بالرغم من الاختلال الكبير في ميزان القوى بين المقاومة الفلسطينية وبين العدو الصهيوني الذي يحتل جيشه ترتيبا متقدما بين جيوش العالم، فإن استبسال أبطال المقاومة المتسلحين بإيمانهم بربهم ثم بعدالة قضيتهم قد عكس هذا الميزان لصالحهم، فقد فاجؤوا العدو -بالرغم من امتلاكه رابع ترسانة عسكرية على مستوى العالم- بتسديد ضربات موجعة وأمسكوا بزمام المبادرة في إدارة المعركة، وما برحوا -منذ بدء العدوان الغاشم- يصلون بصواريخهم إلى أهدافهم في عمق الأراضي المحتلة بإصابات عالية الدقة وبوتيرة عالية، فضلا عن تمكنهم -من وقت إلى آخر- من التوغل التكتيكي -برباطة جأش منقطعة النظير وبتكتيك عسكري غاية في الدقة- إلى ما خلف خطوط العدو ومن ثم تنفيذ مهام إغارية عسكرية خاطفة ناجحة نجاحا مذهلا لم يكن يخطر للعدو – في كل الأحوال- على بال.
بل لقد تمكن المقاومون الفلسطينيون الأشاوس -باستمرارهم في تسديد الضربات الصاروخية بكميات كبيرة- من تيئيس العدو من جدوى الضربات الجوية في التعامل مع المنصات الصاروخية مستدرجيه إلى ما يتعطشون له من مواجهة برية، ثم لم يلبثوا أن يخوضوا مع قواته المهزومة نفسيًا معارك برية ضارية مكبديها -في غضون أيام قليلة- خسائر باهظة في الأرواح والعتاد.
ولما رأت القيادة العسكرية العليا للكيان الصهيوني أن قواتهم تقدم تلك الخسائر الباهظة في الأرواح والعتاد بشكل يومي معتاد، في الوقت الذي يزداد المقاومون -في خوض معاركهم- اندفاعا، وتزداد معنوياتهم ارتفاعا، نعم لما كانت نتائج ما كانوا يزعمونه اجتياحًا بريًا مخيبًا لآمال الصهاينة إلى حد كبير، حين لم يحدث اجتياحهم المزعوم – في القدرات العسكرية للمقاومة- أدنى تأثير أصيبوا بحالة هستيرية ألجأتهم إلي إمطار الأحياء السكنية بوابل من القذائف الصاروخية والقنابل العنقودية التي ينجم عنها مجازر ترقى إلى مستوى المجازر الجماعية حتى لم تعد تسلم منها الطواقم الإسعافية والهيئات الإغاثية ذات المهام الإنسانية البحتة.
وما من شك أن قيادة دولة العدو تهدف من ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية في حق المدنيين الفلسطينيين(الغزيين) إلى إيصال سكان القطاع إلى حالة من التذمر من المقاومة وتحميلها تبعات ما يحل بهم -طلية ساعات الليل والنهار- من قتل ودمار، ثم لا يلبث الصف الفلسطيني في القطاع أن ينشق بانفراط عقد السكان المدنيين من حول الأبطال المقاومين.
لكن النتائج جاءت على العكس مما أمل الأعداء، فقد ازداد التحام سكان القطاع بعناصر المقاومة الفلسطينية هناك لسببين اثنين هما:
1- إدراك المواطنين الغزيين أن الصف المقاوم يسعى -صباح مساء- إلى التضحية بالحياة دفاعًا عن أبناء شعبهم حتى يعيشوا على تراب أرضهم مرفوعي الرؤوس شامخي الجباه.
2- أن المقاومين الفلسطينيين في عموم القطاع جزء أساسي من نسيجه المجتمعي، إذ ربما لا يوجد في القطاع أسرة واحدة ليس فيها مقاوم، بل إن بعض الأسر الفلسطينية(الغزية) تجود بالمقاوم والمقاومين والثلاثة، بل إن إيمان هذه الأسر بعدالة قضيتها تحملها -في حال تشرفها باستشهاد شهيد- على الدفع إلى ساحة الوغى من أبنائها بالمزيد.
ولهذين السببين الموضوعيين فإن رهان العدو الصهيوني الذي ظنه قادته الرهان الأمثل رهان محكوم بالفشل، إذ أن ارتفاع وتيرة عدوان العدو الصهيوني الغاشم يعزز ما بين المواطنين الفلسطينيين(الغزيين) وأبنائهم وإخوانهم في خنادق الصف المقاوم من تماسك وتلاحم، ويضاعف ما بينهم من فرص التفاهم والانسجام والتناغم، لما من شأنه تحقيق المزيد من الصمود الثبات حتى يتم بعون الله انتزاع حقوق جميع الفلسطينيين بمن ذلك فلسطينيو الشتات، ولما من شأنه العمل -أولا بأول- على إطلاق سراح ما يزيد على عشرة آلاف معتقل.
عبدالسلام التويتي