إن العلاقات مع الإمارات وخروجها الاستفزازي عن المحظور العربي على التطبيع، تجدد النقاش العام في إسرائيل على مكانها في الشرق الأوسط. فتمني ذلك معروف من المرحلة الرومانسية المتمثلة “بالعودة إلى الشرق” في بداية المشروع الصهيوني: منذ التشخيص، وصيغة “بتسلئيل” في عهد المكرا مع نمط الحياة البدوي، وميل رجال الحرس لتبني مظهر، وطرق عمل، وبعض مما رأوه في فكرتهم الأصيلة. وعبرت قصيدة متأخرة نسبياً (من بداية الثلاثينيات) عن هذا جيداً: “وجهتنا نحو الشمس الصاعدة، طريقنا مرة أخرى تتجه شرقاً”. مجموعات أيديولوجية صغيرة سعت، في بداية أيام الدولة، إلى “الانخراط في المجال السامي”، وسادت في الجمهور فرضية تبسيطية بأن “الحكام الطغاة” في العالم العربي هم الذين يمنعون شعوبهم من تحقيق ميلهم الطبيعي لأن يستقبلوا اليهود الذين عادوا إلى وطنهم بالترحاب. وفي ذروة “نشوى السلام” في التسعينيات، توقع كثير من المؤمنين بها، بعيون مدمعة، اليوم الذي نتمكن فيه “من تناول الحمص في دمشق” وامتطاء صهوة الجياد معاً نحو الغروب.
وتداخلت الصحوة الوحشية من توقعات السلام المتواضعة مع مصر والأردن، والأصعب – من هذيان السلام لأوسلو، بعد سنوات طويلة، مع الدروس المريرة “للربيع العربي”. وتسلل إلى وعي الجمهور الغفير في إسرائيل الاعتراف بأن الفشل المدوي للعرب في التصدي لتحديات العالم الحديث يكمن عميقاً في مجتمعهم، وأن زعماءهم القامعين والسائبين ليسوا سوى انعكاس للمجتمع الفاشل. مع كل الفوارق بين أكثر من 20 من دولهم، برز القاسم المشترك، مع استثناءات قليلة في أطراف المعسكر: ثقافة سياسية عليلة، عديمة الأساسات البناءة والتعددية. بديل الدكتاتور فيها هو الفوضى، والحرب الأهلية، والجهاديون، والبرابرة أو طاغية آخر.
لقد استوعب الإسرائيليون بأن ليس في المنطقة العربية شيء مرغوب الانخراط فيه. ولا أحد في إسرائيل يريد حقوق مواطن مثلما في سوريا، ومعاملة نساء مثلما في السعودية، واستقراراً سلطوياً مثلما في ليبيا، وأحداثاً علمية مثلما في اليمن، وجيشاً طائفياً مثلما في لبنان، أو مستقبلاً اقتصادياً مثلما في مصر. ولا يوجد سبب في إسرائيل يدعوها لأن تنخرط في سهل النيل، والفرات أو دجلة، حين تنفس سهل السيليكون بنجاح. العرب كأفراد قد يكونون مثيرين للانطباع، ولكن ذلك في التيار المركزي للمجتمعات العربية التي فشلت في التصدي لتحديات القرن الحادي والعشرين وليس لمجتمع نجح في ذلك ما يبحث فيه عنه. ليس صدفة أن قلة في إسرائيل يريدون أن يتعلموا العربية ومعظمهم ينسونها بسرعة، ولا يستخدمونها.
تعرض على إسرائيل صيغة أخرى في الإمارات: لا الانخراط، بل مصالح مشتركة، استراتيجية واقتصادية، وإشباع لحب الاستطلاع المتبادل، مع مجتمع يحاول الانخراط في العالم الحديث، في ظل الحفاظ على قيمه. هذا صحي وطبيعي.
مطلوب لإسرائيل الامتناع عن مواجهات عنيفة مع جيرانها العرب. هذا مهم ومضمون أساساً بواسطة الردع، وبنازلات أليمة وأخذ مخاطر مبررة. كما أنها تحتاج إلى تحالفات استراتيجية حيال أعداء راديكاليين مشتركين؛ بحيث يكون مرغوباً لها فيه التعاون الاقتصادي. فاستقرار الأنظمة التي أقامت تسويات مع إسرائيل أمر مهم، ومن المجدي الاستثمار في ذلك بمقدار. فضلاً عن هذه المجالات، فإن “التطبيع” مرغوب فيه لمنفعة الطرفين، ولكن لا يوجد ما يدعو إسرائيل إلى الخروج عن طورها كي تثبت بمثابرة “ثمار السلام”: “إن أرادوا فليأكلوا وإن لم يريدوا فلا يأكلوا”. لا تحتاج إسرائيل إلى شرعية العرب. فالأمر مرغوب فيه، ولكن إسرائيل مزدهرة على أي حال منذ أجيال رغم إرادتهم. وحتى نخب العرب مواطني إسرائيل يتكبدون عناء التشديد على أن إسرائيل في نظرهم مشروع استعماري، وأن ديمقراطيتها عليلة من أساسها. خير أن نتعلم ديمقراطية وانفتاحاً من زعامة تنقسم في معظمها بين المعجبين بعرفات، والمشتاقين لناصر، ومؤيدين لحماس، ومحبين لأردوغان ومبررين للأسد، الذين أداروا في تمنيهم للسلام كتفاً باردة للرئيس السادات، وللملك حسين، والآن للإمارات.
وبالفعل، “تطبيع” التقاء المصالح – نعم، بسرور. دون انخراط، لا يريده أحد، ودون تشويشات عقول عن “إخوة الشعوب”، ودون مشاعر سطحية، وحمائم سلام تطير على أنغام قصائد الغزل، وغيرها.
بقلم: دان شيفتن
إسرائيل اليوم 1/9/2020