رمضان بالنسبة للمسلمين شهر مقدس لضبط النفس يُحتفلون به في جميع أنحاء العالم كل عام، حيث يتعين على المسلم الامتناع عن الأكل والشرب من شروق الشمس حتى غروبها. وقد أصبح لشهر الصوم وجود ملحوظ في أوروبا بعدما ارتفع عدد المسلمين في بلدان القارة حتى تجاوز الستة ملايين بسبب التكاثر أو التوسع الديموغرافي، وبسبب الهجرة المتواصلة من مختلف أنحاء العالمين العربي والإسلامي هرباً من الحروب، وبحثاً عن حياة كريمة تحترم الإنسان وحقوقه.
يبدأ شهر الصوم في مختلف مدن وعواصم أوروبا بشكل هادئ من دون إعلانات أو صخب مثلما يحدث في بلداننا العربية والإسلامية التي تحتفي بقدوم الشهر الفضيل. وحتى تحديد بداية هذا الشهر المرتبطة برؤية الهلال تكون متفاوتة حسب مرجعية الجاليات التي تلتزم عادة بضوابط وفتاوى بلدانها الأصلية في هذا الأمر، حيث يختلف المسلمون في الغرب غالبًا على تحديد بداية شهر رمضان ونهايته بسبب عدم وجود مجلس إفتائي موحد في أوروبا يستطلع الهلال، بينما تدخل المرجعية الفكرية ودرجة التدين بشكل فردي في تحديد الرغبة باتباع توجيهات المراكز والجهات الإسلامية أو اللجوء للاجتهاد الشخصي.
بالنسبة للمسلمين الذين يعيشون في دول شمال أوروبا القريبة من الدائرة القطبية الشمالية، يصبح شهر رمضان أكثر صعوبة. ففي بلدان مثل فنلندا والنرويج والسويد وايسلند، تغرب الشمس بالكاد ثلاث ساعات. وهذا يعني أن على المسلمين أن يصوموا أكثر من 20 ساعة، وبعد ذلك يكون لديهم ساعات قليلة فقط لتناول الطعام والشراب والاستعداد لفترة طويلة أخرى من الصوم.
وتعاني الجاليات المسلمة في الدول الاسكندنافية من مشكلة طول نهار رمضان، وقد حاولت مراكز فقهية في مصر أن تضع حلا لهذه المشكلة، إذ سبق وأفتى الشيخ علي جمعة، مفتي الديار المصرية الأسبق، عام 2009 بجواز إفطار المسلمين في الغرب بتوقيت مكة المكرمة إذا زادت ساعات الصيام عن 18 ساعة. ووافقه حينها الشيخ محمود عاشور عضو مجمع البحوث الإسلامية، وحدد في تصريحات صحافية ضوابط الإفطار بتوقيت مكة المكرمة، بأن تكون «هي الأقرب بالنسبة للقطر الذي يعيش فيه المسلمون، وإن لم يكن، فلهم أن يصوموا ويفطروا حسب توقيت أقرب بلد مسلم بالنسبة للبلد الذي يعيشون فيه».
فيما خالف عدد من العلماء هذه الفتاوى، معتبرين أن الصيام محدد بطلوع الفجر شروقا كموعد لبدء الصيام، والمغرب غروبا كموعد للإفطار. وفي هذا السياق، قال أحمد عبد الرحيم السايح، الأستاذ بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، «لا يمكن أن يصوم ويفطر مسلمو الغرب الذين يمتد لديهم النهار حسب توقيت مكة، وإنما يجوز لهم أن يصوموا ويفطروا على توقيت أقرب بلد مسلم لهم، على الأرجح من قول الفقهاء».
بينما اعتبر أغلب أعضاء هيئة كبار العلماء في السعودية إن الإفطار والإمساك على توقيت مكة أو أي مدينة أخرى مرفوض لأنه يخالف نصا صريحا في القرآن، وكذلك كان رأي أغلب مراجع الشيعة في العراق وإيران ولبنان بعدم جواز الصيام بتوقيتات مدينة غير التي يعيش فيها المسلم في أوروبا، فمن وجد حرجا أو ضنكا في صومه، فبإمكانه أن يفطر، ويدفع كفارة إفطاره، ثم يجب عليه أن يقضي صومه في أيام أخر.
موائد إفطار
تنشط العديد من المؤسسات والجمعيات والمنتديات الإسلامية في أوروبا كثيرًا في شهر رمضان باعتباره موسما لتقديم تعريف حضاري بمجتمع الجاليات الإسلامية في دول أوروبا، وعادة ما يتم تنظيم موائد إفطار جماعي للمسلمين وغيرهم كنوع من الانفتاح الثقافي على المجتمعات الغربية، كما تشمل هذه النشاطات إلى جانب الإفطار، برامج ترفيهية وفعاليات رمضانية لتعريف الأصدقاء من غير المسلمين بالعادات والتقاليد الإسلامية وأهدافها والغرض منها بعيدًا عما يروج من جماعات تتبنى وتنشر أفكار الإسلاموفوبيا، إذ يصورون الصوم وغيره من العبادات الإسلامية وكأنها عادات بربرية بسبب قسوتها في نظرهم.
اليوم أصبح صيام شهر رمضان معروفا لأغلب الأوروبيين من غير المسلمين، وقد باتوا يعرفون متطلبات أو التزامات المسلمين في هذا الشهر، ويبدي الكثير منهم تعاونا وتعاطفا مع زملائهم المسلمين في هذا الشهر، ويشير بعض مسلمي ألمانيا إلى ما يفعله الناس عادة في العديد من الشركات، هو تغيير نوبات العمل وتعديل فترات الإجازات وما إلى ذلك لتسهيل الأمور على الزملاء الآخرين. ونفس الشيء يحدث على سبيل المثال في عيد الميلاد، حيث يحاول أولئك الذين لا يحتفلون تغطية إجازات أقرانهم الذين يريدون التمتع بموسم الأعياد مع عوائلهم.
وقد عملت جهات سياسية عديدة في أوروبا على استثمار أجواء رمضان للتحرك نحو الجاليات المسلمة في أوروبا والعمل على ادماجهم في مجتمعاتهم الجديدة عبر مشاركتهم طقوسهم الاحتفالية في هذا الشهر ذو الطابع الخاص لدى المسلمين، وباتت موائد الإفطار الرمضاني تقليداً سياسياً سنوياً في ألمانيا.
كذلك سعى البرلمان البريطاني لدعم المسلمين في المملكة المتحدة ومشاركتهم طقوسهم في شهر رمضان 2018 عندما أقام مأدبة الإفطار الكبير التي حضرها مختلف رجال الطبقة السياسة البريطانية، ورجال السلك الدبلوماسي من الدول الإسلامية، وعدد من رجال الدين البريطانيين من مختلف الديانات. وقد تعود المواطنون المسلمون في بريطانيا على سماع التهاني من رئيس الوزراء مع حلول شهر رمضان كل عام، كما إن الكثير من الحكومات الأوروبية تحذو حذو بريطانيا في هذا السلوك في مسعاها لإدماج كل مكونات مجتمعاتها، وللوقوف بوجه التيارات اليمنية المتطرفة التي تسعى لتأجيج موجات الإسلاموفوبيا.
وفي هذا السياق طالبت وزيرة الهجرة والاندماج الدنماركية إنغر ستويبرغ بأن يأخذ المسلمون إجازة طيلة شهر الصيام. وعللت الوزيرة ذلك بأن الصيام قد يؤثر على تركيز الصائم وقدرته على أداء عمله بشكل جيد، ما قد يشكل مخاطر على السلامة العامة في بعض المهن. وكالعادة وجدت هذه المطالبة من يدافع عنها، فيما رأى فيها آخرون تعارضاً مع حرية ممارسة العقيدة. وقد أشار العديد من المسلمين العاملين في مختلف المهن في أوروبا بأنهم يمارسون عملهم بشكل طبيعي دون ان يؤثر صيامهم على كفاءتهم، لكن من جانب آخر أشار البعض إلى صعوبات نتيجة الامتناع عن الأكل والشروب لأكثر من 16 ساعة، وفضلوا أن يقضوا صيامهم في أيام الشتاء حيث يكون النهار قصيرا.
في الفضاء الثقافي والترويحي لشهر رمضان تسعى الكثير من المؤسسات والجمعيات إلى إقامة حفلات أو دعوات إفطار أو سحور يسودها جو الألفة والتعارف بين مختلف الأفراد وتتنافس على موائد هذه الدعوات الأكلات العربية والشرقية من مختلف المطابخ ما يسهم بالطبع في إضفاء مودة وحالة من التزاوج الثقافي بين المسلمين في الغرب، من خلال التعرف على عادات وتقاليد كل دولة إسلامية وليست العربية منهم فقط.
اقتصاد رمضان
يمكن مشاهدة الكثير من سلاسل محلات التسوق في لندن مثل تيسكو وموريسون وسينزبري، تحتفي بشهر رمضان وبمسلمي بريطانيا عبر تقديم عروض خاصة في شهر الصوم، ويمكن للزائر أن يشاهد رفوفا خاصة قبيل بدء رمضان وقد رصت عليها مختلف احتياجات المسلم للشهر الفضيل من عصائر وحلوى وفواكه مجففة وأطعمة خاصة بشهر الصوم من مختلف المصادر الشرقية. كما أن الكثير من الشركات في المملكة المتحدة تنشر إعلانات التهنئة بمناسبة شهر رمضان، كما حصل هذا العام عندما زينت بلدية لندن كبرى الشوارع منها بيكادلي سركس، أهم ساحة في قلب العاصمة بالنشرات الضوئية مع تهنئة المسلمين بشهر الصوم، كذلك يمكننا ملاحظة إعلانات التهنئة المطبوعة على باصات لندن الحمراء طوال شهر رمضان كجزء من حملة التضامن والتعايش التي يسعى لها الكثير من البريطانيين.
من جانب اقتصادي آخر دعت جماعة «أصدقاء الأقصى» المسلمين في جميع أنحاء أوروبا للمشاركة في حملة تحت هاشتاغ: تأكد من العلامة التجارية #CheckTheLabel عند شراء احتياجات رمضان. لان 50 في المئة من التمور الإسرائيلية يتم تصديرها إلى أوروبا، حيث تستورد المملكة المتحدة وهولندا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا كميات ضخمة من الفاكهة المجففة.
وقال منظمو مقاطعة المنتجات الإسرائيلية هذا العام إن المسلمين في جميع أنحاء أوروبا يتم تشجيعهم على التحقق من ملصقات الفاكهة وتجنب شراء التمر الإسرائيلي في رمضان للتأكد من أنهم لا يفطرون على «طعم الفصل العنصري». وقد صرح شاميول جواردر من جماعة أصدقاء الأقصى ومقرها المملكة المتحدة، بالقول: «باختيار عدم شراء التمر الإسرائيلي في رمضان، يمكن للمجتمع المسلم أن يرسل رسالة واضحة وقوية لإدانة الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني والفصل العنصري في فلسطين».