رواية «إيريس» لليمني حميد عقبي: تحليل سردي ولغوي

حجم الخط
1

إن قارئ رواية «إيريس» لليمني حميد عقبي، الصادرة عن دار الدراويش للنشر والترجمة، أبريل/نيسان 2024، يجد نفسه منذ البداية منجذبا إلى متابعة ما تسرده لنا من أحداث وما تعرضه من شخصيات، سرعان ما تشكلتْ بينها علاقات وتداخلتْ في نسق سردي متحول قد يرتفع حينا أو ينخفض حينا آخر. ومن هنا بدا السارد متوقعا ردة فعل المتلقي فى إطار ما أصبح يُعرفُ بجماليات التلقي، فقد سعى إلى جعل من يقرأ روايته يندمج فيها فلا يصيبه الملل، وهذا يهدف إلى كسب ود القارئ وتعلقه بالرواية. وعليْه كان على الكاتب حميد عقبي البحث عن آليات لغوية وأخرى سردية فنية تحقق لنصه أدبيته المختلفة وتحافظ على تألق السرد وحيويته مما يحث القارئ على شغف القراءة، فكيف بنى الكاتب/السارد عالمه السردي؟ وهل نجح في كسر الحاجز النفسي بين روايته وقارئها.
تتكون هذه الرواية القصيرة من ثلاثة فصول، الفصل الأول والثاني متقاربان في الطول، أما الثالث فأقصرهما. منذ البداية نجد الراوي وهو شخصية مشاركة في الأحداث يعتمد ضمير المتكلم في سرده وفي علاقته بالشخصيات الأخرى، لذلك سعى إلى إدراج القارئ في أسطورة مكسيكية، قد تجعله يتساءل عن مغزاها، أو يبحث في دلالة استخدامها وفي علاقتها بالنص على المستوى السردي الفني وفي علاقتها برؤية الكاتب وغاياته من اللجوء إلى هذه الأسطورة.
فمن خلال بداية الفصل الأول قدم لنا الشخصية الرئيسية «إيريس» وبين لنا علاقتها بالمكان (القرية المكسيكية) وبالشخصيات الأخرى، خاصة صديقتها ومدرستها «فرنندا» التي سيكون لها دور مهم في تطور الأحداث، بعد نجاحها في إقناع «إيريس» بكسر حاجز الأسطورة (العادات والتقاليد) للإفلات من موت محقق. ثم ينقلنا الراوي إلى علاقته بإيريس فيترك لها مهمة الحكاية، ثم يعود بعد ذلك إلى كيفية تعرفه إليها، وتتدفق الأحداث وتتركز أكثر في ارتباط مباشر بشخصيتيْ الراوي وعشيقته إيريس وهما يعيشان حياتهما اليومية بكل تفاصيلها دون الابتعاد عن تلك الأسطورة المكسيكية التي كانت تطل بين الحين والآخر من خلال الأحداث وهي إحدى الطرق التي اعتمدها حميد عقبي لشد المتلقي لمتابعة روايته بالمحافظة على حيوية السرد، لذلك نجده يوظف ثقافته الفنية والإبداعية مثل، السينما بما أنه ينطلق من تجربته في هذا المجال، فنرى المشاهد في الرواية تحضر بقوة، ما يضاعف من تنوع وتيرة القص داخل النسيج السردي لهذه الرواية القصيرة. ومن جهة أخرى يسعى الكاتب إلى جعل سرده سلسا يتماشى مع تلك الحيوية، فنجد الجملة السردية التي اعتمدها في بناء عالمه السردي قصيرة، غير معقدة أو مركبة على مستوى التركيب، وهذا يساهم في دفع مسار السرد وشد المتلقي حتى لا يشعر بالملل.
وهنا علينا الحديث عن اللغة التي استخدمها الكاتب في السرد، فالمعجم اللغوي المنتشر على كامل أجزاء الرواية، وكان حضوره أبرز هو المعجم الرومانسي وهو معجم قريب من إثارة مشاعر المتلقي وتحريكها وتحفيزها، وهذا يزيد من تعلقه بالرواية فلا يفقد شغفه فجأة. فالسرد بدا في هذه الرواية القصيرة نابضا بالحياة يستعير من الشعر ذاك الألق وتلك الشعرية، دون أن يتخلى عن سردية السرد. كما لا تفوتنا الإشارة إلى استخدام الكاتب لأسماء أماكن بعينها في فرنسا، وهي أماكن مرجعية عاش فيها وما زال يمارس فيها حياته، وهذه طريقة أخرى اختارها حميد عقبي ليجعل ذهن القارئ لا يكف عن البحث والتساؤل فهي أماكن لها أبعادها ودلالاتها، خاصة إذا ما ربطناها بمحتوياتها (تلك المقتنيات الدينية المتنوعة/ أو مقتنيات إيريس، أو ما أنواع الطعام والشراب) أو في علاقتها بتطور الأحداث نحو نهاية قد تكون مفاجئة وغير متوقعة في الفصل الثالث الأخير.
ملخص القول من خلال القراءة الأولى، أن هذه الرواية التي اختار لها الكاتب أن تكون قصيرة عن وعي منه بتحول ذائقة المتلقي استطاع أن يلتزم فنيا بمقتضيات الكتابة الروائية وأن يطبعها بطابعه الخاص فلا ننسى أنه شاعرٌ وكاتب مسرحي وكاتب سينمائي وتشكيلي، وهذه الأبعاد ألقتْ ظلالها على نصه الروائي، فعلى قدر اكتناز الرواية وتكثيفها على قدر حيويتها وروْنقها، فإذا ثقافتها من ثقافة كاتبها وثرائها من ثرائه. وهو ما يضمن قراءة ممتعة قد يجد فيها القارئ شيْئا من ذاته.

ناقد تونسي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية