يُسمعُني حين يُراقصني كلماتٍ من وحي الوطن، الذي يُلملم كرامتنا ويتعالى بمطالبنا لتكون بحجم تضحيات الآباء والأمهات في كل الأحداث، التي شهدتها البلاد. على ايقاع أنغام “من أجلك عشنا يا وطني”، التي تقشعر لها أبداننا يرقص زوج وسط حشود البشر الزاحفة نحو تغيير شامل. تلك الصورة التي تداولتها وسائل التواصل الاجتماعي، على أنها من أجمل صور الثاني والعشرين مارس/آذار. صورة قلبت موازين الرومانسية، رجل وامرأة يرقصان ويقتربان ويتباعدان في الشارع، صورة أبانت عن رومانسية افتقدناها أو غير موجودة في تاريخ العلاقات بين الجنسين. أي اظهار الود علنا، ودون استعارات البيان والشعر والغناء. تغيرنا أم غيرنا الحراك؟ “إن بقي النظام فسنتحول إلى يابانيين”! وسنغير ألوان الشوارع وسننظف الشطآن وستتحرر الياسمين من على السطوح والأسقف. سنحول البلد إلى جنة. سنتحاب ونتصالح، وسوف نكتب على وثيقة الهوية بكل اللهجات. ظهر الجزائري الناعم الرقيق، الذي قبع أزمانا طويلة وراء صفات الفظاظة والغلظة والتسرّع. وماذا بعد هذا الأمل وهذه الرؤية الطوباوية للحراك؟
لا يمكن أن يختلف اثنان على أن الحراك رائع في سلميته وشعاراته وألوانه، في كل جمعة تزلزل الأرض تحت أقدام “كمشة” ممن عاثوا بمستقبل أجيال بأكملها وبددوا ثروات المجتمع وما زالوا. ما زالوا ينهبون. وينصبون المدراء والمستشارين ويعبثون بالعقار ويستحوذون على تحف معمارية باسم المسؤولية وباسم الجزائر. ما زال النهب مستمرا والحراك أيضا سيستمر، ولكي يستمرّ لا بد من خلق تيمات ورموز ومواضيع تبدو جديدة.
الحراك الكرنفالي والمطالب الفجة
كل يبحث عن ليلاه، لكن الشعب يبحث عن حلول سياسية عميقة لظروفه الاجتماعية المزرية ويبحث عن آليات لايقاف نهب أمواله وكرامته وحريته. لكن لبس الحراك ألوانا أخرى وأقنعة من طين وخشب واقمشة اثنية وألوان غريبة. فكثرت الموائد الشهية العملاقة كأنها ولائم ووعدات حول أضرحة الشرف المصان والكرامة المستعادة. فكل جمعة تكثر الحشود وتكبر الأفراح وتصبح أسئلتنا عملاقة شائكة تقض مضاجعنا وتحرك مواجعنا. ما هو مصير الوطن والمواطنين، وهل يرحل الفاسدون، ومن يمكنه حلّ المعضلات القانونية والسياسية والاجتماعية؟
قوائم تنشر وأسماء تذكر للالتفاف حولها لبداية الخلاص. والشكوك تكثر حول هذا وذاك، والأخبار العاجلة الآجلة لا تكف عن قطع همسنا ونفسنا لعل وعسى تأتينا بخبر يقين. لكن هيهات.
سواء مشينا تحت المطر أو بين الأعاصير أو الشمس الحارقة، فأرزاقنا ما زالت تبدّد، وما زالت المؤسسات تسير بعيدا عن رفاهية المواطنين ومطالبهم، وما زالت المحسوبية والمحاباة هي السيدة جهارا. ونحن في غيبوبة الفرحة وتخدير طويل الأمد. أخشى أن نستفيق وقد هرم شباب الحراك وجمدت أماله، وهرّبت أحلامه وموارده. الحراك ليس مرآة سحرية لتزيين المطالب.
للحراك مطالب اجتماعية يومية نتجت من مأساة التعامل غير الأخلاقي وغير الانساني مع المؤسسات، التي جسدت الفساد بكل أشكاله. هذه المطالب هي من جعلت الحراك ينضج سياسيا ويصبح في عيون من لم تمسهم الموت غرقا وجوعا وكآبة يقولون فقط بالحراك السياسي.
انتهى زمن الشجعان وأتى زمن الشبان. فلم يعد يستهان بأصحاب السراويل المهترئة النازلة ومن تبرق الأقراط في آذانهم وفي أنوفهم. سيل من حملة الماستر ومختلف الشهادات يصول ويجول ويحلل ويفسر ويطلب التغيير الجذري، رافضا كل أنواع الأبويات.
تفاعل الأشقاء… لا نظير له
تفاعل العرب أو الكثيرين منهم والشعوب خاصة بالحراك الجزائري ضجت به وسائل التواصل الاجتماعي، وإن كانت هناك تحذيرات من مغبة الربيع العربي الدموي، والاستفادة أو الاتعاظ مما حدث لبلدان شقيقة.
تونس أكثر من غيرها تظاهر شعبها في الشارع لمساندة الحراك الجزائري وتكلم إعلاميوها وفنانوها عن جماليات الحراك وشرعية مطالبه وأن يبقي الجزائريون على الجزائر فوق كل الاعتبارات، وهذا لا ينكرونه على الجزائريين. فالجزائري، في نهاية المطاف لا يريد من يمس وحدته، لذلك خرجت الأعلام خفاقة من كل البيوت والشرفات وارتديت كملابس وواقيات وربطات عنق، رمز للكرامة. “فكل جزائري هو شهيد حي إذا تعلق الأمر بالجزائر”. فالجزائري معروف بمساندته للأشقاء، ولا تخفى على أحد وقفته مع تونس وانعاش اقتصادها واعتبار تونس وجهة سياحية آمنة، بالرغم ممن اعتبرها خطيرة وتحدوا كل ذلك. وغيروا وجه تونس وتصدوا لمن يزرع الأسى في قلب شعبها. تلاحم تاريخي ودموي منذ أحداث ساقية سيدي يوسف وقبلها. والدم لا يصير ماء. لذلك زرعت أعلام فلسطين كأشجار تتحدى الأعاصير في قلب الحراك وشرايينه.
الحراك قلبه الشباب
في اتصال هاتفي مع الدكتور أحمد رواجعية، أستاذ علم الاجتماع السياسي، ذكر أن الملايين، التي خرجت للشارع، بشعار سلمية سلمية، ليس بغرض الانتقام من الجيش أو أفراد معينين، لكن هذه رسالة موجهة للنظام رغبة في خلق جزائر قائمة على الحق والعدالة والقضاء على الفساد، الذي ينخر في المؤسسات والبلاد. وكذلك هي رسالة موجهة للدول الأجنبية وعدم تدخلها في الشأن الداخلي للجزائر. كما أعطى درسا في التمدن والتحضر وأنه غير همجي وأنه يتحلى بالمسؤولية وروح المواطنة. شباب يحب بلده ولا يحب لها الخراب. فالشباب أصبحت له ثقافة سياسية ووعي كبير من خلال الاتصال عبر شبكات التواصل الاجتماعي والاحتكاك التجاري والتبادل الفكري مع أوروبا، مع التمسك بالوحدة الوطنية وبالدولة. وكل أصناف الفكاهة التي صاحبت الحراك وما زالت تستعمل ضد نظام متعفن وليس ضد الجيش أو غيره. وعلى كل الأطراف إجراء حوار ونقاش وتنازل كل الأطراف للوصول لمخرج للأزمة. وهذا لن يكون إلا بوجوه جديدة نظيفة كما يطالب بهذا الشعب، الذي لا يكف عن السير والتحرك والتندر.
“سولكينغ” و”لالجيرينو”:
انغماس في الوطنية
بقي الحراك يستلهم رمزيته وشعاراته من أقوال وإبداع الشباب، الذي خرج تلقائيّا: “يتنحاوا ڤاع” وغيرها، شباب مغمور فقد الثقة في نفسه وتعرض لكل الاتهامات، أبدى شجاعة لا نظير لها. والكل انصاع لتلك الشعارات ولم يجد أقوى منها. وتحولت الكلمات لأغان، وتصدر الراب الشبابي الطليعة.
إذا استطاع لالجيرينو(سمير جغلال) المجيء للجزائر ومشاركة الشعب في حراكه، وغنى للجزائر.
أخاف عليك يا بلادي
أفكر فيك في كل الليالي
الجزائر وطني، الذي أمنحه حياتي. أخاف عليك يا بلدي من أعدائي. لن أسمح فيك. هكذا أوصاني والدي. شباب بين نضجا سياسيا ووطنية تفوق كل تصور.
الا أن سولكينغ (عبد الرؤوف دراجي) الذي لم يكن بإمكانه المشاركة الفعلية في الحراك، بسبب عدم تسوية وضعيته تجاه الخدمة الوطنية، لكنه بقي متعلقا بما يحدث وبالحرية هاهو يقول:
على ما يبدو يمكن للسلطة أن تشترى
ولا يبقى لنا سوى الحرية
إذا تكرر السيناريو سنكون ممثلي السلام
أفتك الشباب الفضاء السياسي ودجنوه وفق غاياتهم ومطالبهم ولم يتركوا للكبار من الأهل والحكام والجميع سوى الإذعان وفسح الطريق أمامهم بحراك منظم منسق مشحون بحب الوطن ورموزه، خال من الأحقاد شباب لا يمكنه النكوص لفترات الحرقة. افتك الشجاعة من الكبار بعدما أرعبتهم المؤسسات السلطوية التي قاسها الفساد من الرأس إلى أخمص القدمين. شباب يعتمد عليه ولا وصاية لأحد عليه.
كاتبة من الجزائر