فيلم رعب على المباشر، عاشه الجزائريون وما زالوا يعيشونه، وما زالت مقاطع الفيديو تتسرب وتنتشر على منصات التواصل الاجتماعي كأنها تقول لم تبق إنسانية في البشر، ولم تعد الجريمة، مجرد حادثة بين أفراد مجرمين أو دفعتهم الظروف لاقتراف جرائمهم، بل جريمة من نوع آخر شارك فيها المجتمع على اختلاف خلفياته المهنية وتكوينه. جريمة مروعة وغامضة، لن تحل لغزها اعتى الروايات البوليسية، وكلما تقدمت التحقيقات كلما لفّ جريمة مقتل الشاب جمال بن اسماعيل، الغموض وثقت الجريمة بالصوت والصورة.
التلذذ المازوكي كان سيد الموقف، التحريض على القتل والحرق والتنكيل بالجثة كان مسموعا ومرئيا، وعلى عينك يا سلطات، فتحول المحامي والإمام ومدرس العلوم الإسلامية والممرضة، وكل من حضر إلى كائنات متوحشة أتت من عالم آخر لتنشر الرعب بين الجزائريين وتقض مضاجعهم وتجعلهم متألمين لا ينامون.
هناك من رآها فرصة من ذهب أمام دعاة الفتن بين الجزائريين وعزل منطقة القبائل ما دام مسرح الجريمة كان منطقة «لربعا ناث ايراثن».
ومن الشيوخ من دعوا لسد باب الفتنة والتفرقة وأن هذا ليس من أفعال القبائل الأحرار.
بينما هناك من طالبوا بالقصاص أمام الملأ، كما تمت الجريمة أمام الملأ، وأنه لا بد للعدالة أن تأخذ مجراها، مطالبين بعدم إحلال قانون الغاب بدل القانون والعدالة.
قابل المجرمون مساعدات الشاب ومجيئه للمنطقة بعدما جمع تبرعات مالية من منطقته «مليانة» بالتنكر والذبح والحرق!
أحرقوه وأحرقوا أحلامه وأحرقوا لوحاته الزيتية. وحولوا قيثارته إلى أشلاء مضرجة بالدماء، وكومة رماد!
كيف اجتمع هؤلاء القوم الهمج على جسد جمال النحيف، الذي جاء عاري الصدر ليطفئ النيران ويساعد ضحاياها. كيف حال والدته، التي على ما يبدو لم تظهر لأي وسيلة إعلامية، كما صرح السيد والد جمال.
من تلك المرأة التي انتحلت شخصية الأم المكلومة، أي صبر تقمص هذا الوالد، الذي بدا متزنا راضيا بما حدث لفلذة كبده، ورفض أن يكون ابنه الشرارة التي تحرق الجميع وتفتح أبواب الفتنة على مصارعها.
إذا لم يقتله من وثقوا وصوروا واعترفوا، فحاولوا الهروب، ثم قبض على الكثير منهم لتقديمهم للعدالة بعد اعترافهم. من قام بهذا الفعل الآثم؟ لماذا نرفض الاعتراف بذنوبنا وما يمكن أن تقترفه أيادينا؟!
لماذا نريد أن نظهر منطقة من المناطق على أنها خالية من الجريمة ومن العنصرية ومن كل الشرور التي تعرفها كل البشرية؟
علينا أن ننظر لمن حولنا وأن نعترف بوجود العنصرية ومن يريدون نشرها وزرعها بيننا.
علينا أن نعترف أنه لا توجد ملائكة على الأرض، فقط هناك كل أنماط البشر وكل الآفات الاجتماعية الممكنة في هذا الزمن، الذي تدمر فيه العلاقات الأسرية وتغتال الطبيعة والمحيط.
زمن القحط والأوبئة ونقص الأوكسجين وتراجع الخضرة والمياه والأرواح الطيبة. أصبح التسامح عملة نادرة في جو الانتقام من أقرب الناس، ثم أي نغمة تلك التي انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، التي تريد أن تقارن بين جرائم منفردة حدثت في الخفاء، بما حدث للفنان المغدور «جمال»؟
كيف لنا أن نقتنع بما نشر على بعض الصفحات ردا على من ألصق مقتل وحرق جمال بالقبائل، قائلا: «خيرا إن شاء الله. القبائلي من قام بإحراق شيماء في بومرداس، القبائلي هو الذي ذبح ثم أحرق أمه وأخواته في البليدة، القبائلي هو من قطع عبير في بسكرة والمعلمات اللواتي اغتصبن في الجنوب أكيد القبائلي قام بها بالفعل…الخ
ثم يضيف صاحب المنشور: «تقريبا كل أسبوع نسمع بجرائم نشاهدها فقط في أفلام الرعب، ولكن عمرنا ولا قلنا هذا يهودي ولا هذه ولاية يهودية، لكن يكفي أن تقع جريمة في حي من أحياء بلاد القبائل حتى تقوم القيامة ويتم الصاقها بكل بلاد القبائل ويبدأ الهجوم ويبدأ التشويه!
خلاصة الكلام من يريد قول كلمة حق فليقل، غير ذلك فليصمت. فبلاد القبائل حضارة راسخة، رغم أنف الجميع». شيطنة منطقة بأكملها لا تخدم الوطن. والخير والشر في كل مكان والحضارة في كل الجزائر شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، لكن لم تكن تلك الحوادث التي ذكرها صاحب المنشور أمام الحشود والجمهور الذي كان مستمتعا بالمشهد، ولم يحرك ساكنا ولم توثق بالصور والفيديوهات ولم يتم تصوير الجناة أمام جثة هامدة. رماد.
العقلاء يطالبون بالعدالة لجمال وايقاف الجناة وتقديمهم للمحاكم، وغير هذا كلام لا يخدم أحدا في هذا الوطن، الذي نتربص به نحن قبل الأعداء، لأن العواطف تسيرنا وتعمينا عن رؤية الحقيقة.
يكفي المنطقة أن أتاها والد جمال لأخذ جثة ابنه المتفحمة، والذي كان موقفه عظيما وخالدا. وأصبح أيقونة التسامح والسلام ورمز الوحدة الوطنية الصرفة. ربض على جانب الأبوة النازف في أعماقه، لأنه – وله الكلمة الفيصل – يريد بلدا خارج النعرات والفتن.
تحية لهذا البطل. وإذا أردنا تخليد الحادثة فعلينا وضع تماثيل للوالد ولابنه، حتى نتذكر حجم آثامنا.
نساء في مسرح الجريمة المفتوح
بين الحشود المتفرجة، ظهرت بعض الأصوات النسائية، أو تحديدا أسماء فتاتين، الأولى انتشرت عبر عديد الصفحات على «فيسبوك» إنها «ديهيا مقران» وهي نادلة في حانة في منطقة «أزفون» القبائل البحرية، وقيل إنها هي من كانت تصرخ وتنادي بقطع رأسه، وقيل إنها من جماعة الانفصاليين «الماك» وتم تصوير الفتاة، لكن لم نلبث حتى بدأت ردود الأفعال، التي تكذب الواقعة، وأن صاحبة الصورة ليست المسماة «ديهيا مقران» بل فتاة أخرى، حسب ما جاء في صفحة الإعلامية «سلمى عمار» نقلا عن حساب انستغرام، سيدة تدعى» نور» (يوتيوبرز) ظهرت في فيديو هي وزوجها يظهران حقيقة تلك الفتاة، التي لحقها أذى كبير جراء تلك الافتراءات عليها. فالصورة التي انتشرت هي لفتاة أخرى كانت في ذلك الوقت متطوعة في أحد المطاعم في العاصمة، هي ووالدها لجمع التبرعات.
تقول نور: «تلك الفتاة يوم حرق جمال – الله يرحمه ويجعله من أهل الجنة، والتي كانت تقول لهم اذبحوه – ليست أبدا تلك الفتاة التي في الصورة. تلك الفتاة إن شاء الله يجازيها خيرا، عندما كنا نقوم بجمع التبرعات في المطعم، كانت معنا. وتضيف نور، أترككم مع مروان (زوجها) لأنه يمتلك تفاصيل أكثر عن الفتاة ووالدها».
وقال مروان: «كانت تلك الفتاة معنا، بعدما قرأت «ستوري» نور أتت لتساعد ووقفت معنا، بالإضافة أنها أحضرت والدها الذي وقف بدوره وساعد وأحضر الشاحنات لنا واتصل بكل معارفة والناس لجمع الأدوية. إن شاء الله لا نخطئ فيها ولا تذهب القضية بعيدا.
أضاف مروان زوج نور. فالمرأة التي حرضت على قطع رأس جمال هي ممرضة واسمها «نبيلة مروان» تشتغل ممرضة في طوارئ مستشفى «الحجوط» في ولاية تيبازة، غرب الجزائر العاصمة، والتي تم القاء القبض عليها مع مجموعة كبيرة ليقدموا للعدالة وهي التي صرحت أنها كانت هناك للمساعدة هي وصديقتها. واعترفت أنها قالت لهم «قطعولوا راسو» وأنها كانت خائفة لأنها «عربية» وقالوا لصديقتها كل «عربي يجي لهنا يحرق»!
ما زالت الفيديوهات تنتشر، وكلما انتشرت زادت الجزائريين ألما وقلقا وحيرة. والكل يطالب بـ«العدالة لجمال بن سماعيل». والأحرار موجودون في كل مكان والأشرار أيضا في كل مكان. وعلى المجتمع المدني أن ينظف ما أمكنه من العناصر، التي تشوهه خاصة وأن الحادثة موثقة صوتا وصورة.
ويجب أن نعترف بما فينا من آفات، لأنه لا وجود لـ»المدينة الفاضلة» في أي زمن من الأزمان. فما بالنا بهذا الزمن التي تكاثرت فيه المآسي والأهوال والمشاكل من كل طبيعة ولون. كل ما حدث يمزق القلب والأحشاء. فأي قلوب تحتويه أضلع وصدور القتلة؟!
ضوء في العتمة
الكل هب للتضامن مع منطقة القبائل التي أنهكتها الحرائق وخلفت ضحايا وجراحا، ومع باقي المناطق المحروقة المنكوبة، والكل دفع الثمن من حياته وجهده ووقته فداء للوطن وللاإنسانية. فتوشحت العائلات حدادا وغرقت في الدموع حزنا على الجنود الذين دفعوا حياتهم من أجل تخليص جزائريين مثلهم من ألسنة النيران، التي لم تبق ولا تذر. الجنود البسطاء المساكين الذين يحبون الوطن ويحترقون من أجله، من يعيشون أوضاعا مزرية. احترقوا واختنقوا وكلهم من خارج المنطقة، فلمحبو الوطن الشرفاء حسابات خارج منطق القبيلة واللسان والجهة، لكن جمال كان قربانا للوحدة الوطنية، رغم الغدر والترصد وعدم تحري الحقيقة وتجييش الحشود الهائجة، التي كانت تتلذذ وتستمتع بتعذيبه بعد طعنه وحرقه ثم قطع رأسه!
هل نحن في حاجة لطقوس مستحدثة لجماعات كانيبالية تعيش بيننا وتشغل مناصب حساسة في المجتمع (محامي، طبيب، استاذ الشريعة وممرضة) مع تحريض من مئات الأشخاص، الذين كانوا يستمتعون بطقس دموي بشع. الكل ضد شاب نحيل الجسم يحمل أفكارا إنسانية وفنية.
المعادلة ليست متكافئة في كل المقاييس. قوبلت إنسانيته وحبه للخير بجبروت ووحشية. الإنسانية هذه الأيام في حداد.
كاتبة من الجزائر