رغم تضاعف سعرها خمس مرّات المرأة اللبنانية تقبل على الصبغة الأجنبية فالشعر تاج الرأس
بيروت-»القدس العربي»: يوم نزل الناس إلى الساحات اللبنانية في 17 تشرين الأول/اكتوبر 2019 طلباً لإسقاط منظومة الفساد الحاكمة، فلُتَ الدولار الأمريكي من أسره، وأحتجزت المصارف أموال المودعين، وبدأت المعيشة تتبدل. مظاهر التبدل كثيرة ومؤلمة أحياناً، خاصة وأن اللبنانيين يتداولون الدولار تماماً كشعب الولايات المتحدة. وعندما «ذاب الثلج وبان المرج» تبين أنهم كانوا يعيشون على الاستيراد وعلى اقتصاد وهمي دون أية بنية ثابتة. وكما في الحروب كذلك في الأزمات الاقتصادية النساء أولى الضحايا. الإصابة هذه المرة في مرمى الجمال والأناقة. سقوط الليرة مقابل الدولار شغّل المكابح. التغيير في الأسعار بات مهولاً. فصبغة الشعر، حيث «الرأس تاج الجمال» تضاعفت خمس مرّات. والحاجيات الأخرى المطلوبة لإطلالة أنيقة ومشرقة فلم تعد ضمن الأهداف. ومن لديها بقايا عطر باريسي تعمل لتقنين استعماله، وبالقطّارة.
في هذا التحقيق تطرح «القدس العربي» أسئلة في محاولة لمقارنة الماضي بالحاضر، على المستهلكين، والمستوردين والمصنعين، وصغار التجار:
سيدة لبنانية معتدلة الاهتمام والعناية ببشرتها وإطلالتها تحدثت عن المتغيرات التي طرأت على اختياراتها بدءاً من لون الشعر وصولاً إلى مرطب اليدين. تقول ريما حبلي: التغيير كبير جداً على كافة المستحضرات التي كانت تشكل جزءاً من اهتمامي. سابقاً كنت أبحث عن صبغة شعر مصنوعة من مواد كيميائية أقل، ومواد طبيعية أكثر، حتى وإن كانت باهظة الثمن. زيارة الصالون لوضع اللون كانت تتراوح بين الأسبوعين والثلاثة في الحد الأقصى. حين سألت مؤخراً عن سعر الصبغة تبين أنه تضاعف أربع مرّات. في زمن كوفيد نفّذت العملية ذاتياً في المنزل، وأخترت الأرخص من الصبغات. ولأن معدل وضع اللون بات يتجاوز الشهر، وجدت الحل بـ»سبراي» يخفي اللون الأبيض عند الضرورة. مع العلم أن هذا المستحضر ارتفع بدله خمس مرّات أكثر، ولم يعد ضرورياً بالنسبة لي. وفي الانتقال إلى كريمات العناية ببشرة الوجه فقد انتهى مخزوني قبل شهر من الآن. وبصراحة، لم يعد السؤال عن تلك الكريمات مطروحاً حالياً، فهي مستحضرات مستوردة. وجدت الحل بالمرطب الطبيعي المتوفر في أرضنا كزيت الزيتون للمساء. وواظبت على شراء كريم واقي من الشمس، رغم ارتفاع بدله. والماكياج ليس حاجة أساسية، وأكتفي بالكحل وبعض الـ»ماسكارا» مع «أي لاينر» وأحمر الشفاه. وحتى الآن أتابع استعمال مخزوني من المنتجات الغربية، ذات البدل المرتفع. والفضل في استمرار وجود المخزون يعود لكوفيد19 لأننا ملتزمون منازلنا. وعندما يفرغ المخزون لا تصور عندي للمستقبل. هل تستمر الأزمة؟ هل نسعى إلى بديل؟ لا أدري. اكتشفت في السوق منتجات من تركيا، والصين وتونس، مع العلم أن مرطب اليدين وهو أبسط الحاجيات لم يعد متوافراً في الأسواق.
محمد عماد: العاطفة والوطنية تمتزج بالمنتج المحلّي
مدير فروع مؤسسة عزت الداعوق لصناعة وبيع مستحضرات التجميل محمد عماد تحدث عن انعكاس الأزمة الاقتصادية على أسواق مستحضرات التجميل بالقول: يُعتبر لبنان رائداً في المنطقة العربية في استهلاك منتجات التجميل، وقسط منظور من دخل المرأة يذهب لشرائها. تلك المنتجات تتضمن الصبغة، والتجميل والعناية بالجسم وغيرها. بالحديث عن الأزمة المستجدة، يتبين اننا حيال أثر كبير. فالسيدة اللبنانية تواكب كل جديد في عالم التجميل، وتستثمر جيداً في حسن اطلالتها. وفي الأزمة التي يعيشها لبنان نحن حيال تغيير كبير في أسلوب الحياة بالنسبة للمرأة.
*متى سجّلت مؤسسة عزت الداعوق للتصنيع والاستيراد بدء التراجع في الطلب على مستحضرات التجميل؟
**تُعنى مؤسستنا بالاستيراد والتصنيع والبيع جملة ومفرق. ونحن على تماس مباشر مع الزبون، ومع تاجر الجملة. بدأ التراجع في الطلب مع بداية الانتفاضة في تشرين الأول/اكتوبر 2019. عندما بدأ سعر الدولار يرتفع عن 1500 ألف ليرة، تأثر المثلث المؤلف من التاجر، والمصنّع والمستهلك. وبدأت سلوكيات المستهلك اللبناني بالتغيير، فصارت مستحضرات التجميل ثانوية في مقابل الغذاء والصحة. عندما تتراجع قيمة الدخل يصبح الغذاء والصحة أولوية. لاحظنا تراجعاً في مبيعات المفرق، فحجم فاتورة السيدة في مطلع كل شهر كانت تتراوح بين 40 و50 دولاراً. تلك السيدة لم تصفّر فاتورتها، بل استبدلتها بأصناف أقل سعراً. وفي ظل الحجر نشُط الطلب عبر الأونلاين، وتحول البيع كلياً من الصالة إلى الرقمي.
*كم تراجع الطلب على المستحضرات المستوردة من الماركات العالمية؟
**بحدود 40 في المئة. من كل عشرة زبائن أربعة فقط يطلبون العطور المستوردة، وستة يتجهون إلى بدائل محلية، أو من مصادر خارجية غير أوروبية. ونحن نعرف أن فرنسا رائدة في تصنيع مستحضرات الماكياج والعطور، إيطاليا رائدة في تصنيع صبغات الشعر والألوان. وأصبح للمنتجات التركية حضورها في السوق اللبناني، بدون أن تتمكن من منافسة الإنتاج الوطني. فندرة الدولار وارتفاعه قياساً لليرة اللبنانية يقصي الزبائن عن البضاعة المستوردة.
*وهل الإقبال على المنتجات المحلية ناتج عن ثقة؟ وكم اتسع حجم تجارتها؟
**رب ضارة نافعة. واقع الاقتصاد المستجد أن الصناعي اللبناني يعمل بجهد لتحسين إنتاجه، نوعياً وكيفياً وتقديمه بأفضل شكل. وهذا ما بدأنا نلمسه. نعمل من خلال آلات أوروبية، ونقدّم منتجاتنا بذوقنا اللبناني المعروف والمطلوب. نلمس اقبال الزبون على السلعة المحلية التي تمتزج معها العاطفة والموقف الوطني. نمتلك بنية تحتية صناعية جيدة، وإن كانت غير كافية، لكنها في مرحلة تطور. وهذه البنية تشمل مستحضرات التجميل والعناية بالشعر، وبالجسم والأظافر. إنها منتجات تتصف بالجودة دون إدعاء منافسة الماركات العالمية التاريخية، وهذا لن يكون حقيقة في أي يوم. وعندما يتعدى سعر زجاجة عطر عالمية ثلاث مرات الحد الأدنى للأجور في لبنان، فلن يطلبها الزبون، الذي كان يعتبرها سابقاً تحصيلاً حاصلاً. وهذا الزبون يقبل بطيبة خاطر على المعروضات المحلية. فسعر «شاور جيل» الأوروبي عندما كان بـ15 ألف ليرة، لم يستطع المحلي منافسته بسعر 12 ألف ليرة. الآن ارتفع المستورد إلى 70 ألفاً والوطني إلى 18 فصار حلاً. وهذه المعادلة تسود أيضاً في معطرات الجسم، وأحمر الشفاه وسواه. مع العلم أن الكمّامة والحجر الصحي انعكسا سلباً على طلب العديد من الأصناف وخاصة أحمر الشفاه.
*هل صحيح أن صبغات الشعر هي الأكثر طلباً وهي الأغلى سعراً؟ وهل أسعارها خيالية فعلا؟
**يشكل حجم بيع الصبغات كعمليات في مؤسسة عزّت الداعوق نسبة 60 في المئة. سابقاً لم تكن تشكل الكتلة المالية الأكبر في البيع، لأن أسعارها كانت محدودة، واختلف الحال اليوم. الصبغة من الضرورات المماثلة للدواء، كونها تُعبّر عن شخصية المرأة. وليس للمرأة أن تلعب بلون شعرها، لأنها تكشفه. الصبغة من الأولويات وبمثابة الدواء، ومستوردوها الكبار هم من يستوردون الأدوية. كمؤسسة لدينا حصة كبيرة في الاستيراد، إنما مستوردي الأدوية يشكلون منافساً لنا.
*صبغة الشعر المتوسطة النوعية أين كانت وأين أصبحت كسعر؟
**أية صبغة ومن أية نوعية ضُرب سعرها بخمسة. والصبغة المستوردة تحتل حتى الآن 90 في المئة من حجم السوق. وفي إحصاء خاص بنا على صعيد المفرق من بين كل 10 صبغات مباعة هناك 9 أجنبية المصدر. مع العلم أن الماركات المحلية من الصبغات عددها أربع فقط.
*وكم تستحوذ على ثقة المرأة اللبنانية؟
**لأنه لون الشعر، فالمرأة اللبنانية لديها استعداد لدفع بدل الصبغة الأجنبية 100 ألف ليرة ولا تجازف بلون سيشكل فرقاً بالتأكيد. لدى الزبونة كما لاحظنا في المرحلة الماضية مرونة مط جيبها، ولا تبدل بنوعية ولون صبغة شعرها. لديها مرونة تغيير نحو الأرخص بأحمر الشفاه، وكريم الأساس والبودرة، لكن ما يسمّى تاج الرأس وهو الصبغة، فلا.
*وهل تفكرون كمصنعين بتطوير الصبغات المحلية للمستقبل؟
**صحيح. لنا حصة كبيرة من السوق المحلي في الصبغات. سابقاً كان الاستيراد أقل كلفة ويصل سعر القطعة إلى 80 سنتا أمركيا، ما يماثل الآن 3 دولارات. نعمل بجهد لتطوير الآلات والصناعات الخاصة بالصبغة، من خلال شراكات مع المصانع الأم في ايطاليا، حيث تصل البضاعة «بلك» ومن ثمّ تُصنّع وتُعلّب في لبنان. أهمية تلك الشراكات الصناعية أنها معفية من الضريبة، وتُشكل وفرة في السعر، وتقوي الصناعة المحلية وتخفف تصدير الدولار.
*هل تراجع طلب صالونات التزيين من منتجاتكم؟
**في إحصائية قمنا بها سنة 2017 سجلنا وجود 11 ألف صالون حلاقة على كافة الأراضي اللبنانية. حالياً نحن مع 6000 آلاف صالون فقط. نكسة تزيد عن 45 في المئة، ونتوقع مزيداً من إقفال الصالونات. التراجع يبدأ من المناطق النائية ومن ثم يصل إلى المدن والمحافظات الكبيرة. غياب القدرة الشرائية أقفل صالونات المناطق. ولا نتوقع تجهيزاً لصالونات جديدة لأن الدفع بالدولار وهو غير متوفر. وفرش الصالونات كان واحداً من اهتماماتنا، ولم نشهد صالوناً جديداً منذ حوالي سنة ونصف. يقتصر الطلب على التصليح أو تبديل قطع تعرّضت للكسر. الحركة عكسية، فهناك من يعرض علينا شراء محتويات الصالونات المقفلة للعجز عن تسديد الديون لنا ولغيرنا من التجّار. ويتداول التجار بين بعضهم أخبار المقفلين إما للإفلاس، أو لحجز الأموال في المصرف وغير ذلك.
*وهل يمول المصرف المركزي مشترياتكم بالدولار؟
**مطلقاً. في الشق الصناعي نلنا قروضاً كما جميع الصناعيين، واستفدنا من العديد منها، وهذه أمور مشجعة للمستقبل. وعندما أبرز أوراقي بأني بصدد الاستيراد لمواد خاصة بصناعتي أحصل على الدولار الصناعي الذي يساوي 3900. الصناعة تنشط لكنها لا توازي عدد السكّان وهو 6 ملايين بحيث يبقى الطلب على المستورد كبير.
سوق المفرق: الدولار وكورونا «قصفا عمرنا»
افتتح فرج شاتيلا محله لبيع «الكوزماتيك» قبل خمس سنوات، بناء على معرفة مسبقة له بالتجارة. يقول حين بدأنا العمل وحتى سنة خلت كانت الحركة مقبولة جداً. وقبل سنة تضافرت الأزمة السياسية والاقتصادية مع جائحة كورونا فـ»قصفت عمرنا».
ويتحدث عن الاختلاف بين الماضي والحاضر بالقول: أوووووو. كتير كتير تغير. كنا نتنفس دولار وبلحظة طار سعره وأختفى من الأيدي. للأسف شعبنا نسيني عملتنا. العطور أولى الحاجات التي تراجع طلبها، ومن تحتاجه تبحث عن الوطني وهو يتمتع بمواصفات جيدة، وبعضه يقل سعره عن 100 ألف ليرة لبنانية. في حين أن ما يماثله من المنتجات الأجنبية لا يقل عن 200 ألف ليرة. الحركة محدودة خلال شهر رمضان، ونأمل أن تُفرج قليلاً قبيل العيد وبعده نتيجة قدوم المغتربين. هذا العام كان أسوأ مما سبقه نتيجة الحجر الصحي.
فيما يقدر شاتيلا إحساس النساء بصعوبة الأوضاع واختصارهن في شراء ما يعزز حضورهن وإطلالتهنّ، يقول: أشعر من خلال حركة البيع أن النساء قبل الأزمة كن يستهلكن الـ»فون دو تان» كريم الأساس بشكل ملحوظ. فالمنتج المحلّي منه تضاعف سعره، أما الأجنبي فيتبع حركة الدولار. نوعية المحلّي جيدة من قلم الكحل وسعره 20 ألفاً، أما المستورد فيصل لـ50 ألفاً.
ويخلص للقول: من المؤكد أن السيدات يحارجن بالأسعار، وارتفعت وتيرة المحارجة بنسبة كبيرة. ومن جهتي اعذرهن. كثيرات تسألنا عن الأسعار. ومنهن من تعطي نفسها فرصة التفكير ومن ثم القرار. «وين كنّا ووين صرنا»؟.