رواية التونسي حافظ محفوظ «اليوم خُلعَ عني الملك»: الرسائل وخطاب المراجعة والتأويل

عادل ضرغام
حجم الخط
0

في «اليوم خلع عني الملك» للروائي والشاعر التونسي حافظ محفوظ هناك مجموعة من السمات العامة لخطابات الشعراء الذين يتحولون إلى كتابة الرواية، ويمكن أن نجد حضورها واضحا، وتتجلى أولى السمات واضحة في الحفر الرأسي بعيدا عن الأفقية النامية والتنميط السردي. يستدعي الحفر الرأسي نوعا من التأمل المفضي إلى الثبات، تتشكل في إطاره لحظة صمت أو توقف لمعاينة العبارات والجمل ولاستجلاء ملامحها، فالعبارات والجمل لا تتحرّك سرديا في اتجاه النمو، ولكنها تتجذّر في مكانها بحثا عن عمق يجلّي اللحظة، من خلال الصور التي لا تحيل إلى دلالة ناجزة يمكن الإمساك بها، ولكنها تتحوّل إلى تعابير تتجاوب فيما بينها لنقل الحالة.

فسرد أو روايات الشعراء تشعرك دائما بالحركة في كل فقرة كأنها نقلة، ولكنها داخل الفقرة تتوشّح من خلال عملية الشحن ببنية صورية وعطاء دلالي، مثل صور السقف المتأثر بالمياه، وتشكلها في حالي الوصال والابتعاد، أو اعتبار الجنس- في منطق رفيقته عزة – صلاة إلى الله، أو حين تتحول الكلمات إلى رموز كاشفة لحال الثبات والتيبس في قول النص: (أنا في حاجة إلى كلمات غير التي أعرفها لأصور لك ما يعيش بداخلي، كلمات سوداء مخيفة ذات أظافر وأنياب).
تزداد الصعوبة في مقاربة الرواية إذا أدركنا ان الرواية معنية بمقاربة جادة لخطابات التاريخ الخاص بتونس في بداية النصف الثاني من القرن العشرين، وهي خطابات مشدودة إلى نسقين: أحدهما ذاهب للتلاشي، والآخر يؤسس جذوره بالآلة الإعلامية الموجهة التي تطمس ما يباين توجهها، فالأول من خلال رسائل الشاذلي الأمين باي المتخيلة، يحاول أن يؤسس تاريخا مغايرا للمتفق عليه، من خلال النبش بهدوء وتكرار في النقاط الجارحة، والآخر نسق الجمهورية مع بداية حكم بورقيبة. وفي ظلّ هذا التوزع الثنائي بين نسقين تتشكل الانتماءات الأيديولوجية، ومحاولات الهدم والتثبيت في كتابة التاريخ.
تؤسس الرواية منطلقا موضوعيا لمعاينة هذه الخطابات، ومساءلة الفجوات، ونقاط الضعف في كل خطاب، والانتباه إلى حوادث تمّ إبعادها بتعمد واضح، من خلال وضعها في بؤرة الاهتمام، فهي رواية تساؤل أو مراجعة لكل خطاب، خاصة في الجزئيات التي تشكل نقاطا حرجة في نقمة الشعب على الحسينيين. فبايات تونس – امتدت فترة حكمهم 252 سنة – كانوا أصلا أمراء ممثلين للدولة العثمانية، وأصلهم من جزيرة كريت التابعة للجزر اليونانية، وكان مؤسس دولتهم حسين باي الأول قائدا للخيالة في الجيش العثماني، وآخر ملوكهم الأمين باي.

الرسائل خطاب المهزوم

تتجاوب جزئيات العمل الروائي للحركة داخل إطار معرفي يتمثل في طرح التساؤلات الخاصة والمستمرة نحو الماضي، وتخليصه من نعرات المنتصر وسكون المهزوم باستعادة صوته والإنصات إليه، وذلك للإفلات من التكرار الدوري للحدث (الأمين باي – بورقيبة – زين العابدين بن علي)، وكأن الرواية تنظر بعين ناقدة للخروج من هذا النفق، وهذا لن يتمّ إلا بالتصالح مع التاريخ أو الماضي من خلال مساءلته المستمرة. في ظل هذا الهدف هناك اتكاء خاص على الفردي والعام، فالرواية تبدأ من خلال سارد – قبل تلقيه لنص رسائل الشاذلي إلى أخته تاج الملك ليليا الحسيني – له سمات خاصة مثل فقدان الشغف والثبات والرتابة، فهو إشارة للشبيه والنظير. وتأتي هذه الرسائل- بوصفها جزءا من مكونات العمل الروائي – وسيلة لإعادة الاتصال بالماضي القريب، تمارس تهشيما في الخطاب المهيمن، وتجرح الاتفاق حوله، فتقدم لنا هذه الرسائل نسخة مغايرة، يبثّ صاحبها مرتكزاته الدفاعية من خلال تمرير حوادث وروايات مغيبة أو مطوية، لا يعرفها كثيرون.
الرسائل في الرواية في اتجاه واحد، فالمرسل إليه لا نشعر بوجوده إلا من خلال إشارات خافتة من المرسل، وهي إشارات تكشف عن تجاوب في الرد لفترة، ولكن انقطعت الاستجابة، وبالرغم من ذلك استمرت عملية الكتابة، وهذا يؤشر على تغييب وظائف محددة للرسائل، وميلاد وظائف جديدة، وتحولها من بنية مغلقة بين مرسل ومتلق، إلى بنية عامة تستهدف القارئ العام لا القارئ المحدد، فالتغييب هنا مختص بوظائف الإبلاغ، والميلاد يرتبط بوظائف وثيقة الصلة بالمرسل وبالهدف من الرسائل لتتساوق مع أفكار مثل الإفضاء والاستقواء والبوح.
الرسائل وسيلة فردية في تعقب الذكريات التي تهب أثناء مواجهة الذات، تؤثر توجهات عديدة في تجليها حين تقترب من أماكن الحنين، لصنع انسجام خاص، وتبتعد عما ينغص على الذات وجودها، وهي لا تخضع لقانون سوى قانون الذات وتكوينها شديد التعقيد والالتباس، فهي مشدودة للحي من الذكريات التي تركت أثرا ممتدا لا يمحى بمرور الزمن، فانطبعت حدودها وظلت صامدة، فهناك في هذه الرواية تأسيس وتثبيت لأماكن الألفة، للإشارة إلى طبقة محيت تحاول أن تستبقيها وتسترجعها. الرسائل هنا في هذا العمل وسيلة لمقاومة الوحدة والرتابة، وأداة للتعاظم على الألم، تقوم بها ذات تشعر بالغربة والمحو والتلاشي، مستندة إلى لحظات سابقة، لكي تجعلها لحظة صلبة تتعاظم على النسيان، تستبدل من خلالها واقعها الذي فقدت وسائل الاتصال به في ظل سيادة نسق جديد.
إذا أردنا آلية فاعلة لبنية الرسائل التي تشكل خطاب المهزوم فإننا سوف نتوقف عند فاعلية التكرار لبعض الجزئيات التي لا يخلو تكرارها من فاعلية من ارتباط بمنحى دفاعي، لنفي التهم، ويمكن أن نتوقف في ذلك السياق عند مقتل ولي العهد عز الدين باي شقيق الأمين باي، فقد تكرر الحديث عن هذا الأمر أكثر من مرة، وربما يكون لهذا التكرار وظيفة خفية تتأسس في فكرة نفي الضلوع والاشتراك في قتله، خاصة في ظل وجود روايات أفصح فيها عز الدين باي عن إحساسه بالمراقبة من قبل أخيه، فالرسائل- بالرغم من كونها توجه الفعل نحو تورط بورقيبة والحزب الدستوري في مقتله وتحدد الفاعل في شخصية الهادي جاب الله من خلال روايات تمّ التوقف عندها- لا تكتفي بهذا التوجيه ولكنها تؤمّن البراءة من خلال الاتكاء على فعل التكرار من جانب، ومن جانب آخر تلحّ على الأثر النفسي الذي تركه مقتل عز الدين في سلوك وحركة الأمين باي.
النقطة الأخيرة تتمثل في كنز ومجوهرات الحسينيين أو كنز البايات، وهي القضية التي حكم على الشاذلي فيها بالسجن خمس سنوات، وقد جاء النفي في نص الرسائل واضحا ومكررا، ولكنه نفي في حد ذاته لا يخلو من فجوات يمكن الاشتغال عليها ومناقشتها.

خطاب المراجعة والتأويل

يمارس خطاب الرواية تعرية لكل الخطابات التاريخية، الخطاب المساند لبورقيبة، والخطاب الآخر المساند للبايات أو الذي يحاول طمس الصورة النمطية المؤسسة في التعاون مع الفرنسيين، وادخار الكنوز والمجوهرات والحياة المرفهة في مقابل فقر وعوز الجميع. لم يتح الخطاب الروائي جزئية نصية تعبيرية لخطاب مناصري ومؤيدي بورقيبة انطلاقا من كونه الخطاب المهيمن، وربما عليه شبه اتفاق، ويعد أكثر صلابة وحضورا، واكتفى بمنح الصوت للخطاب المهزوم الهامشي من خلال رسائل الشاذلي إلى أخته، ولكن خطاب الرواية في إطار منحاه المعرفي لا يعطي لأي خطاب سطوة أو قيمة دون مساءلة، ولهذا جاء الجزء الثالث في الرواية ليأخذ منحى نقديا لقراءة الرسائل، والإشارة إلى جزئيات ضعفها وفجواتها، للوصول إلى رسم دقيق للأدوار الحقيقية.
ففي ظل جدل الخطابات وآليات التثبيت والتقويض التي يتمتع بها صانعو الخطابات السياسية، تأتي رواية «اليوم خلع عني الملك» لتؤسس إطارا يتشكل في حدود فكرة المراجعة المستمرة للتاريخ من خلال تأمل الخطابات ومناحيها الأيديولوجية للوصول إلى الفجوات الخاصة بها، والاشتغال عليها وفق مرشدات تجعل عملية المراجعة عنصرا أساسيا فاعلا.
وقد تمّ تشكيل السارد- لكي يقوم بفعل القراءة والتفكيك – تشكيلا خاصا من خلال الصفات الشخصية في حدود صفتي (التأمل)، و(الاختلاف) في مقاربة الحياة، بالإضافة إلى التمكن من قراءة الوثائق لدراسته وتميزه في البحث التاريخي، وكأن في ذلك توجيها مبطنا لحدود التجاوب بين السارد والمناحي المعرفية التي يحاول النص ارتيادها، واصطياد حدودها من خلال فعل الاختيار والتوجيه المستمر. تبدو صورة الغلاف التي تجمع بين بورقيبة والأمين باي آخر ملوك الحسينيين داخلة في نمط التوجيه، ويمكن أن يضاف إلى النسق ذاته لقطة الطفلين في المشهد الأول من الرواية، ونزاعهما على الكرة، حيث سيطر عليها الولد الوسيم، وسقوط الآخر، للكشف عن حتمية فكرة المراجعة حتى للمشاعر وليس فقط للخطابات التي تختار وتؤسس انحيازها دون خبرة وتأمل موضوعيين.
ألاعيب السرد وفجواته تظهر احيانا بالرغم من محاولة تمييعها في نص الرسائل، ففي رسائل الشاذلي هناك إصرار على تقديم صورة مغايرة لبورقيبة، ففي التاريخ المتفق عليه هو الزعيم الأكبر والقائد الذي أهدى التونسيين حريتهم من المستعمر الفرنسي)، ولكن نص الرسائل يقاوم هذه الصورة استنادا إلى التاريخ الذي سوف يظهر الحقيقة، ويخرج للناس الأحداث الواقعية.
إن أية ممارسة للدخول إلى تأويل خاص بالشخصيات في الرواية، يجب أن ينطلق من وجود نوع من المشابهة بين السارد الفعلي في النص (شمس الدين الغانمي) والأمير الشاذلي الباي، فكلاهما ينطلق من الفقد، فالأول من خلال فقدان الشغف والبيت والرفيقة، والأخير فقدان الملك والأبهة، ويظل بسبب ذلك متوجها نحو الماضي، وتتولّد لديه رغبة في تفكيكه وتقليبه على وجوهه المتاحة، وهذا يفقده الرغبة في الاستمرار، والانضمام نحو النسق الجديد، يتجلى ذلك في رسالة من رسائله إلى ليليا (ماذا حدث لنا يا ليليا؟ كيف ذهب كل شيء؟).
إن عطاء الرموز الخاص بالشخصيات أو تأويلها، يجب أن يكون قائما على وعي نقدي، لا يقضي على الماضي أو يشوهه، بل يجعله جزءا لهوية مرنة قابلة للإضافة والمحو، فحين تقول الرواية: (ولكن هذه الرسائل التي تركها الدكتور خياط في مكتبي جعلتني أحدس أن شيئا جديدا يوشك أن ينقض عليّ، أو يطلق ذلك الوحش النائم داخلي، وحش البحث والسؤال) نشعر أن هناك تآزرا بين الفردي والجمعي، وتصبح الشخصيات سواء تاريخية أو آنية واقعية مجرد أدوات داخل فضاء أكبر يكيّف وجودها للبحث عن هوية لا تكف عن مساءلة ماضيها للتصالح مع تاريخها الممتد وفق قراءة موضوعية للإسهامات المؤثرة في هذا التاريخ.

حافظ محفوظ: «اليوم خُلعَ عني الملك»
مسكيلياني، تونس 2021
172 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية