مئة في المئة يخطئ تماما من يحكم على الآخرين، وفقا لما يقوله ويشيعه البعض عنهم، من دون أن يكون قد احتك بهم إنسانيا، وتعامل معهم وجها لوجه. بالنسبة لي لا أجد غضاضة أبدا في أن أعترف بأنني أخذت فكرة سيئة عن الشاعر المترجم والمترجم الشاعر، الذي لم يرحل رفعت سلام، قبل أن أكون قد التقيته.
في وقت ما وصلني عنه أنه شاعر متكبر، لا يرى في مرآة الشعر وعالمه سوى صورته النرجسية، وربما يكون قد عمل على توثيق هذه الإشاعة، وهو ليس له ذنب في هذا، طول قامته المنتصبة في اعتدالٍ لا يشوبها أي اعوجاجٍ، واتجاه بوصلة جبهته إلى الأعلى. غير أن الأقدار التي تعلم أنه مظلوم، رتبت لقاء جرى بيننا وسط ثلة من الأصدقاء، ولم يكن بعد يعرفني. جلست أمامه وهو يتحدث بأسلوبه الحصري، وبنبرة صوت لا يشابهه فيها أحد في الشعر والإبداع، وما يتعلق بهما من قضايا. لكنني وأنا المتربص به، لأضبطه في خانة التكبر، أو النرجسية الكاذبة، خرجت من هذه الجلسة وأنا أتعرف إلى شاعر ومبدع ومترجم، ترجم اعتزازه الطبيعي بنفسه إلى تكبر، وترجمت معرفته بقيمة ما يصنع إلى نرجسية. بالطبع لم يكن رفعت سلام وقتها يعرفني، ولا يعرف الفكرة التي جئت بها إليه، حتى يمكن تفسير هذا بأنه كان يواري الوجه الآخر، أو أنه يتجمل ليغير مفردات صورةٍ سيئةٍ قد ألصقت به.
لا شك في أن أي مبدع من حقه أن يعتز بنفسه، وأن يعرف قيمة ما يقدم للإنسانية، وليس هذا من قبيل التكبر، بل هو الشيء العادي بالنسبة لإنسان مبدع. إذن جلست مع رفعت سلام ولم أجد سوى إنسان قمة في تواضعه وفي بساطته. هو فقط يقدر نفسه مستندا إلى ما حققه من إنجاز على المستوى الشعري، وفي الترجمة، وهذا ما لا يعاب عليه، لا هو ولا غيره من المبدعين الحقيقيين. تلك الصورة الخاطئة التي تكونت لديّ عن رفعت سلام من قبل، شيدت جدارا عازلا بيني وبين أعماله، شعرا وترجمة، وجعلتني لا أقدم على قراءتها، إذ مالي بقراءة شاعر يحسب نفسه الشاعر الأوحد في هذا الكون؟ مؤكد هذا خطأ كبير، إذ يجب الفصل بين المبدع كاتبا وإنسانا حتى لا نظلم نتاجه الإبداعي.
سحر الإبداع
وهكذا وبعدما تأكدت من كذب الصورة التي زيفها البعض، نظرا إلى أغراض لا يعلمها إلا الله، والذين يشيعون كل سوء عن كل إنسان جميل، بدأت أقترب من تخوم وفضاءات رفعت سلام الشعرية والترجمة، ورأيتني أتأسف على سنواتٍ مضت، بدون أن أدخل في بهو هذا الشاعر المترجم والمترجم الشاعر. لقد التقيت رفعت سلام ودخلت معه إلى سحر الإبداع وجودة الترجمة، التي يمارسها بأستاذية قلما نجدها لدى آخرين يمارسون طقوس هذا المجال، مكتفين بقروش يضعونها في جيوبهم نظيرها، أو ينفقونها على أقرب مقهى، وهكذا دواليك من دون أن يتركوا شيئا ذا قيمة. لقد آثر رفعت سلام أن تكون ترجماته دليلا على إبداعه، فالقصائد التي كتبها شعراء آخرون وقام هو بترجمتها، لا تختلف في احتوائها على كم إبداعي جميل عن قصائده هو.
وبهذا يدلل رفعت سلام على أنه ثمة فرق شاسع بين شاعر يترجم الشعر، وغير شاعر يقوم بالفعل نفسه.. إنه الفرق بين مطرب يمتلك الصوت العذب الجميل ومؤدٍ للكلمات فقط. وبهذا أيضا يقدم رفعت سلام نفسه كنموذج يجب أن يحتذى، أنظر إلى لغته العذبة في ترجماته وإلى سلاسة ألفاظه وليونة عباراته.. إنه مترجم ينسج كلماته ليصنع من القصيدة أجمل ما يكون.
لقد تعرفت إلى رفعت سلام عن قرب ووجدته إنسانا جميلا ونقيا ونبيلا، لا يكره أحدا، ولا «ينفسن» على أحد، مكتفيا بالانكباب على مشروعه الشعري والترجمي، محبا للجميع، مادا يد المساعدة لكل من يطلب مساعدته، معطيا ظهره لكل الشجارات التافهة على فتات لا يغني ولا يسمن من جوع. لقد كان رفعت سلام جميلا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، بل قل أن تصادف أحدا في صفاته وقامته. هو، وباختصار شديد، نموذج للإنسان كما ينبغي أن يكون، ولأنه هكذا فقد عاش في هدوء ورحل في هدوء، وما أزال أقول إنه لم يرحل، حتى الآن لا أصدق أنه رحل، ويوم أن وجدت صفحات الفيسبوك تنشر خبر رحيله لم تطاوعني يدي لأكتب خبر رحيله، بل اكتفيت بالبكاء بيني وبين نفسي، متذكرا جلساتنا معا، وحواراتنا على المقهى، أو من خلال التليفون.يبدو أنه من الصعب أن نعرف كيف نكتب عن الذين نحبهم كتابة تليق بهم، دائما ما يشوب كتابتنا النقص، لأنهم أسمى وأرقى وأنبل من أن تفي بضعة كلمات بحقهم علينا..ما أصعب أن نكتب عمن نحب!
رحيل في صمت
وقبل أن أنسى لا أستنكف أن أذكر هنا موقفا كنت أنا طرفا فيه: كنت قد ترجمت قصائد للشاعر الفرنسي جاك بريفير ونشرتها لي مجلة «الشعر» ولما قرأها أعجب بها أيما إعجاب وقال لي: لو أنني، يقصد نفسه، قمت بترجمتها ما ترجمتها أفضل منك. ثم تلا ذلك تشجيعه لي ودفعي لتكملة هذا المشوار، بالقيام بترجمة أعمال أخرى لهذا الشاعر. آخرون، كثيرون، يقرأون نصوصا لأصدقائهم أو لمعارفهم، أو لسواهم ويجدون فيها روعة وإبداعا، لكنهم يبخلون بكلمة تشجيع لأصحابهم.. نظرا لما في قلوبهم من ضغينة لكل من يفعل شيئا متميزا.. هل ظن هؤلاء أنهم بهذا يوقفون جدول الإبداع عن السريان؟ لقد أثبت رفعت سلام بنقاء روحه أن مقولة «عدوك ابن كارك» ليست صادقة دائما.. بل ثمة طفرات واستثناءات، تشي بأن هناك أشياء جميلة لا تزال تحيط بنا على ظهر هذا الكوكب.
لقد عاش رفعت سلام حياته شاعرا ومترجما، تاركا وراءه الكثير من الشعر والترجمة، وعاشها إنسانا طيبا ونقيا وجميلا أحبه معظم من تعامل معه عن قرب، وحين رحل، رحل كما يرحل الطيبون عن هذا الكوكب، بعد أن أعياهم صخبه وأرهقتهم معاركه الخائبة. دائما ما يؤثر الطيبون الرحيل في صمت، منسحبين من حياة لم تعد تليق بهم، حياة تسكنها الأفاعي، ويسيطر عليها كارهو أنفسهم.. ينسحبون من هنا ليستريحوا من جلبتها وضجيجها. لم يرحل رفعت سلام.. بل بقي وسيظل، على الأقل في قلبي وذاكرتي أنا.
٭ كاتب مصري