عباس، و49.4 في المئة يريدون استقالته، و42.5 في المئة منهم كانوا سيصوتون لمروان البرغوثي، مقابل 23.2 في المئة لعباس إذا جرت انتخابات للرئاسة. اعترف عباس أكثر من مرة بأنه يفضل أن يكون هناك في الطرف الإسرائيلي شخص يشبه إسحق رابين أو إيهود أولمرت. ولكنه غير موقن، وخاصة في الواقع السياسي الذي نشأ في إسرائيل في أعقاب الانتخابات الأخيرة، بوجود شريك متخيل كان بحث عنه. ولا يستطيع أيضاً مواصلة طرح مشكلاته أمام الزعماء العرب والغربيين؛ لأنهم هم أيضاً باتوا لا يثقون بتصريحات السلام التي يرددها، ويعتبرونه عبئاً أكثر مما هو فرصة.

بالإكراه، بدأ عباس في البحث عن حل في بيته: تجديد جهود المصالحة مع حماس من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية وصياغة استراتيجية سياسية واحدة وواضحة أمام إسرائيل. إن نشر تصريحه إلغاء الاتفاقات مع إسرائيل بعد خمسة أيام على زيارة وفد حماس إلى إيران، لم يأت صدفة كما يبدو، فقد استهدف الضغط على حماس من أجل المصالحة معه، والضغط على إسرائيل من أجل التقدم معه نحو تسوية سياسية. للزعماء المعتدلين من حماس: في غزة يحيى السنوار، وفي قطر خالد مشعل، يعطي عباس إشارات بأنه يجدر الإسراع إلى التصالح معه قبل أن يضطر إلى التنازل عن السيطرة في الضفة وعن احتمال ضمها إلى قطاع غزة، وقبل أن يزج صالح العاروري وإيران حماس في مواجهة عسكرية، تجر إسرائيل إلى داخل القطاع وتؤدي إلى انهيار نهائي لحكم حماس. يعطي عباس لإسرائيل إشارات بأنه يجدر بها التقدم نحو تسوية سياسية معه، وإلا فإنها ستضطر إلى مواجهة الإرهاب الذي سيأتي من الضفة وحدها وتتحمل عبئاً أمنياً واقتصادياً ثقيلاً، كانت تحررت منه في العام 1994 بعد التوقيع على اتفاقات أوسلو.

التصريح علامة فارقة في الطريق، وإذا لم يكن الأخير فهو يضاف إلى تصريحات سابقة. وكلما زادت هذه التصريحات فإن الابتعاد عن نقطة التحول آخذ في التقلص. جاء التصريح هذه المرة من عباس وليس من مؤسسات م.ت.ف. ما يدل على أن صبره وصبر حركة فتح له حدود.

بقلم: رونيت مرزان

هآرتس 5/8/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية