رواية «أثلام ملغومة بالورد» لصابرين فرعون: الكتابة بهاجس النسوية

حجم الخط
0

لا بد أن نميز في البداية بين الأدب المكتوب بقلم المرأة، وهو الأدب النسائي قاطبة والنسوية باعتبارها توجهًا في الكتابة يلتصق بالخطاب المطلبي، الذي عرفت به الحركات النسائية مقاومة للتمييز وطلبًا لحقوق اجتماعية حُرمت منها، فلقد ظل الأدب النسائي طويلًا ملتبسًا بمشاغل الحركة النسوية، مقتصرًا على ترديد الخطاب النسائي في أنوثته ومشاغله الاجتماعية ومتبنيًا مطالبه، فشكلت النسوية مدخلًا لدراسة هذا الأدب، وتوقف النقاد عند البوح الأنثوي ونضال المرأة من أجل قضاياها الذاتية، وصراعها مع الرجل والبيت والسلطة والمجتمع التقليدي، وغير ذلك من المواضيع. ولعل هذا المسار مرتبط ببدايات التجارب الروائية النسائية التي كانت محكومة بهذه الهواجس النسوية. إذ «اتصف السرد النسوي إلى وقت قريب بالتناول العاطفي والذاتي والرومانسي والميلودرامي غالبًا، والواقعي والتعبيري والانطباعي قليلًا، لهموم المرأة وقضيتها إزاء القهر الاجتماعي» (عبدالله أبوهيف التشكيل السردي الأنثوي في الرواية العربية /دراسات الملتقى الدولي التاسع للرواية عبدالحميد بن هدوقة الجزائر دار الثقافة بوعريريج).
فالمرأة الكاتبة تتخذ من الكتابة مجرد وسيلة جمالية للنضال من أجل قضاياها، وما الكتابة سوى وجه نضالي للتعبير عن المكبوت والممنوع والمنشود، فهي «تتوق من خلال ممارسة فعل الكتابة الروائية إلى تكريس هوية الأنثى بتبني قضايا المرأة، وتقديم البدائل الممكنة لها» (بوشوشة بن جمعة: الرواية النسائية المغاربية) ورغم توسع مجالات اهتمام الكتابة النسائية يظل البعد النسوي حاضرًا في التجارب الجديدة، التي تواصل كتابتها لواقع البيت العربي وما يشهده من قضايا تتجدد وتتبدل، ولعل رواية صابرين فرعون «أثلام ملغومة بالورد» تصب في هذا الاتجاه، حيث يغلب عليها صوت النسوية المحتج على واقع المرأة الفلسطينية والعربية عمومًا.

المرأة الكاتبة تتخذ من الكتابة مجرد وسيلة جمالية للنضال من أجل قضاياها، وما الكتابة سوى وجه نضالي للتعبير عن المكبوت والممنوع والمنشود.

في الإهداء:

تشكل عتبة الإهداء علامة بارزة لكشف خبايا النص وأفكاره، ولعل قارئ هذه الرواية يلمس هذا الهاجس النسوي في إهدائها، فالرواية تهدى إلى المؤنث وإلى أنماط نسائية متصادمة مع الرجولة والذكورة، وتعيش الاضطهاد، فتقابلنا في نص الإهداء المطول الكثير من الكلمات المفتاحية، التي تبرز لنا أهمية النسوية في الرواية، «إلى من أتأمل غفوتها بين ذراعي النوم تلثم طفولتها الموؤدة وزواجها الغائر- إليهن تحدبت ملامحي وتقوس صوتي من صرخاتهن البكماء – إلى شجرة رفضت الانحناء لفأس الذكورة ومنحت أصابعها النقش على التراب – إلى بعض النساء ما أقواكن وما أشجعكن وأنتن تروين تفاصيل الهروب من عتمة السجن، ولا تلتفتن للوراء إلا لتقسن المسافة بين الشوك والورد…» فالإهداء يُلمح إلى ألم المرأة وتعرضها للعنف ويحمل نوعًا من اللوم لمؤسسة الزواج ومواجهة الذكورة، وهو مشحون بخطاب ينتصر للنسوية ولقضايا المرأة..
هذا الإهداء التضامني مع أطياف واسعة من المضطهدات، تعيد كتابته الرواية حكائيًا، فيصبح نوعًا من الاختزال للحكاية ولرسالة الرواية، باعتبار عتبة الإهداء تشترك مع العتبات الأخرى في كتابة خطاب واصف يستبق الرواية.

تكتب الرواية واقعًا اجتماعيًا عربيًا في حقيقة الأمر، محاكمة الذكورة والمجتمع الأبوي، وتطرح الرواية جملة من قضايا المرأة مثل: العنف الزوجي والطلاق والاستقلالية.

الأب القامع

تبدو العلاقات بين شخصيات الرواية قائمة على الاضطهاد، فالساردة وأمها وإخوتها يتعرضون إلى اضطهاد عائلي، ويبدو الأب قامعًا وديكتاتورًا، تشتكي الساردة من شخصيته ومن قمعه لأمها وللأبناء، قمعًا اشترك فيه مع أفراد عائلته، وهي تسحب منه كل رمزية إلى درجة تتخلى أحيانًا عن مناداته بأبي وتذكر اسمه إسقاطا للأبوة وتجاوزًا لها وهي تقول «لم نعهد منه حنان الأب، أو حكمة رب البيت يومًا». مقابل هذا الأب تظهر الأم ضحية يُمارس عليها عنفه المتواصل والمتوحش، تتكرر مظاهره في الرواية:
«سبحت والدتي بدمها، لكمها والدي فؤاد عدة لكمات على أنفها وفمها، ثم ضربها بالحزام وصبغ جسدها حتى أغمي عليها». ويطال هذا العنف وهذه المعاملة القاسية الأبناء: «لم يتوان عن أهانتنا لفظًا وضربنا بيديه أو الحزام ضربًا مبرحًا أمام أهله».
هذه الممارسات أسفرت عن الطلاق وزواج الأب من امرأة ثانية تدعى هند، وقد مارست بدورها عنفًا على هذه العائلة وبلغ الأمر المحاكم وزاد الوضع سوءاً.

محاكمة الذكورة:

تكتب الرواية واقعًا اجتماعيًا عربيًا في حقيقة الأمر، محاكمة الذكورة والمجتمع الأبوي، وتطرح الرواية جملة من قضايا المرأة مثل: العنف الزوجي والطلاق والاستقلالية وغير ذلك من المسائل، وهي بذلك تحاكم مؤسسة الزواج التي بدت الساردة رافضة لها ومتذمرة منها، فهي تعلن رفضها للعديد من الرجال الذين تقدموا لخطبتها رغم إلحاح أمها وصديقاتها معلنة رفضها لقمع الرجل: «لست بحاجة لرجلٍ يعاملني كجارية، يعرف حقوقه الزوجية ولا يعرف واجباته، طالما أنا قادرة على العمل ومستقلة ماديًا لست بحاجة إلى مصيبة أخرى في حياتي..». وهي لا ترى فرقًا بين والدها والآخرين: «أبي وأعمامي والعائلة نسخٌ مصغرةٌ من بعضهم وإن لم يطق أحدهم الآخر».
هذه الرواية تنخرط في الخطاب النسوي، مبرزة جحيم العنف ضد المرأة، وهي بذلك تحاول كتابة جانب من مشاغل المرأة الفلسطينية، ولعل هذه القضية الراهنة تشهد تمدداً «انتشرت في السنوات الخمس الأخيرة قضايا العنف الموجه ضد المرأة في فلسطين، حالات تقشعر لها الأبدان، وبعض الأسر تتستر خوف الفضيحة، أغلب الحالات تندرج تحت مسمى قضايا الشرف حتى لو لم تكن».

٭ كاتب تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية