توفي المعماري العراقي رفعت الجادرجي،عن عمر ناهز 94 عاما يوم الجمعة 10 إبريل/ نيسان 2020 في العاصمة البريطانية لندن، حيث يقيم فيها منذ أن غادر العراق عام 1983 ليتنقل بين بيروت وأمريكا والعاصمة البريطانية .
نخبة المعماريين العراقيين
يعد الراحل مع محمد مكية وقحطان المدفعي وقحطان عوني، من أبرز المهندسين المعماريين العراقيين، الذين ظهروا في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد حاول من جانبه أن تكون له بصمة شخصية مميزة على البنية المعمارية في العراق، وانساقت أفكاره في هذا الاتجاه إلى ناحية الجمع بين الحداثة ومعطيات البيئة المحلية، بما تحمله من رموز وإشارات ثقافية ذات خصوصية بغدادية، وهذا ما تجسَّد في شواخص معمارية مازالت باقية، تشير إليه في العاصمة العراقية بغداد، وعدد من مدن العراق، مثل مدينة الموصل التي كانت قد احتفت بواحد من أجمل لمساته المعمارية وسط المدينة، إلاَّ أن هذا المبنى تعرض إلى التدمير التام أثناء عمليات تحرير الموصل من سلطة تنظيم «داعش».
الجادرجي ونصب الجندي المجهول
من المفارقات الغريبة في حياة الراحل، أنه كان مسؤولا عن تصميم نصب «الجندي المجهول»في عهد الزعيم عبد الكريم قاسم عام 1958، ولكن الأيام تمضي بعجلتها، التي تسحق أجمل الأشياء، عندما وجد نفسه في موقف لا يُحسد عليه، بعد أكثر من ثلاثة عقود على إقامة النصب، وكان ذلك أثناء عمله مستشارا في أمانة العاصمة العراقية، عندما أمر الرئيس العراقي السابق صدام حسين بإزالة نصب الجندي المجهول ليحل بدلا منه تمثال له وهو بالقيافة العسكرية، في حينها كان من الصعب على أي عراقي أن يختلف مع ما كان يفكر فيه الرئيس، أو يتقاطع معه حتى لو كان رجلا يحمل عقلية فريدة مثل الجادرجي، فما كان منه إلاَّ أن يذهب بسيارته إلى موقع النصب ليلتقط صورة «سيلفي»، حيث تظهر في عمق الصورة الجرافات وهي تمحو أي أثر للنصب.
لكنّ شخصا مثل الجادرجي من الصعب أن تمحوه الذاكرة، رغم قسوة الحدث الذي كان شاهدا عليه، لتدور مرة أخرى دورة الزمن وتضع اللمسة الأخيرة على المشهد المنهار، عندما وقف الجادرجي أمام شاشة التلفزيون وهو يتابع سقوط تمثال الرئيس، مع حدث سقوط بغداد تحت الاحتلال الأمريكي في التاسع من إبريل عام 2003، ولم تتوقف عجلة المصادفات القدرية عند هذا الحد، إلاَّ بعد أن غادر الجادرجي الحياة بعد يوم واحد فقط على ذكرى سقوط التمثال هذا العام، وكأنَّ الراحل انتظمت حياته الطويلة، التي امتدت لاكثر من تسعة عقود لتكون حافلة بالمسرات والأوجاع في آن.

الجادرجي الأب
هذه التفاصيل ليست سوى جزء بسيط من تمظهرات العلاقة العميقة، التي ارتبطت بها حياة هذا المعماري الكبير وعائلته مع تاريخ العراق، فمن المعروف لدى جميع المتابعين لمجرى السياسة في العراق، اهمية كامل الجادرجي، والد الراحل رفعت الجادرجي في تاريخ النضال الوطني خلال العهد الملكي، حتى بعد مجيء العهد الجمهوري عام 1958، ومن هذا المنطلق كان الجادرجي الأب قد أصدر جريدة «صوت الأهالي» عام 1942 وترأس جمعية الصحافيين العراقيين خلال الفترة 1940 ـ 1950، ورغم أن العائلة تنتمي إلى الطبقة الارستقراطية، إلا أنه كان الأقرب إلى دعاة الاشتراكية، وفي مقدمتهم الشيوعيون، فجاء تأسيسه للحزب الوطني الديمقراطي عام 1946، تعبيرا عن هذه الأفكار، وبسبب مواقفه الوطنية تعرض إلى الاعتقال والسجن خلال العهد الملكي لأكثر من مرة، ومثلما كان الأب ساعيا إلى بناء تقاليد ديمقراطية في المشهد السياسي العراقي، وتحقيق العدالة الاجتماعية، فقد ورث ابنه رفعت هذا المحتوى الإنساني، القائم على الاعتدال في المواقف، لكنه سعى إلى أن يكون عطاؤه بعيدا عن عالم السياسة، ليكون إضافة جمالية مؤثرة في معمار العراق الحديث، وأن يذهب بتصاميمه لتغدو منطلقا معماريا، للكشف عن المخزون الحضاري العراقي وثقافته المحلية، وفق رؤية ذاتية تكتسب خصوصيتها من تفاعلها مع الحداثة الغربية، وقد تجسد ذلك في عدد من الصروح المعمارية منها على سبيل المثال مبنى وزارة الصناعة، والبرلمان العراقي، والاتحاد العام للصناعات، ومبنى نقابة العمال، ومبنى بدالة السنك، الذي يتوسط شارع الرشيد في بغداد، وجميع هذه المباني كان حريصا في تشييدها على استعمال مواد بناء محلية مثل، الطابوق (الآجر) المحلي العراقي ويأتي ذلك ضمن رؤيته المعمارية في إضفاء الأبعاد الجمالية للثقافية الإسلامية على الشكل العام لهذه الأبنية، ليكسبها قيما جمالية تشكيلية تضاف إلى دورها الوظيفي في الحياة المدنية.
إشكالية العلاقة مع السلطة
يمكن القول إن حياة المعماري رفعت الجادرجي، الذي ولد عام 1926 ودرس الهندسة المعمارية في جامعة هامر سميث البريطانية عام 1954، ونال جائزة آغا خان للعمارة عام 1986، تعكس في بعض محطاتها إشكالية العلاقة التي تحكم السلطة في عالمنا العربي مع نمط من العقول المبدعة، التي تنتمي إلى ذاتها الخلاقة، بعيدا عن أطر التوظيف الأيديولوجي الديماغوجي، الذي عادة ما تنتجه السلطة وينساق إلى مستنقعه رهط كبير من العاملين في الميدان الثقافي والفني، طمعا بما تجود به عليهم من فتاتها. ودفع الجادرجي مثل والده ثمنا باهظا من حياته، لأنه لم يرتض لنفسه أن يلعب دورا لا يليق به كإنسان وفنان، بعد أن حاولت حكومة بغداد في عهد الرئيس أحمد حسن البكر، توظيف مكانة الجادرجي وسمعته لصالح أغراض أشبه ما تكون بالتجسسيّة، بعد أن وجدته يحظى بمكانة كبيرة من الاحترام والتقدير لدى عدد من الحكام العرب، باعتباره معماريا فريدا، ساهم في تصميم الكثير من الصروح المعمارية الجميلة في بلدانهم، ولديه مكاتب استشارية تقدم خدماتها في أكثر من بلد عربي مثل، الكويت وقطر والبحرين والسعودية ولبنان، إلاّ أن جهود حكومة بغداد لم تفلح في مسعاها، وعلى ما يبدو فإن موقفه الرافض لأن يلعب مثل هذا الدور قد ترك أثرا سلبيا في نفس الرئيس البكر، ولا يستبعد أن يكون ذلك أحد الأسباب وراء اعتقاله عام 1978 وزجِّه في السجن لمدة عامين، والحكم عليه بالسجن المؤبد، بدون أن توجه له أي تهمة حقيقية. وما يثير السخرية أن اعتقاله جاء بعد مضي 48 ساعة على وصوله إلى العاصمة بغداد قادما من العاصمة النمساوية فيينا، بعد أن ألقى محاضرة عن الفن المعماري وتم الاحتفاء به وتكريمه.
ومثلما لم تتوقف عقلية السلطات العراقية بكل أنظمتها من العبث والسخرية بحياة مواطنيها العاديين، فإنها لم تترد في أن تمارس مثل هذا الاستهتار بالعقول المبدعة أيضا، ففي عام 1981 أطلقت سراح الجادرجي ما أن وجدت نفسها بحاجة إلى خبرته المعمارية، لأجل أن يشرف على تصميم وإنشاء عدد من المباني الحكومية الكبيرة، استعدادا لإقامة مؤتمر دول عدم الانحياز، ولعل مثول الجادرجي أمام الرئيس صدام حسين، وهو يرتدي ملابس السجن برفقة اثنين من الحراس الذين اقتادوه من الزنزانة إلى القصر الجمهوري، ليتم تكليفه بهذه المهمة، هي أفضل علامة على هذا العبث وهذه السخرية، علما أن محاولات عديدة بذلت من قبل شخصيات سياسية عربية معروفة مثل وليد جنبلاط، لإطلاق سراحه، لكنها لم تلق آذانا صاغية من قبل بغداد.
الكتابة ضد النسيان
وبعد ثلاثة أعوام على خروجه من السجن، غادر العراق عام 1983 إلى بريطانيا ليتفرغ للكتابة والأبحاث، حيث أقام مؤسسة في بيروت، ويذكر في هذا السياق، أنه خلال فترة سجنه قرأ أكثر من 160 كتابا، وألف ثلاثة كتب بالعناوين الآتية «شارع طه وهامر سميث»، «الأخيضر والقصر البلوري»، «جدار بين ظلمتين»، ويُعدُّ كتابه الأخير من أهم الإصدارات التي تُصنَّف ضمن أدب السجون، حيث تناوب هو وزوجته بلقيس شرارة على تدوين تلك الأحداث، خلال فترة سجنه، حتى لا تضيع في متاهات النسيان، حسبما أشارت إلى ذلك زوجته شرارة، في أحد اللقاءات التي أجريت معها ومع زوجها، وأضافت أن «في أحداث تلك المحنة كان يفصلنا جدار غير قابل للاختراق، جعل كلاً منا في ظلمة بمعزل عن الآخر. لذا قرّرنا أن يكتب كل منّا من موقعه من ذلك الجدار الذي فصلنا» .
بعد إعلان خبر وفاته عبر المواقع الإخبارية، نعاه الرئيس العراقي برهم صالح بقوله «يفقد فن العمارة في العراق والعالم رئته الحديثة، التي تنفست حداثةً وجمالاً، لقد مارس الجادرجي العمارة بوصفها وظيفة إنسانية وجمالية، ووهبها كل حياته، عاملاً ومنظّراً، تاركاً الكثير لإرث هذه البلاد عِلماً ومبانيَ، لروحه الرحمة ولأسرته ومحبيه الصبر». كما نعته بعثة العراق في الأمم المتحدة قائلة»رحل تاركا إرثا فنيا سيبقى شاهدا على ذوقه وإبداعه».
مما يجدر الإشارة إليه أنه في عام 2018 صدر في بيروت كتاب عن الجادرجي من تحرير الفنان أكرم زعتري والمعماري مارك واسيوتان، تضمن فهرسة لأعماله إلى جانب توثيق المشاريع والتصاميم التي أنجزها، قبل أن يتوقف عن العمل بلغ مجموعها ما يزيد على المئة مشروع، توزعت بين العراق وعدد من البلدان الخليجية، الكتاب صدر عن دار كاف للنشر، بالتعاون مع غاليري صفير زملر، والمؤسّسة العربية للصورة.