مظاهر عنف نشطاء اليمين ضد المتظاهرين اليساريين في شارع بلفور وعلى المفترقات، التي ازدادت مؤخراً، هي بمعان كثيرة تعبير عن إحباط اليمين المتطرف بسبب نجاح الاحتجاج ضد نتنياهو. كما أنهم يدركون بأن المتظاهرين هنا جاءوا لكي يبقوا. وفي ظل غياب قوة في الشارع، هم يتوجهون نحو العنف. ورغم أن النجاح السياسي لهذا الاحتجاج ليس مضموناً، يبدو أن خوفهم مبرر، وهناك عدد غير قليل من العلامات في موجة الاحتجاج التي تغرق مركز القدس مؤخراً التي يجب أن تقلق مؤيدي نتنياهو:
اللافتات – في مظاهرة يوم السبت، حمل المتظاهرون مئات اللافتات المكتوبة بخط اليد المصنوعة في البيت. عدد منها تقريباً تحريضي: “حتى موسوليني وتشاوشيسكو والقذافي رفضوا الاستقالة”. وعدد منها طفولي وبعضها ذكي. “يفضل الآن فولدمورت”، أو سياسية، “لم يكن في أي يوم من الأيام ديمقراطية”. لافتات باللغة العبرية والعربية والإنجليزية وحتى بالرموز التعبيرية. وثمة لافتات أيضاً كانت في مظاهرة اليمين الصغيرة في الجهة المقابلة، لكنها جميعاً طُبعت في المطبعة. إذا كانت اللافتات مكتوبة بخط اليد فهذا أحد معايير الأصالة. أي أن الاحتجاج المناوئ لبيبي هو احتجاج أصيل جداً ومتجذر وينبت من الأسفل.
الأعداد – في الأسابيع الأخيرة منذ أن بدأت المظاهرات زاد عدد المتظاهرين في ميدان باريس من ألف متظاهر إلى نحو عشرة آلاف متظاهر في منتهى السبت. ولكن الأكثر أهمية هو أنه يجب النظر إلى عدد المعتقلين، أو للدقة، إلى عدد المتظاهرين الذين حضروا إلى المكان مع الإدراك بأنه يمكن أن يتم اعتقالهم. في الساعة الواحدة من ليل السبت، وقف مئات الشباب في الشارع في الوقت الذي بدأ فيه جنود حرس الحدود والوحدة الخاصة في جر وجذب الشباب. جميعهم أخذوا في الحسبان إمكانية اعتقالهم، وتعاملوا مع ذلك براحة وحتى بسرور. في المظاهرة التي جرت الخميس اعتقل 55 متظاهراً، وأمس اعتقل فقط 15 متظاهراً. ولكن هذا ليس هو السبب في عدم استعداد المتظاهرين للاعتقال، فالشرطة أدركت كما يبدو وبحق بأن الاعتقالات ستشعل الاحتجاج. “كل شخص يعتقل سيحضر معه عشرين آخرين للمظاهرة القادمة”، قال أحد قادة المظاهرة.
المكان – في هوامش المظاهرات الأخيرة، ركض نشطاء المنظمة العنصرية “لافاميليا”، الذين بحثوا عن ضحايا سهلة من أوساط المتظاهرين. فقد هاجموا وشتموا وأصابوا بشكل طفيف عدداً من المتظاهرين. كان يمكن أن نسمع بأنهم محبطون من أن تلك المظاهرات الكبيرة ضد نتنياهو تجري في القدس: “اتركوا مدينتنا”، “عودوا إلى تل أبيب”، صرخوا (إلى جانب شتائم كثيرة استهدفت إهانة النساء). هناك مغزى في عدم إجراء هذه المظاهرة في ميدان رابين، بل في ميدان باريس. لذلك، هي تحتاج إلى جهد أكبر من ناحية المتظاهرين. وهي تزعج الحياة في حي رئيس الحكومة. وفي هذه الأثناء امتدت المظاهرات أيضاً إلى قيسارية وعشرات المواقع الأخرى في أرجاء البلاد. وإن استعداد نشطاء في أماكن كثيرة للتجند للاحتجاج يمكن أن يثير قلق نتنياهو.
طول النفس – استمرت المظاهرات في بلفور ساعات طويلة، ولكن صوت أدوات إطلاق الضجة لم يضعف. ومن كان هناك وشاهد المتظاهرين وتحدث معهم، يعرف أن في قلوبهم غضباً شديداً وإحباطاً كبيراً. بعد بضع ساعات على التظاهر والصراخ ما زال هناك المئات من المستعدين للوقوف أمام خراطيم المياه أو دفعهم من قبل الفرسان. نواة النشطاء الرئيسية هي شباب في الثلاثين، ليس لهم أزواج، والعدد الأكبر منهم ليس لهم عمل، الأمر الذي يجعلهم أكثر تصميماً من المتظاهر الإسرائيلي العادي.
ضعف اليمين – من الواضح أن نتنياهو لا يزال يحظى بدعم شعبي كبير مثلما تظهر الاستطلاعات، ولكن مؤيديه يفضلون لسبب ما البقاء في البيوت. الخميس، أُعلن عن تجنيد عام في الليكود تحت شعار “لن تسير وحيداً يوماً ما، يا بنيامين نتنياهو”. هذا الجهد تمخض عن 200 متظاهر تقريباً وربما أكثر بقليل. معظمهم من البالغين، ومن نشطاء معروفين من فرع الليكود في القدس. في المقابل، كان هناك نحو خمسة آلاف شخص. زعماء الاحتجاج ضد نتنياهو أشاروا، السبت، إلى متظاهرين انحرفوا عن الشريط المسجل للمتظاهرين اليساريين – هنا وهناك ظهر أشخاص يلبسون القبعات، وحتى عدد من الأصوليين الذين جاءوا للتعبير عن التضامن. الأيام ستخبرنا إذا كان هؤلاء هم الاستثناء الذي يشير إلى القاعدة أم أنها السنونو الأولى للتغيير.
صدع آخر في الحائط – رغم كل ذلك، نجاح الاحتجاج غير مضمون. لا أحد يستطيع حتى الآن أن يرسم الجهاز السياسي الذي سيترجم عرض القوة في الشارع إلى إخلاء نتنياهو من منزل رئيس الحكومة. سنوات من السخرية والأخبار الكاذبة والتحريض ضد اليسار فعلت فعلها. النظام السياسي يظهر انفصالاً عما يحدث في شوارع القدس. ونتنياهو نفسه لا يبدو متأثراً جداً مما يحدث تحت نافذته. المتظاهرون من ناحيتهم يواصلون ضرب رؤوسهم في حائط يأبى التصدع.
بقلم: نير حسون
هآرتس 27/7/2020