رموز تحت الشجرة

في دروسنا الجامعية حول الجملة أو المركبات التي تتألف منها، نعمد إلى تمثيلها باعتماد الشجرة، كي نبرز هرمية عناصرها وهذا احتذاء منا باللساني الأمريكي الشهير تشومسكي في النحو التوليدي. الحقيقة أن فكرة هرمية الجملة ليست من بنات أفكار تشومسكي، بل هي فكرة بينتها مدرسة سابقة عليه تكون فيها هي المدرسة التوزيعية، التي تزعمها ليونارد بلومفيلد وتلميذه زليغ هاريس.
هاريس كان أستاذ تشومسكي، لكنه خرج عليه وعلى مدرسته مثلما سيخرج عليه بدوره تلامذته وينعتونه بالعرفاني الأرثوذكسي. كذلك حال العلم في بلادهم لا يَعني التتلمذ عبودية للفكر وللمفكر، ولا يعني الخروج عن أفكار المعلم الأول خارجية، ولا كفراً، بل يعني تأسيساً علمياً جديداً من رحمه يخلق فكر جديد وتعيش أرواح أخرى من عروق قديمة.
المهم أن المشجر بات اليوم شكلا من أشكال التمثيل المعروفة التي نعتمدها في الجامعات لنبين بالحجة كيف أن بناء الجملة ليس خطيا، بل الجملة في طبقات، وأن ما يوجد في الفروع الأولى هو العناصر الأساسية، وأن المركّبات في تلكم الجمل يمكن أن تتفرع بواسطة عقد كعقد الأغصان إلى ما تحتها من فروع ومكونات تحتية. ففي قوله تعالى في سورة النور (35): «كَأَنهَا  كَوْكَبٌ دُري يُوقَدُ مِنْ  شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ» فإن المركّب الإسمي شجرة متفرع تحتيا عن مركب أعلى منه هو مركب الجار (من شجرة) المتفرع بدوره من مركب فعلي هو متفرع أيضا من مكون أعلى منه، إلى أن نصل إلى أعلى طبقة من الجملة. التمثيل بالمشجر يبين للمتعلمين بشكل مبسط هذه الهرمية، التي في المركبات وما هي أنواعها ومكوناتها و»إسقاطاتها» وغير ذلك من العناصر النظرية في نحو تشومسكي التوليدي الذي ليس غرضنا هنا بيان تفصيله، وإنما غرضنا أن نبين فيه كيف أن الشجرة تصلح طريقة في التمثيل البصري لطبقية المركبات وتفريعاتها.
يندرج هذا الضرب من الترميز ضمن ما يعرف بالتجسيد المرئي Visualisation، وتعني استعمال الصور في سياق تمثيلي كي توصل بها رسالة أو فكرة مجردة كفكرة هرمية بنية الجملة مثلا. وفي هذا السياق تطورت دراسة النحو بفنونه المختلفة بالاعتماد على هذه الضروب من التجسيد المرئي الذي يوضح بالأشكال ما يمكن أن يكون عسيرا من أفكار، وربما كانت اللسانيات العرفانية أكثر من اللسانيات التوليدية في اعتماد أشكال التصوير. والحقيقة أن التمثيل بالمشجر ينافس طرقا في التمثيل الأخرى، المعتمدة في دراسة الجملة ومنها طريقة التمثيل بالصناديق، المأثورة عن اللساني الأمريكي هوكيت (1916-2000) Charles F.Hockett التي يسميها التلامذة والطلبة في تونس بـ«الصندقة» تسمية شعبية لا يقبلها المدرسون، وإن كانت رائجة كثيرا في صفوف المتعلمين. وعلى الرغم من أن كثيرا من ملامح صندوق هوكيت أذهبتها العادة المدرسية، فإنها تلقى، باعتبارها ضربا من التجسيد المرئي، قبولا أوسع من طريقة المشجر. لكن الإشكال في استعمال هذه الأشكال أن المعلمين والمتعلمين يعتبرونها اليوم جزءا من المعرفة، وليست طرقا في التمثيل، وهذا يجعلها موضوعا للاختبار والتعلم في ذاتها، وليست شكلا من أشكال تبسيط المعلومات. ثقافة الصناديق هي غير ثقافة المشجر لأن الصناديق وإن كانت تمثل الهرمية المذكورة، فإن تمثيلها لها، ثانوي لأن ما يؤدي إليه التحليل بالصناديق، أن هناك حدودا «خشبية»(على افتراض أن الصناديق مادتها خشبية) بين المستويات الأفقية أو العمودية، ومعلوم أن الحدود الأفقية في التراكيب ليست مقصدا لذاته في تمثيل عناصر الجملة، لأنها جزء لا من بنية هرمية، بل من بنية تجاورية، والفرق بينهما عسير إدراكه عند المتعلمين بواسطة هذه الحدود، التي تفصل صندوقا عن آخر ينتميان إلى المستوى نفسه.

وأنت تجلس تحت شجرة لا تفكر إلا في ظلها في يوم حار، أو تختبئ تحتها من الأنواء في يوم قار لا تنس أنك تجلس تحت كيان مشحون بالرموز، من أبرز رموزها هذا الكيان الذي أسميه أنا ويسميه الآخرون أنت. أنا وأنت شجرة تهزها الرياح وتنحني مثلها كي لا تنكسر ريثما تنكسر.

لكن الشجرة وتمثيلها في العلوم، ليس حديثا فقديما اعتمدها علماء الأنساب باعتبارها طريقة من طرق التمثيل، لارتباط فروع من نسب واحد بأصل عرقي أعلى جامع لأشتات النسب. كان أبو العباس أحمد القلقشندي قد اعتمد هذا التمثيل في كتابه «نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب» في القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي؛ ويظهر استحضاره لهذا الشكل المشجر في أول فصول الكتاب وقد عنونه: «في ذكر عمود نسب النبي (ص) وما يتفرع عنه من الأنساب» في لفظ العمود تسمية مشتركة ومقصودة بين الهندسة، هندسة البيت والشجرة. فالعمود هو القضيب الذي يمثل الجذع الأكبر ويرمي بجذوره في الأرض. وفي أسماء الأنساب ما يجمع بين معنى الشجرة والجسد البشري (مثل البطن والفخذ) لكنّ في هذا الالتحام ضربا من العظْل، أي التراكب بين نوعين من جنس واحد (الحي: شجرا وبشرا) وفي هذا التعاظل ما يدل على عمر الرمز وحركيته. فالرمز لم يستقل مثلما بيناه في التمثيل عن الجملة أعلاه، بل ما يزال ملتبسا بالمرموز له، كأن مستعمليه لا يثقون في وضوحه، أو هم خائفون من غموض ما بين الرمز والمرموز له من اعتباط. في مسألة الأنساب ما يعكر صفاء استعمال الشجرة رمزا، من ذلك مثلا أننا نجد في حديث القلقشندي عن شرف قديم أو شرف تليد، الشرف الأول يمكن أن يدوم لكنه يمكن أن ينقطع والشرف الثاني يمكن أن يعلو على شرف الأقدم؛ ويظهر هذا في تعليقه على نسبة آل ربيعة إلى البرامكة فيقول، «والبرامكة وإن كانوا قوما كراما، فإنهم قوم عجم وشتان بين العرب والعجم.. قال الحمداني: وفي آل ربيعة هؤلاء جماعة كثيرة أعيان لهم مكانة وأبهة». في رمز الشجرة ما يقض مضجع النسب، إن كان مَعْزُوا إلى الشرف، لأن الشجرة لا ينظر إليها من جهة تفريعها المحايد، بل من جهة طيب ثمرتها ونقاوة جذورها وعبق زهرها، وهذه عناصر لا تتوفر مسترسلة في كل الأنساب.
في رمز الشجرة القديم ما يدل على أن للشجرة قداسة فقد ورد في الحديث عن أبي واقد الليثي، إن رسول الله (ص) لما خرج إلى حنين مرّ بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط، يعلقون عليها أسلحتهم، فقالوا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط. فقال النبي (ص) سبحان الله، هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة؛ والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم.
أن تُعبد الشجرة فليس هذا بجديد لأنه وحسب Werner Csech فإن البشر في أول عهودهم بالعبادة اعتمدوا الأشجار رمزا في العبادات، لما فيها من انتصاب عمودي يمكن أن يوحي بمركز الكون، وأن يوحي بواسطة بين العالم الأرضي والسماوي، بل إن محور العالم كان يتخيل على أنه شجرة. وفي «رسالة الغفران» لأبي العلاء المعري، حدث عروج ابن القارح من شجرة مباركة تجسيدا لقوله تعالى «مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء» (إبراهيم 24). إذ جاء في الرسالة « وقد غُرس لمولاي الشيخ الجليل ـ إن شاء الله ـ بذلك الثناء شجرٌ في الجنة لذيذ اجتناء، كل شجرة منه تأخذ ما بين المشرق إلى المغرب بظل غاط، والولدان المُخلدون في ظل تلك الشجر قيام وقعود، يقولون والله القادر على كل شيء عزيز: «نحن وهذه الشجر صلة من الله لعلي بن منصور، نخبأ له إلى نفخ الصور». في هذا العروج المعلل تاريخيا ورمزيا، عبر ابن القارح السردي من عالم مؤقت إلى عالم الخلود.
وأنت تجلس تحت شجرة لا تفكر إلا في ظلها في يوم حار، أو تختبئ تحتها من الأنواء في يوم قار لا تنس أنك تجلس تحت كيان مشحون بالرموز، من أبرز رموزها هذا الكيان الذي أسميه أنا ويسميه الآخرون أنت. أنا وأنت شجرة تهزها الرياح وتنحني مثلها كي لا تنكسر ريثما تنكسر.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية