رفض إسرائيلي مطلق لقيام دولة فلسطينية

حجم الخط
4

الملاحظ والمراقب للسياسات الإسرائيلية التي ينتهجها نتنياهو وائتلافه الحكومي، يرى وبلا أدنى درجات الشك، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يرفض رفضاً مطلقاً قيام دولة فلسطينية. فهو كلما بدا في الأفق أن هناك حلا وشيكا قائما على تنازل فلسطيني وضغوط أمريكية، يقوم بتصعيد اشتراطاته بحيث يستحيل على الطرف الآخر (الفلسطيني بالطبع) قبول اشتراطه الجديد. هكذا فعل في شرط وجود قوات إسرائيلية في منطقة الغور على الحدود مع الأردن. ولمّا بدا أن هذا الشرط قابل للنقاش فلسطينياً وأمريكياً، بتحويله إلى وجود أمريكي أوروبي، أو وجود إسرائيلي فلسطيني أردني، قام بتصعيد آخر، وهذه المرة من خلال الاشتراط على الفلسطينيين، الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل. هو يدرك صعوبة بل استحالة موافقة الطرف الفلسطيني على ذلك، وحتى لو تم الاعتراف الفلسطيني به فسيصعد نتنياهو بشرط جديد أكبر وأكثر صعوبة من الأول.
ربما أبدى رابين قبل مقتله وإيهود باراك استعدادهما لإقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح والسيادة، مع تعديلات حدودية وإبقاء التجمعات الاستيطانية الكبيرة في الضفة الغربية، وتنازل الفلسطينيين عن حق العودة، إضافة إلى إشراف أردني – فلسطيني على الأماكن المقدسة، أي بكلامٍ آخر حكم إداري ذاتي، وهو ما كان ايغال آلون قد اقترحه مباشرة بعد حرب عام 1967، حتى لو جرت تسمية هذا الحكم بــ’امبراطورية فلسطين’، لكن نتنياهو يعارض إقامة دولة فلسطينية حتى لو كانت ليس أكثر من حكم إداري ذاتي، وذلك لأسباب عديدة من أبرزها:
أولاً، ان نتنياهو لا يعترف بوجود شعب فلسطيني من الأساس، فالفلسطينيون بالنسبة إليه، كما جاء في مؤلفه ‘مكان تحت الشمس’ خُلقوا فجأة من العدم، صنعهم العرب بعد حرب عام 1967، ولذلك أين هم، وما هي حقيقتهم؟’. الفلسطينيون بالنسبة لنتنياهو ليسوا أكثر من إرهابيين. هذا هو جوهر وجهة نظر رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي في الفلسطينيين. أما التعامل معهم فهو يأتي لاعتبارات سياسية ليس إلا، انطلاقاً من ظروف سياسية ودولية وإقليمية.
حل مشكلة الفلسطينيين بالنسبة لنتنياهو يتمثل في بقائهم مع الدول العربية، فهو يدعو الأخيرة إلى حل مشكلة الفلسطينية، سواء في الأردن أو في غيره من الدول العربية. الأردن وأجزاء من الدول العربية هي مناطق تتبع لدولة إسرائيل من وجهة نظره، ولذلك فإن إسرائيل والحالة هذه ‘تتكرم’ على العرب بالسماح للفلسطينيين بالسكن في جزء من أرض إسرائيل الكبرى. من قبل صرّح إسحق شامير بأنه سيطيل المفاوضات مع الفلسطينيين والعرب لمدة عشرين عاما (كان ذلك في مؤتمر مدريد). لسان حال نتنياهو يقول: ‘سنطيل المفاوضات مع الفلسطينيين والعرب مدى الحياة’، لذلك فإن المفاوضات الإسرائيلية مع السلطة الفلسطينية لن تنتهي لا في تسعة أشهر ولا في تسع سنين ولا في عشرين سنة.
ثانياً: إن أطراف الائتلاف الحكومي في غالبيتهم لا يعترفون بوجود الفلسطينيين، فكيف بإعطائهم دولة؟ لقد صرّح قادة هذا الائتلاف أكثر من مرة بأنه إذا ما جرى عرض إقامة دولة فلسطينية على الحكومة الحالية فسوف يُهزم هذا الاقتراح.
من بين هذه التصريحات كانت تصريحات كل من يائير ليبيد رئيس حزب ‘هناك مستقبل’، ونفتالي بينيت زعيم حزب ‘البيت اليهودي’، إضافة إلى تصريحات أفيغدور ليبرمان. من جانب ثانٍ فإن التحولات في الشارع الإسرائيلي تسير باتجاه المزيد من التطرف واليمين، وإنكار حقوق الشعب الفلسطيني.
على صعيد آخر وفقاً لاستطلاعات رأيٍ كثيرة، فإن غالبية الإسرائيليين لا يؤيدون إقامة دولة فلسطينية، إضافة أيضاً إلى أن هناك تقديرات في إسرائيل بأنه في العام 2025 فإن عدد الأكثر تطرفاً من الإسرائيليين سيبلغ ما بين 60′ – 65′ من مجموع يهود إسرائيل. هذا هو الواقع الإسرائيلي بعجره وبجره: شارع يميل إلى المزيد من العنصرية والتطرف والعداء للفلسطينيين والعرب، أيضاً فإن إسرائيل تعمل خلال هذه الفترة على قوننة عدم التطرق للقدس وللاجئين في أي مفاوضات مع الفلسطينيين أو العرب.
ثالثاً: موقف نتنياهو من منطقة الحكم الذاتي الفلسطيني يبدأ بالسيطرة على حدودها واستمرار التحكم في الداخلين إليها والخارجين منها، وهو على الضد من أن تكون منطقة استقطاب للفلسطينيين من الخارج (فهؤلاء يوّطنون حيث هم) وإنما تكون مجالا حيويا لاستقطاب عرب منطقة 48 إليها، ولهذا كان الاقتراح بضم منطقة المثلث من مناطق عام 48 إلى أراضي السلطة الفلسطينية للتخلص مما يقارب ثلث الفلسطينيين في عموم مناطق 48، فالمثلث يحتوي على ما يقارب 300 ألف فلسطيني. أما بالنسبة للمتبقين من الفلسطينيين في منطقة 48 فإن مشاريع قوانين عنصرية كثيرة جرى سنّها في الكنيست وتتعلق بالمناطق التي يعيش فيها الفلسطينيون، خاصة من جيل الشباب، فسيقدمون طوعاً إلى الهجرة. هذا أيضاً بالإضافة إلى مفهوم بأنه قد تأتي ظروف مواتية مستقبلاً في إسرائيل تمكنها من تهجير أكبر عدد ممكن من فلسطينيي 48 بطريقة أو بأخرى، لأن الوجود الفلسطيني العربي في الكيان الصهيوني يتناقض مع مفهوم ‘يهودية الدولة’ التي تسعى إسرائيل إلى تطبيقه بكافة الوسائل والسبل، وهي جعلت منه شرطاً للتسوية مع الفلسطينيين والعرب، من حيث ضرورة اعتراف الطرفين بهذا المبدأ مقابل إجراء التسوية مع أيٍّ من الطرفين.
رابعاً: بالنسبة للحل الاستراتيجي فإن وجهة النظر الإسرائيلية تتمثل في، إما تقاسم وظيفي إسرائيلي فلسطيني أردني في هذه المناطق، أو من خلال إقامة كونفدرالية بين منطقة الحكم الذاتي الفلسطيني والأردن. هذا في التصور الإسرائيلي. المرحلة الأولى في وجهة النظر هذه تتمثل في المشاريع الاقتصادية المشتركة. على هذا الأساس جرى منذ عدة أشهر اقتراح أمريكي بدعم مشاريع اقتصادية مشتركة واستعداد الولايات المتحدة رصد المليارات من أجل ذلك. من جانب ثان كان اقتراح نتنياهو منذ عام تقريباً بالبدء في السلام الاقتصادي في المنطقة.
من قبل ذلك: المشروع الأمريكي الإسرائيلي المشترك بإنشاء الشرق الأوسط الجديد، وقد كتب شيمعون بيريز مؤلفاً بهذا المضمون، لذلك في منتدى دافوس في البحر الميت الذي عقد قبل ما يزيد عن العام جرى تشكيل مجموعة اقتصادية إسرائيلية فلسطينية مشتركة دعت إلى تعاون اقتصادي بين الجانبين، والضغط لوصول الطرفين إلى حل سياسي من أجل إحلال (السلام) في المنطقة.
خامساً: إسرائيل ترى في وجود دولة فلسطينية بداية النقيض لوجودها كدولة، لذلك تصر على أن يتضمن أي اتفاق مع السلطة الفلسطينية مسألتين الأولى: حق إسرائيل في دخول المناطق الفلسطينية كلما رأت ذلك ضرورياً (إذا ما اعتقدت أن هناك من سبب يشكل تهديداً لأمنها). المسألة الثانية:هي وجود قوات إسرائيلية في منطقة الغور على الحدود مع الأردن للتحكم في الطريق البري الموصل للمناطق الفلسطينية، إضافة إلى أن إسرائيل هي التي ستظل مشرفة على المياه الإقليمية في غزة، إلا إذا جرى إلحاق غزة بمصر والإشراف المصري عليها.
تخشى إسرائيل مستقبلاً من أن تتغير الظروف والأوضاع وتبدأ منطقة الحكم الذاتي الفلسطينية (أو أطراف فلسطينية من الفصائل وغيرها) بتجميع أسلحة قد تهدد الأمن الإسرائيلي، لذلك حتى اقتراح السلطة بوجود قوات من حلف الناتو في منطقة غور الأردن ترفضه إسرائيل رفضاً مطلقاً وتصر على وجود قوات إسرائيلية في هذه المنطقة.
بالطبع ليس كل ما تخطط له إسرائيل قَدَراً! ولكن شريطة مجابهة الفلسطينيين والجماهير العربية لهذا المخطط، وللأطماع الإسرائيلية في احتلال ومزيدٍ من السيطرة على أراضٍ عربية أخرى، لذلك فقد طرح أفيغدور ليبرمان منذ يومين اثنين (الخميس 30 يناير/حزيران) أن ترتبط التسوية مع الفلسطينيين باعترافهم بأن هضبة الجولان العربية السورية هي أرض إسرائيلية، والاعتراف بضمها إلى إسرائيل. بالطبع المخطط أكبر من أن تفشله جهة فلسطينية أو عربية منفردةً، بل يقتضي عملاً مشتركاً، ومشروع مجابهة مشتركا وطنيا فلسطينيا أساساً، اعتماداً على البعد القومي العربي ثانياً، وهذا يقتضي جعل الموقف الفلسطيني والعربي اكثر صلابة.

‘ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية