إنّ الفريق الوطني الجزائري لكرة القدم أعطانا درساً في الإرادة الجبارة للفوز، وفرض النفس، وتخطي الشرطيات الصعبة التي كانت تحيط. فقد ضرب عرض الحائط بكل مفاهيم الهويات الجاهزة والمفبركة، واحتفظ بهوية واحدة تتداخل بإيجابية كبيرة مع المواطنة: الدفاع عن العلم الوطني والجزائر.
ولم يدخل في تعقيدات الدستور الذي لم ينجز لتجميع المواطنين، بل لتفريقهم أكثر مما هم عليه. فقد صنف الدستور الذي راهنت عليه العصابة، الجزائريين إلى فئتين: فئة المواطن الكامل (الجزائري المحلي)، والجزائري الناقص (جزائري الخارج) الذي، لظرف ما يتعلق بالهجرة أو بالمنافي، وجد نفسه حاملاً لجنسيتين دون أن يؤثر ذلك على حبه لأرضه ووطنه. وهذا طبعاً لا يحدث إلا في الجزائر، على العكس من الجارتين المغرب وتونس اللتين اختارتا مفهوم المواطنة على التفرقة والبراغماتية والاستفادة كلياً من الهجرة.
فالمواطن المهاجر لا يختلف في حبه لوطنه عن المواطن المحلي، بل يمكن أن يكون مصدر غنى لبلده وللبلد الثاني أيضاً الذي ينتمي إليه. المشكلة في القوانين وليست في المواطن. الدستور نزع من فئة جزائرية حق المواطنة بحجج واهية واعتبرها مواطنة من الدرجة الثانية.
أمر يدعو إلى الغرابة. الجزائري يحب كرة القدم كثيراً، التي أصبحت ظاهرة عالمية يتم من خلالها تسويق صورة البلد، ولكنه يحب أكثر فريقه الوطني الذي أفرحه كثيراً. ولا مرة شكك في انتسابه للوطن، ولا في هويته. البراغماتية العفوية كانت دائماً هي المنتصر.
ماذا يمنحني هذا الفريق؟ أي فرح يضعه في قلب وفي جسد منتهك ومنهك بالخيبات؟ يجب العودة قليلاً إلى الوراء. في سنة من السنوات، اقترح رئيس الفاف، الفيدرالية الجزائرية لكرة القدم، السيد روراوة، تمرير قرار شديد الخطورة والأهمية أيضاً في الفيدرالية الدولية لكرة القدم، يستطيع بموجبه أي لاعب يملك جنسية ثنائية أو متعددة أن يلعب مع الفريق الوطني الذي يختاره شرط أن لا يكون قد لعب تحت راية فريق وطني.
بمعنى، أن من يملك جنسية جزائرية من أبناء الجالية المهاجرة، ممن تم تكوينهم في الفرق الفرنسية المحلية، يستطيع أن يلعب للفريق الوطني الجزائري أو الفرنسي. أصبح بإمكان الفريق الوطني الذي أضعفته سنوات الحرب الأهلية، أن يستفيد من أبنائه ومن خبراتهم الكروية.
النتيجة أن الكثير من شباب الهجرة اختاروا الفريق الوطني، في وقت اختار عدد آخر الفريق الوطني الفرنسي. واستطاع هذا الفريق أن يترشح لكأس العالم بشباب تشكل الجزائر ذاكرةحية لكثير منهم. بعضهم كان قد عانى من عدم اختياره في الفريق الوطني الفرنسي لسبب من الأسباب، وجد في الفريق الوطني الجزائري مجاله للتعبير عن إمكاناته الكروية والانتقام من الذين لم ينتبهوا له.
استطاع مدرب النخبة الوطنية وقتها السيد حاليلوزيتش، أن يكوّن فريقاً وطنياً، أغلبهم كانوا من الجالية الوطنية المهاجرة. طرحت مشكلة اللاعب المحلي واللاعب المهاجر، لكن الوضع فرض المهاجر لأنه خريج فرق عريقة، لدرجة أن تقدمت الفاف، الفيديرالية الفرنسية، بمذكرة تنبه فيها بخطر إفراغ الفريق الفرنسي من إمكاناته الشبابية التي صرف عليها كثيراً لتكوينها. ثم جاء المدرب بلماضي وواصل في نفس سياسة حاليلوزيتش، أي تدعيم الفريق الوطني بالأجدر بغض النظر عن أي مقياس آخر، متخطياً لاعب بورتو القدير رابح ماجر، الذي اختار مسلكاً آخر هو الاعتماد على المحليين فدمر الفريق الوطني، السبب بسيط، هو غياب التكوين في الفرق المحلية، ليكسر الفريق الوطني الذي سجل في عهده أسوأ النتائج حتى مع أبسط الفرق. وأعاد هؤلاء المدربون الخطاب السياسي والدستوري إلى الواجهة، وتم إيقاظ قضية الهويات الدفينة.
وفي وقت وجيز، تمكن بلماضي من أن ينشئ فريقاً متماسكاً معتمداً على الأفضل من أبناء الداخل أو الخارج. وحصل على رهان كأس إفريقيا، بل منح الجزائر على مدى سنة وصيف، وما يزال، أجمل اللحظات وأكثرها كثافة، ويحصل على كأس إفريقيا وكل الألقاب الممكنة: أحسن فريق، وأحسن مدرب، وأحسن هداف إفريقي.
استوعب بلماضي الهوية وبسطها ميدانياً: اللاعب المحلي واللاعب المهاجر جزائريون، ولكل واحد منهم الحق في اللعب لصالح الفريق الوطني، بغض النظر عن الأصول القريبة أو البعيدة. فجأة، أصبح الفريق الوطني ملوناً من العربي إلى الأمازيغي، ومن المسلم إلى المسيحي، واتحدت كل الأصول: كارل مجاني، وأندي دولور من أب فرنسي وأم جزائرية، والحارس مبولحي من أب إفريقي وأم جزائرية، وغير ذلك. وخلق المدرب انسجاماً داخلياً كبيراً يحمل هوية واحدة هي المواطنة والدفاع عن العلم الوطني.
وانضم الشعب الجزائري كله واقفاً وراء فريقه الوطني وسانده، ووقف وراءه، وملأ الملاعب العالمية من أجله. لم يعد هناك الأجنبي، هناك هوية وطنية واستعداد قوي للدفاع والاستفادة من شباب لا أحد يستطيع أن يصادرهم في حقوقهم وخياراتهم. وضرب اللاعبون ومدربوهم عرض الحائط بمواد دستور ميت وغير وطنية، بل يكاد يكون في بعض مواده عنصرياً، فقد فرق بين الشعب الواحد، إذ منع الشباب المهاجر من ذوي الجنسيات المزدوجة، فرنسية كندية جزائرية، إفريقية جزائرية، بلجيكية جزائرية وغيرها، من اعتلاء مناصب في تسيير الوطن. فجأة تحددت الوطنية بمكان الإقامة؟ تأمل بسيط للتشكيلة الوطنية التي منحت الجزائر ليست فقط كأساً قارية، ولكن أيضاً فرحاً غير مسبوق شمل الأربعين مليوناً. لهذا ينكت الجزائريون: إن أكبر حزب سياسي في الجزائر هو الفريق الوطني. ألا يكفي ما حدث في الفريق الوطني للتدليل على أن الوطنية لا تنحصر في هذا أو ذاك، ولكن في القدرة على الإبداع والإضافة، وأن التعددية الإثنية أو الدينية أو الثقافية لم تمنع الفريق الوطني من الوحدة وتحقيق نتائج مهمة في النهاية والارتقاء بالبلاد نحو المصاف العليا؟ هو درس حقيقي من الناحية الرمزية على الأقل، يفترض أن يستفيد الساسة منه بجدية، وإلا سيظلون في دائرة إعادة الصور الميتة المبنية على كذبة الهويات الصافية التي لا شيء من ورائها إلا الإقصاء والعنف والتمزق. ونحن على مشارف الدستور الجديد، يجب إعادة قراءة الأخطاء التي مزقت أبناء الشعب الواحد. وإلا، ماذا نفعل بعلمائنا الكبار عبر العالم، في مواقع عالمية حساسة كالنازا، أو في المخابر العالمية الدقيقة، أو في إدارة مستشفيات العالم الكبيرة والمرتبطين عضوياً بالجزائر؟