رسام الكاريكاتير البرتغالي فاسكو جارجالو والقضية الفلسطينية

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
1

لن يتعرف الفنان على أهمية ما أنجزه من أثر فني إلاَّ بعد أن يطرحه أمام المتلقين، هذا ما حصل لرسام الكاريكاتير البرتغالي فاسكو جارجالو. ففي 15 من شهر تشرين الأول (اكتوبر) 2023 وبالتزامن مع الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزَّة، نشر لوحة نقدية ساخرة على منصة Cartoon Movement بعنوان المحرقة «The Crematorium» يظهر فيها رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، وهو يرتدي القلنسوة والقبعة اليهودية وعليها نجمة داود، وهو يدفع نعشًا مغطى بالعلم الفلسطيني إلى محرقة الجثث، وفي أعلى اللوحة تظهر عبارة «Arbeit Macht Frei»(العمل يحررك) معيدا بذلك نفس العبارة التي كانت منقوشة عند مدخل معسكر الإبادة النازي في أوشفيتز. وقد نالت اللوحة شهرة عالمية واسعة بسرعة فائقة، خاصة بعد أن نشرها في اليوم التالي على صفحاته في موقع فيسبوك وانستغرام وتويتر، وعبر المتفاعلون معها عن تعاطفهم الشديد مع الفلسطينيين، واتفاقهم مع وجهة نظره. وفي مقابل ذلك تعرض إلى حملة تنديد وتهديد بالقتل من قبل أفراد الجالية اليهودية في البرتغال وخارجها، كما مورست ضده ضغوط شديدة على كافة وسائل الإعلام بقصد حجبها ومحاسبته، بعد أن وجهت إليه تهمة معاداة السامية من قبل المنظمات اليهودية، التي طالبت بفصله من وسائل الإعلام التي يعمل بها، وكانت نتيجة ذلك أن سحبت شركة Courrier International جائزة Plumes Libres لأفضل تصميم صحافي التي سبق أن منحتها له عام 2019.ورغم ذلك لم يتراجع عن موقفه الداعم للقضية الفلسطينية قائلا «إنها رؤيتي لهذا الهجوم. وعندما رسمت اللوحة كنت أعلم أنها تمتاز بالقوة، وأنه سيتم التطرق إلى قضية ضحايا المحرقة، ولكن في الحقيقة أنا لا أضيف أي شيء إلى ما أراه. إنها مجرد مقارنة». ثم أضاف قائلا «لا أتفق مع أي شيء يتهمونني به، أنا أعمل من أجل الحرية وحقوق الإنسان، ولست معاديًا للسامية، أو عنصريًا». ثم واصل حديثه حول الاتهامات الموجهة ضده «يؤسفني أنه بدلاً من الحديث عن عملي، لم يتم الحديث عن القضية الفلسطينية».

الرسوم المتحركة مسكنات للألم

في حديث لمجلة «دومينغو» البرتغالية التي تعامل معها لعدة أعوام، أكد جارجالو إن «الأخبار الحالية هي جدول أعمالي، وملهمتي. فأحاول من خلال عملي كرسام أن أتحدث كل يوم، إنه لأمرٌ يلهمني أن يتمكن الجمهور من التفكير في رسائلي من خلال أفكاري المرسومة». ويضيف في مكان آخر من اللقاء «أنا لست من الذين يعتقدون أنَّ الرسوم الكاريكاتورية يمكن أن تغير العالم، إنَّها من وجهة نظري يمكن أن تساعدنا على التفكير في القضايا، وبإمكاننا أن نبتسم في القضايا الجادة من خلال الفكاهة المصورة، كما لو كانت مُسكِنَّا لآلامنا».

جارجالو والحرب في سوريا

لطالما أثارت أعمال هذا الرسام صدى كبيرا ليس في البرتغال فحسب إنما في جميع المشاركات الدولية التي كانت رسوماته حاضرة فيها، وأثبت من خلالها على أن رسوم الكاريكاتير من أكثر الوسائط تأثيرا على وجدان المتلقين، مقارنة بأساليب التعبير الأخرى عندما يتعلق الأمر بقضايا لها صلة بحقوق الإنسان وفساد السلطات ورجال الدين ووحشية الممارسات التي ترتكبها الأنظمة القمعية. وفي هذا السياق سبق لجارجالو أن طرح رسما عام 2016 حول وحشية ردود الأفعال التي انساق إليها النظام السوري ضد شعبه، وكان العمل الذي أنجزه مقاربة شكلية مع لوحة جورنيكا الشهيرة التي رسمها بيكاسو عام 1937 بعد أن تعرضت قرية جورنيكا الإسبانية إلى قصف وحشي من قبل جيش الجنرال فرانكو، حيث أظهر الأطراف المتحكمة في الحرب السورية إلى جانب الضحايا، وبإمكان المتلقي أن يرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس الولايات المتحدة، باراك أوباما، والرئيس السوري بشار الأسد، إلى جانب الأطفال والقنابل والأسلحة واليأس والموت. كانت هذه اللوحة أول عمل فني لجارجالو منحه شهرة دولية بعد أن تصدرت عام 2015 غلاف مجلة Courrier International الفرنسية، وجاء نشرها بمناسبة مرور خمس سنوات على بداية الحرب. وفي العام 2016 نشرها على وسائل التواصل الاجتماعي عديد الصحافيين المشهورين عالميًا، إضافة إلى مديرين لمنظمة هيومن رايتس ووتش. وفي العام 2019 نشرتها صحيفة «لوموند» الفرنسية. ونتيجة لهذا الاهتمام الذي لاقته انهالت عليه الدعوات للعمل في صحف عالمية شهيرة، ووجهت له الدعوات للمشاركة في المعارض المختلفة التي تقام في العديد من دول العالم. وفي إحدى المقابلات الصحافية التي أجريت معه حول لوحته صرح قائلا «إنني، كرسام كاريكاتير، لدي التزام تجاه العالم. لأنني كنت على دراية بالحرب المشتعلة في سوريا، فأردت أن أرسم كاريكاتيريًا حول هذا الموضوع، أختزل فيه ما يحدث هناك، مع الالتزام التام بالشكل الذي عليه في لوحة بيكاسو».
رسم جارجالو عديد الرسوم الكاريكاتيرية التي تناول فيها الصراعات التي تجري في مناطق مختلفة من العالم، وخفايا السياسة الدولية، والنزاعات الانتخابية في الولايات المتحدة، ومظاهر القوة في الاتحاد الأوروبي. كما استحوذت موضوعة الضحايا الاطفال في الحروب الجانب الرئيس في رسوماته. إلاَّ أن لوحة «حلب – نيكا» هي التي جذبت إليه أكبر قدر من الاهتمام، حتى أنه لم يخف دهشته عندما قال «لم كن أتخيل أبدًا أنها يمكن أن تنتشر في جميع أنحاء العالم بهذا الشكل».

متى بدأ فن رسوم الكاريكاتير

ربما يصعب تحديد الفترة التأريخية التي بدأ فيها فن رسوم الكاريكاتير، لكن ما هو ثابت أن القرن السادس عشر والسابع عشر في أوروبا، شهدا رسومات ساخرة وهي تصور تفاصيل مشهدية من الحياة اليومية والسياسية، واحتفظت بعض الرسوم من تلك الفترة بطابع كاريكاتيري. أما في القرن التاسع عشر، فقد أصبح هذا الفن وسيلة شائعة للتعبير عن الآراء والانتقادات في الصحف والمجلات، عندما بدأت الصحف تنشر رسومًا ساخرة وهي تتناول قضايا السياسة والمجتمع. وفي القرن العشرين، شهدت رسوم الكاريكاتير تطورًا كبيرًا مع تقدم التكنولوجيا وظهور وسائل الإعلام الجديدة. حيث أصبح الكاريكاتير مصاحبًا لأخبار العالم، وبدا تأثيره قويا في توجيه الرأي العام.

أبرز الرسامين

إذا ما أردنا أن نستعرض رسامي الكاريكاتير البارزين الذين أثروا في هذا الفن على مر العصور فإن القائمة طويلة جدا، لكن من المهم التوقف عند أبرز الأسماء التي ظهرت في مراحل زمنية مختلفة، مثل:الارجنتيني كارلوس لاتوفا، الأمريكي جورج غروسز، البريطاني ديفيد لويس، الأمريكي رالف ستيدمان، الفلسطيني ناجي العلي، الفرنسي ميشيل كونان، السويدي أمرو كارلسون، النرويجي بيتر بروجيل، والإنكليزي جيرالد سكارف.

سيرة جارجالو

ولد فاسكو جارجالو عام 1977 في البرتغال، ونال درجة الماجستير في الرسم الفني من المعهد العالي للتربية والعلوم «ISEC» في جامعة إيفورا. ويمكن للمتتبع لسيرته المهنية رؤية بعض أفضل رسوماته في الصحف والمجلات البرتغالية مثل «مجلة سابادو»و»صحيفة أنا» و«ديلي نيوز»(الصحافة البرتغالية) ومجلة سبوتاتاير (الصحافة الدولية) إضافة إلى أنه متعاون بشكل منتظم مع رابطة «حركة الكارتون» كما شارك في المعارض والمهرجانات التي اقيمت في جميع مدن البرتغال، وفي مسابقات الكارتون الأوروبية الكبرى. وفي العام 2005 فاز بجائزة Illustration Youth Award في «National Hall Press Humor» كما نال على تنويه شرف في «قاعة الكاريكاتير البرتغالية الجاليكية». وفي عام 2009 حصل على جائزة ستيوارت في فئة «صحافة الكارتون». وفي العام 2014 حصل على جائزة خاصة في مسابقة Bienal de Humor Luis d`Oliveira وفي العام 2016 نال أربع جوائز شرفية: جائزة الأمم المتحدة/رانان لوري للكاريكاتير السياسي، جائزة مهرجان الكويت الأول للكاريكاتير، جائزة النسخة التاسعة من مسابقة دون كيشوت الدولية للرسوم المتحركة، جائزة «المهرجان العالمي الثامن عشر لبورتو كارتون».
بدأ انشغاله في عالم رسوم الكاريكاتير عندما كان مراهقا. وحول ذلك يتحدث في إحدى الحوارات التي أجريت معه عن تأثره في مقتبل مشواره بأعمال الرسام فرانسيسكو زامبوجال، فيستذكر كيف شعر حينها برغبته في أن يصبح رسام كاريكاتير، مع علمه بأنها مهنة محفوفة بالمخاطر، ما أثار قلق والده كثيرا، وانتظر طويلا قبل أن يتمكن من نشر رسومه الكاريكاتورية الأولى في الصحف. وكانت أفضل خطوة أقدم عليها عندما انضم إلى موقع The Cartoon Movement الذي يضم رسامي الكاريكاتير من جميع أنحاء العالم. أما في الوقت الراهن فهو يتعاون مع صحيفة «كوريو دا مانها» ومجلة «سابادو» ما يوفر له بعض الاستقرار المهني، مع تأكيده على أن هذه المهنة ستكون دائمًا محفوفة بالمخاطر، ويعد حاليًا أحد أكثر رسامي الكاريكاتير البرتغاليين شهرة في العالم.
إن النجاحات التي حققتها رسوماته تؤكد على أن رسام الكاريكاتير ينبغي أن يكون قادرًا على إيجاد أفكار جديدة ومبتكرة لرسوماته إزاء الموضوعات العامة التي يتصدى لها وأن يكون لديه فهم عميق للقضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية التي يرغب في التعبير عنها، إلى جانب امتلاكه مهارات فنية عالية في الرسم والتعبير البصري، وفهم عميق للفكاهة والسخرية وكيفية استخدامها بشكل فعال في رسوماته، وقدرة على التعبير عن الأفكار بأسلوب بسيط وسهل الفهم، وأن يكون قادرًا على جذب انتباه المتلقين. والأهم من كل ذلك، أن يكون على اطلاع دائم بالتطورات والأحداث الراهنة، بما يمكنه من تناول القضايا الجديدة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية