رغم فشله الداخلي.. نتنياهو يفتتح “بنكه الإقليمي” من ساحة البيت الأبيض

حجم الخط
0

للمرة الأولى في حياته المهنية الطويلة وبعد 22 سنة على توقيع مذكرة “واي ريفر” مع ياسر عرفات، يعود رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إلى واشنطن للتوصل إلى اتفاق سياسي مع حكام عرب، لإقامة علاقات مع الإمارات والبحرين. تميز نتنياهو دائماً كدبلوماسي، وستكون مراسم الاحتفال اليوم في البيت الأبيض من إنجازاته الكبرى. فشله المدوي في إدارة أزمة كورونا ومحاكمته الجنائية على ثلاثة ملفات فساد وصناعة التحريض والأكاذيب بقيادته، لا يجب أن تقلل من أهمية ورمزية أعلام إسرائيل التي ترفرف فوق السفارات في أبو ظبي والمنامة، وأعلام دول الخليج في تل أبيب، والمشهد السعودي الذي سيظهر أمام من يطيرون من إسرائيل إلى شرق آسيا وفي طريق عودتهم.

إن الاتفاق الذي يلوح في الأفق يواصل التقليد الذي ترسخ في اتفاق كامب ديفيد من العام 1978 بين مناحيم بيغن وأنور السادات: سلام منفصل بين إسرائيل ودولة عربية ترافقه ضريبة كلامية بشأن حل المشكلة الفلسطينية. اعترف بيغن في حينه بـ “الحقوق الشرعية للشعب الفلسطيني” دون تفصيلها. والسؤال الأكثر إثارة لحب الاستطلاع قبل مراسيم اليوم هو: ما الذي سيعطيه نتنياهو في البند الفلسطيني للإماراتيين والبحرينيين، ومخرج الحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

نتوقع أن يكون هذا هو جوهر المفاوضات على صياغة التصريحات المتبادلة، إذ يكمن في هذا البند أمل سياسي للطرفين. ويحاول نتنياهو عرض الحدث (السلام مقابل السلام)، مثل وجبات بالمجان يحبها، لقادة الخليج الذين عليهم الحفاظ على شيء شكلي من الإخلاص لمبادرة السلام العربية، التي وعدت بالتطبيع مع إسرائيل مقابل الانسحاب من المناطق وإنهاء الاحتلال.

تنازل نتنياهو في السابق عن (هذا جيد، “علق” لفترة غير محدودة) مخطط ضم غور الأردن والكتل الاستيطانية كسلفة جلبت الإمارات لمراسيم التوقيع. وفي هذا الحدث نفسه، هل سيطلب منه إعطاء تصريح حول حل الدولتين، الجزء الذي يمقته اليمين الإسرائيلي في “صفقة القرن”؟ أم أن شركاءه الجدد ومستضيفيه سيتركونه الآن مع كل مشاكله المضطربة في البيت، وسيكتفون بتصريح عام وضبابي حول “يدنا الممدودة للسلام” والثناء على ترامب على صفقة القرن دون الدخول إلى التفاصيل؟ وما الذي سيعطونه له إذا عرض جزرة لذيذة أكثر للفلسطينيين؟

منذ أن شكل حكومة الخصام الوطني مع “أزرق أبيض” وأبقى نفتالي بينيت وبتسلئيل سموتريتش ومجلس “يشع” في الخارج، يكون نتنياهو قد انحرف يساراً وألقى الضم الذي تفاخر به قبل الانتخابات في سلة القمامة، وأسره السحر الذي يعلوه الغبار لـ “الشرق الأوسط الجديد”. خطاباته عن المليارات التي ستتدفق من دبي إلى هنا تذكر بالمبادرات المنسية لخصمه السابق شمعون بيرس، الذي أطلق عليه نتنياهو وشركاؤه في اليمين اسم “صاحب الخيال المهووس” بسبب أفكار مثل “البنك الإقليمي”.

انتقاد اليسار الحالي للاتفاق مع دول الخليج أمر مفجع في بؤسه، ويبدو كنسخة باهتة للمعارضة اليمينية لاتفاقات أوسلو مع الفلسطينيين والمفاوضات الفاشلة مع سوريا. فعلى سبيل المثال، ذلك الادعاء بأن إمارات الخليج غير ديمقراطية وأن أنظمة الحكم فيها قد تتغير في غير صالح إسرائيل. بالضبط نفس أقوال نتنياهو في حينه بالنسبة للسوريين والفلسطينيين. يقول اليساريون المخلصون وبحق بأن الاتفاق مع الإمارات والبحرين لا يحل المشكلة الفلسطينية ولا ينهي النزاع الإسرائيلي–العربي. والاتفاقات مع مصر والأردن لم تنه النزاع أو الاحتلال، لكنها منحت بديلاً استراتيجياً ضخماً لإسرائيل، وتعزيز أمنها وتطبيع مكانتها الدولية والإقليمية. هذه هي المسطرة التي يجب فيها فحص العلاقات مع دول الخليج.

في “اليسار – وسط” الذي يخاف كالعادة من تأييد الفلسطينيين، يتركز الانتقاد كالعادة على الإجراءات: لم يجلَب الاتفاق للحصول على مصادقة الحكومة والكنيست قبل التوقيع عليه، ولم يستدعَ وزير الخارجية لمراسم التوقيع، لم يبلَّغ رئيس الأركان، وربما يوقعون أيضاً بقلم أحمر وليس أزرق. ولا يوجد ما يقولونه حول إخفاقات جوهرية. وإذا لم يكن هذا كافياً فإن المخضرمين في حكومة رابين طرحوا ذكريات من رحلاتهم السرية إلى الخليج للادعاء بأن نتنياهو لم يأت بجديد ولم يحقق شيئاً. إذا قرروا.

إذا لم يتعلق الأمر بـ “اتفاق سلام تاريخي”، مثلما يقول نتنياهو، بل بعقد إيجار معياري لعدد من مكاتب السفارة، فلماذا تغضبون؟ وإذا لم يكن هذا أكثر من اتفاقات لإقامة علاقات مع تيمور الشرقية وجنوب السودان فلماذا لم تطلبوا إجراء استفتاء عام إذا لم يكن أكثر من ذلك، وتغضبون من الاتفاق مع الإمارات والبحرين؟ بعد ذلك كله، يكمن الفرق في الانتقال من العلاقات السرية، التي استفادت منها حفنة من مقربي نظام الحكم وتجار السلاح، إلى علاقات علنية يمكن لكل مواطن إسرائيلي فيها السفر في طائرة والذهاب إلى دبي دون وضع قناع وحمل جواز سفر أجنبي. هذه هي دمقرطة السلام.

ربما يبالغ نتنياهو بحجم الإنجاز التاريخي، حتى لو كانت أسبابه مفهومة. ولكن ذلك لم يكن (فقط) بسبب شخص يبالغ ورجل علاقات عامة، بل لأن عملية سياسية كهذه كشفت اعتماد إسرائيل المطلق على الولايات المتحدة. هو لم يولد بسبب رحلة سياسية بعيدة النظر في مكتب رئيس الوزراء في القدس، بل بسبب رغبة الإدارة الحالية في واشنطن في بيع طائرات قتالية للإمارات والتمتع ببعض الهيبة السياسية قبل الانتخابات الرئاسية. سيكون هذا الحدث اليوم احتفالاً لترامب الذي سيشرف على اتفاق بين إسرائيل ودول عربية، في حين ينجح سلفه باراك أوباما في إنجازه. ومع ذلك، لا يقلل هذا من الإنجاز، وإذا أطلقوا سراحنا من الإغلاق الذي تسببت به سياسة نتنياهو الداخلية الفاشلة، يمكننا الاستمتاع بغمس أرجلنا في مياه الخليج والاستمتاع بثمار سياسته الخارجية.

بقلمألوف بن

هآرتس 15/9/2020

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية