رمضان السوريين في فرنسا: صراع السياسة والشعائر والهويات والحجر المنزلي!

أحمد صلال
حجم الخط
0

باريس – «القدس العربي»: الجالية السورية كبيرة في فرنسا عموماً والعاصمة باريس خصوصاً، لذلك نجد شهر رمضان بالنسبة للسوريين في فرنسا، ليس له الخصوصية نفسها، مثلما هو لدى باقي الجاليات الإسلامية، وخاصةً المغاربية منها، التي يجمعها المسجد المغربي الكبير. ولكن هذا لا يعني غياب عناصر التميز والطرافة، لدى السوريين كلياً، خاصةً خلال السنوات المنصرمة من عمر الثورة السورية المجيدة، وإذا كانت غالبية السوريين يعتبرون خصوصية جوهر رمضان حضارية وشعائرية صرفة، فهناك جزء من السوريين يعتبره طقسا ثقافيا، وجوهره أقرب للإسلام الأوروبي – إن صح التعبير – إسلام يمزج بين خصوصية الثقافة الأصلية، مع قدرة على الاندماج مع هوية البلد المضيف. مثلما يتحدث عبد الحميد خليفة، إمام مسجد وصاحب متجر «الشرق» السُوري لـ«القدس العربي».

«تراجيكوميديا»

الكثير من السوريين في رمضان يقصدون المطاعم السورية المنتشرة في باريس، على قلتها، لكنها خاوية هذا العام، بفضل الهجرة التي تبعث على الحزن والسعادة في آن واحد، والحجر المنزلي، حسن محمد، خريج علوم فيزيائية، قال لـ«القدس العربي» يعتبر التسوق في متجر «الشرق»، بين الفينة والأخرى، ضرورة غريزية ومطلبا للتوازن النفسي، خاصةً في رمضان، حيث يكون لثقل الغربة وطأة شديدة الوزن. وإذا كان راود هذه الأمكنة من المثقفين وأبناء الطبقة الوسطى السورية، اعتادوا على الأخبار الآتية من الداخل السوري، ولكن لرمضان هذا العام جروحا لا تندمل، استنفدت كل ما بقي في رصيدهم من معنويات، أخبار لم تطيح فقط بحلم القضايا الكبرى، ولكنها أطاحت بسوريا كلها، نتيجة جنون آلة حرب النظام.
حينما تتجول في هذا الشهر الفضيل في الأمكنة التي يرتادها السوريون لا تحتاج لطرح الأسئلة، وجوه الناس الغائبة عنها، البسمة كافية لتجيب على كل تساؤلاتك، النكبة حاضرة في كل وقت، ولكن في رمضان الجرعة تمسي كارثية، وهذا يبدو جلياً للعلن من خلال الأحاديث الجارية والمتبادلة في ما بينهم.
ولكن التأثر والموقف النفسي لا يجدان تعاطفاً عند قسم آخر، تجد التعليقات الساخرة لديهم، حاضرةً وهم يتابعون دراما رمضان السورية والمصرية، على وجه الخصوص، بشكل طبيعي، وتجد صيحات الفرح حاضرةً بكل وقاحة، وهو ينشر صوره على شبكات التواصل الاجتماعية من بيوتهم والأمكنة التي يرتادونها للتبضع، وكأن لا شيء يحصل، ولو من باب التعاطف الشكلي، أقل المنسوب الطبيعي المطلوب، من أناس يدعون تبني هذه القضايا.
ورمضان السوريين في باريس، لا يمر من دون قصد الأسواق العربية، التي لها بهجتها الخاصة في هذه الأوقات من السنة، حيث نجد في باريس ولاشبيل وستراسبورغ وغيرها من الأحياء التجارية العربية، وجوها سورية كثيرة تقصد هذه الأسواق بغية الحصول على الأشياء التي تميز المائدة السورية، وبأسعار أقل بكثير من غيرها.
لا يفسد الصيام الطويل في فرنسا، والذي يصل إلى 15 ساعة، مضافاً له يوم عمل صارم، بهجة السوريين في رمضان، بل يعتبرونه فسحة للابتهاج، وزيادة جرعة التكافل والتضامن في ما بينهم، وخاصةً في المدن الصغيرة، في مدينة رانس الفرنسية والتي تبعد ما يقارب 150 كلم عن العاصمة الفرنسية -باريس- نجد أن السوريين المقيمين في هذه المدينة، يجدون في رمضان فرصة للإفطار الجماعي، ولكن عند السوريين، يتخذ لبوس الإفطار الجماعي صفة حميمة لا تجدها لدى باقي الجاليات المسلمة، العوائل السورية تتبادل الأدوار في إعادة تدوير وجبات الطعام واستضافة بعضها بعضاً، على مدى الشهر الكريم. ولكن هذا العام يكتفون بالتبادل نتيجة الحجر الصحي، الذي تشهده فرنسا.

إسلام شامي بلا شوائب

تجد الإسلام الشامي لديهم، خاليا من شوائب اللجوء إلى صراعات الهوية المهزوزة، التي تجدها لدى باقي الجاليات المسلمة، ولا هو وسيلة لإشكالية تواصل الهويات، بل هي طــقوس تــحاول استحضار أجوائه في دمشق وحلب وغيرها من المدن السورية.
محــمد حسن، أكاديمي سوري، كما أسلـفنا، يقيم ويعمل في مدينة رانس الفرنسية، يــتابع حديثه للـ«القدس العربي»، قائلاً «من الأشياء التي تعين السوريين على مواجهة شهر رمضان هنا، على الرغم من قساوته الزمنية والمعاشية، وخاصةً في ظل نكبتنا، هي وسائل التكافل عبر الإفطار الإجماعي/العائلي، والذي يغيب هذه السنة»، ويضيف «الفرنسيون يتفهمون طقوس المسلمين بشكل كامل، لذلك هم يعتبرون من أكثر المجتمعات الأوروبية، احتراماً لشعائرنا، لذلك لا يفاجأون حينما نصوم ونؤدي طقوس شعائرنا، ونقصد المصليات بعد الإفطار، وإن كانت هذه السنة ساحات عامة كالحدائق بســـبب الحجر المنزلي».
ويبــقى القاسم المشـترك بين تنوع الـــجالية الســورية، الحـنين إلى روح الألفة والمــشاركة في مــدنهم وبلداتهم ومــكانهم الأم، فــيلازم صــيامهم الــشــعور بالــــحنين إلى هذه الأمكنة والأسى والحزن لبعدهم القسري عنها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية