رفعت سلام صورة من بعيد: من وعي المجموع إلى فرادة الذات

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في هذه الشهادة لا أريد أن أتحدث عن رفعت سلام (1951ـ2020) الشاعر أو الناثر أو المترجم أو المثقف، وإنما أريد أن أكتب عنه في حدود وعي الطالب الذي تعرف عليه، وعلى شعره في مرحلة مبكرة من حياته، وبوصفي مراقبا ومتأملا لطبيعة السلوك الإنساني لمحاولة فهم طبيعة البشر، يختزن مراياها في لحظة فرحها الجزئي، ولحظة سموقها، ولحظة الهزيمة والإحباط، بالإضافة إلى عنف المقاومة لحظة المرض.
أظن أنه كان من طالعنا السعيد أننا فتحنا عيوننا على جيل رفعت سلام (عبدالمنعم رمضان، ومحمد سليمان، وحسن طلب، ومحمود نسيم، وحلمي سالم، وأحمد طه، وأمجد ريان، ومحمد فريد أبو سعدة، وجمال القصاص، وهناك آخرون بالضرورة) وهو في مرحلة التأسيس الفني بين إحساس تام بالوجود، وإحساس تام بالرفض والتهميش والنبذ، وإبعاد نصوصهم عن المتن الشعري، يكفي أن نلاحظ أن قصائد هؤلاء الشعراء كانت تنشر في باب أفرده لها في مجلة “إبداع” عبد القادر القط تحت مسمى “تجارب”.
كنا طلابا في مرحلة الليسانس حين تشكلت لنا معرفة وثيقة بهذا الجيل من الشعراء، وكنا نلتقي بواحد أو اثنين منهم في شقة مصطفى عبادة الذي يشاطره السكن بها واحد من كتاب القصة بشكل دوري نستمع إلى شعرهم، وينصتون إلى ما نكتبه، وكان أمجد ريان أكثرهم حضورا للقائنا. ويجب أن أشير هنا إلى فرادة أشرف أبوجليل- رائد جماعة الشعر في ذلك الوقت- فقد كان لديه وعي تنظيمي خاص ولافت، ولديه إدراك لطبيعة المرحلة، فدار العلوم في تلك الفترة من نهاية الثمانينيات من القرن الماضي فتحت أبوابها لشعراء السبعينيات، فحضروا مهرجاناتها وألقوا شعرهم بجوار الشعراء من الأجيال السابقة، وصفق لهم طلاب دار العلوم بالرغم من التكوين التراثي الغالب علي طلابها. وقد عقدت الكلية من خلال جماعة الشعر – على ما أتذكر ونحن طلاب- مؤتمرا خاصا بشعراء السبعينيات.
في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي من خلال هؤلاء الشعراء عرفنا طريق أتليه القاهرة، حيث بدأ الشعور بمنجزهم يأخذ مدى أوسع، وبدأ التعتيم يقل، وحضرنا الندوة الأولى بالدور الثاني، لمناقشة ديوان “رحيل م م”، وفي الأسبوع التالي كانت مناقشة الديوان الخاص (كان مخطوطا معدّا للنشر) برفعت سلام، ويدير الندوة مدحت الجيار بحضور فريال جبوري غزول، وأحد النقاد العراقيين لا أذكر اسمه. ويومها ظهر رفعت سلام بصورة الشاعر النجم (ويمكن الإشارة إلى أنه كان هناك من الجيل شعراء نعدهم نجوما مثل عبد المنعم رمضان، وكان أقرب الشعراء إلى نفسي وذائقتي، وحلمي سالم، وحسن طلب) وأعتقد أن هذه الصورة ظلت محورا لمقاربته للحياة بترفعه واستغنائه وابتعاده عن مغازلة السلطة، وأن يكتفي منها بما يجعل الحياة تسير.
في هذه الجلسة تكلم الدكتور العراقي مشيرا إلى أن ما يقدمه رفعت سلام يعد جديدا، ولكنه لا يستطيع إدراجه داخل الأنماط المعهودة في تلك الفترة، وذلك جعله يتساءل عن هذا الذي قدمه رفعت سلام في الندوة، وعن المسمى الذي يمكن الارتكان إليه في توصيفه. وكان رد رفعت سلام بديعا ملهما وموسعا من درجة فتنتنا به، فقال (هذا ما أردت الوصول إليه، وأعتقد أنني نجحت في ذلك، لقد أردت أن أكتب شيئا جديدا لا يشابه كتابة أحد).
فكرة الجيل لم يتم وضعها بشكل كامل إلا مع شعراء السبعينيات، لأنه لديهم يشكل مظلة دفاع في البداية، فالجيل فكرة قائمة على التكتل في مقابلة سياق قوي يحاول أن يبعد ويهمش، كأنه نسق للبحث عن مكان تحت الشمس في ظل حروب معلنة من موجات الشعر السابقة، خاصة موجة المدرسيين لدى شعراء الستينيات الذين لم يعرفوا بفتح المجال الخاص بالتفعيلة فهذا أمر مرتبط بصلاح عبدالصبور وأحمد عبد الكعطي حجازي، ويعد منجزا لهما، ولم يسهم جيل الستينيات في زحزحة النمط ومساءلته بشكل مستمر، ولم يحدث ذلك أي مساءلة النمط المتكلس إلا مع شعراء السبعينيات.
في ظل هذا الفهم يمكن فهم الإصرار على كيانات التكتل الجماعي في البداية على الأقل لصناعة حائط صدّ ضد السهام، وهي كيانات صنعها هذا الجيل بداية من التدثر بفكرة الجيل نفسها، للإشارة إلى المغايرة من خلال الاستقواء بالتعدد، بالإضافة إلى جماعات مثل “إضاءة”، و”أصوات” و”كتابات”. ولكن هذا التكتل بدا واضحا حين ارتبط الأمر ببيان فني كامل، حين أصدرت الجامعة الأمريكية عددا من مجلة “ألف” يرتبط بشعراء السبعينيات، وقد أسهم فيه رفعت سلام إسهاما كبيرا، فهؤلاء الشعراء ليسوا على درجة واحدة من العمق المعرفي الذي يؤهلهم جميعا للقيام بالجزئيات التنظيرية وإصدار البيانات الكاشفة عن المغايرة والاختلاف.
كان لهذا العدد من المجلة في بداية التسعينيات من القرن الماضي تأثير كبير علينا بوصفنا باحثين في مقتبل الطريق، فقد صدر بعد تخرجنا، ولا زلت أذكر وجه رفعت سلام بعد أن أهداني العدد، وحركات يديه مما أكد لديّ فكرة النرجسية، والتحامها بفكرة النجم المؤثر في المحيطين، ونظرته العميقة التي تتشكل في إطار من الفرادة بالرغم من حنانها الزائد على شاب ما زال يتحسس طريقه دون وعي كامل بالحياة، ودون وعي كامل بالاتجاهات الشعرية لحظتها، يحاول فقط أن يصل إلى محمد عفيفي مطر، لأنه شاعر مهم من الشعراء الذين أدار رسالته للماجستير عن الجيل الذي ينتمي إليه.
لقد نبهنا هذا العدد من مجلة “ألف” بالإضافة إلى الجلسات الخاصة مع رفعت سلام وعبدالمنعم رمضان، إلى أن هناك شعرا مغايرا للأشعار التي تعودنا عليها، وبدأ بعضنا الاشتغال عليها، خاصة أن هناك في هذا العدد محاولة لتشييد فكرة الأبوة ممثلة في عفيفي مطر من خلال ديوانيه “أنت واحدها وهي أعضاؤك انتثرت” و”رباعية الفرح”، تلك الأبوة التي شيدها هؤلاء الشعراء انطلاقا من لحظة زمنية، ومن سياق ثقافي خاصين، ولكن معظمهم فيما بعد أصبحوا ينفرون من هذا النسق الجمعي، وراحوا يبحثون عن فكرة التفرد، فالشاعر –في يقينهم- أصبح مرتبطا بالتفرد والذاتية بعيدا عن المجموع الذي ينتمي إليه.
هذا الوعي المبكر من رفعت سلام- الوعي العملي على نحو خاص- بأن هذه الكيانات المصنوعة لمجابهة نسق سابق، وتثبيت الوجود كيانات وقتية مرتبطة بلحظة حضارية بوصفها حضانة للنمو وللاكتمال، وعلى الشاعر أن يختار اللحظة المناسبة للتخلي عنها بحثا عن الفرادة، أفاده شاعرا ومترجما، وأزعم بشيء من اليقين أن الثقافة العربية أفادت أيضا بشكل لافت، لأنه انطلاقا من هذا الوعي بدأ يشتغل على مشروعه الثقافي، الذي ينطلق-ربما ارتباطا بنيتشة- من النظرة المنطلقة من الأعلى للوصول إلى رؤية أقرب إلى الشمولية للوصول إلى المعرفة، ثم اختزان هذه المعرفة، ليصل في النهاية إلى تقديم هذه المعرفة. ويمكن أن نتوقف بشكل سريع عند ديوانه “هكذا تكلم الكركدن”، حيث يشعر القارئ أن الرؤية الذاهبة والمشدودة للتأمل حاضرة، للإشارة وللإنصات ومراقبة دبيب الخراب، من خلال مظاهره اللافتة.
ربما كانت الفكرة الخاصة بالمراقبة والمقاربة الخاصة للعالم من أعلى ذات تأثير واضح في ولادة قيمة الاستغناء لديه، سواء في تعامله مع الآخرين، أو في علاقته مع السلطة بتعدد هيئاتها وأشكالها، لأن هذه المراقبة تمنحه رؤية قادرة على النفاذ، وتكشف له القناعات التي يرتديها البشر، للحفاظ على القامة ممشوقة ظاهرا، بينما هي في الحقيقة محنية إلى أبعد مدى، فهؤلاء الشعراء بعد تآكل مظلة الجيل، لا يتجلون على هيئة واحدة في ارتباطهم بالسلطة، فمنهم من كان يعلن عن تواجده الفكري والجسدي بشكل يومي، ومنهم من استطاع- ورفعت سلام واحد منهم- أن يمرر مشروعه دون انحناء أو استجداء لأحد.
وعي رفعت سلام الباكر بفكرة الذاتية والفرادة أفاده من ناحيتين: الاشتغال على مشروعه الثقافي في ترجمته للأربعة الكبار من شعراء العالم، بالإضافة إلى إسهامه الشعري الذي يضعه في كبار شعراء الحداثة من جيله في مصر مع عبدالمنعم رمضان، ومحمد سليمان، وحلمي سالم. ومن ناحية أخرى أفاده هذا الوعي في جدل المثقف بالسلطة، في أن يقف منها على مسافة، بحيث لا تغريه الأضواء الباهرة، ولا ينعزل بعيدا عنها فيفقد مشروعه الثقافي حضوره.
يشكل رفعت سلام حالة خاصة في الثقافة المصرية والعربية، من خلا المنجز سواء في الترجمة أو المنجز الشعري، ولكنه يشكل لكل المتابعين حالة ترفع واستغناء واضحين، ولا زلت أذكر مقولته ونحن جالسان على المقهى بعد انتهاء ليلة ملتقى رؤى الأولى للإبداع والنقد، حين تحدثنا عن الشعراء، وذلك حين قال- مستشهدا بأحد الشعراء الكبار السابقين الذي تخيل أن هناك تغييرا في إمكانية الحصول على جائزة محددة- السلطة تطبطب لكنها لا تغفر.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية