رواية «الرحمة الإلهية»… التحولات الاجتماعية بعد الثورة الطلابية في فرنسا

يُلقي الروائي الفرنسي تيبو دي مونتايجو الضوء على سنوات ما بعد الثورة الطلابيّة في فرنسا عام 1968، التي كانت نقطة تحوّل ثقافية واجتماعية وأخلاقية في تاريخ فرنسا، التحرر من القيود بكل أشكالها الاجتماعية والفكرية، وظهور أنماط وعلاقات اجتماعية جديدة، ونشوء تيارات فكرية وسياسية متنوعة.
في عرض شيّق تأخذنا الرواية في رحلة فكرية ممتعة وعميقة، وهي تبحث في أغوار النفس البشرية، يقول الكاتب إنه تعّرض لحالة اكتئاب مدة أربع سنوات، لم يجد فيها أي معنى للوجود؟ حتى كانت تلك الليلة في صومعة داخل الدير، حيث جاءته النجدة الإلهية، إحساس غريب بتواصل قوي مع الله، لماذا هو الذي كان دائماً ملحداً؟ أي معنى يعطي لهذا الإحساس؟ شخص واحد يستطيع أن يعطيه الجواب كريستيان عمه الراهب في الفرنسيسكان، الذي تعرّف عليه لمدة قصيرة وتوفي في الوقت الذي توطدت علاقته به، وقد علم وهو مذهول بأنه جاءته النجدة الإلهية في عمر السابعة والثلاثين مثله، وكان قد عاش حتى هذا العمر حياة المجون والسهر والانفلات الكامل، من بدلات السهّر إلى ثوب الكاهن، وقدّ اكتشف أن المعركة الذهنية هي أيضاً عنيفة كما هي معارك الرجال.
يبدأ الكاتب في البحث عن حياة عمه السابقة، لا يعرف عنه إلا القليل ، تقوم والدته بمهمة سرد كل ما تعرف عنه، عن طفولته وشبابه، ومحطات حياته المتنوعة، كما يقوم بالاتصال بأصدقائه وزملائه في العمل، يُشيدُ به الجميع، وبشخصيته الجريئة والقوية، ويزودونه بالمعلومات وبكل ما كُتب عنه، كريستيان المنحدر من البورجوازية الفرنسية الذي يبدأ طفولته برعاية والديه، ونرى تعلقه بوالدته، وفي سن الشباب تأخذ حياته منحى آخر، حياة السهر والعبث والجنس والحشيش، وعلى الرغم من كل المكتسبات التي حققها، وحريته المطلقة، إلا أنّ الإحباطات أخذت تلاحقه، في الحب والعمل وعلاقات الصداقة، وشيئاً فشيئاً يتحوّل كريستيان إلى مثلي، يبحث عن اللذة والمتعة ويصبح أسيراً لها، ذات ليلة وهو يبحث عن شريك جنسي في ليل باريس، تتعرّض له مجموعة من الشبان الذين يسرقون محفظته ويشبعونه ضرباً وهم ينعتونه بالمثلي، عنف مجاني وبلا حدود، بعد ذلك يجد نفسه في المشفى بين الموت والحياة ويبقى ثلاثة أشهر فيها، بعد شفائه يصحبه والده في رحلة إلى إسبانيا، وهناك على الطريق تأتيه النجدة الإلهية شعور قوي بوجود الإله بقربه ومناداته له، هذا الشعور العميق سوف يُغيّر مجرى حياته، بعد عودته من رحلته، يبدأ بالبحث عن الإيمان ومعنى الوجود، وهو يقرأ ويبحث في الكتب، وبعد زيارة إلى قرية صغيرة في البوسنة تسمى Medugorje وهي معروفة بأنها مكان للحج بين المسيحيين، يعرفُ كريستيان ما يبحث عنه، ويُقرر الالتحاق بالكنيسة للعمل فيها مع الأخوة الفرنسيسكان، تتلقى العائلة الخبر بذهول وامتعاض، وتتساءل لماذا هذا الخيار؟

هذه الرواية تُجسّد بقوة رحلة البحث الوجودي، مآلات وأحلام جيل استيقظ على واقع جديد، بين حياة الماضي المنفلت عن كل الضوابط، الحياة الزاخرة بالمتع الحسيّة والحرية والتي لم تستطع أن تغطي ثغرات القلق الوجودي عند كريستيان، وحياة الإيمان المُكتشفة والمفعمة بالسكينة والراحة والطمأنينة، وأنّ القوة الإيمانية هي التي تنتصر.

يُودّع أهله وحياته السابقة، ويبدأ العمل في الكنيسة، يخدمها بإيمان عميق وصدق ومشاعر إنسانية فيّاضة، يقوم بمهامه على أكمل وجه بإلقاء الخطب وعمل الصلوات، وإشهّار الزواج والوفاة وعمادة الأطفال، ومساعدة المساكين والفقراء، يُشيدُ الجميع به وبقدراته، هو فصيح اللسان، بليغ الكلام، الذي يُقنع الآخرين بسهولة والذي يعمل دون كلل. يُصاب كريستيان بالإحباط من نتائج الانتخابات التي حدثت في الكنيسة، التي كان يسعى لمركز قيادي فيها، عندما يرى أنّه تم انتخاب من هو أقل كفاءة منه، لا تلين عزيمته ويبقى يعمل بجهد وإخلاص، ورويداً رويداً يكتشف كواليس ما يحدث في الكنيسة، بين الأخوة، ذات ليلة يُطرق باب الكنيسة في آخر الليل، وعندما يفتح الباب يرى امرأة مغربية تطلب النجدة وهي خائفة من رجال يلاحقونها ويريدون الضرر بها، يُدخلها إلى الكنيسة ويعرف أنها مومس، يُهدّئ روعها ويُبقيها ترقد في الكنيسة حتى الصباح، وأبت إنسانيته إلا أن يحميها ويصطحبها في الصباح الباكر إلى سكنها لضمان سلامتها، يكتشف الأخوة في الكنيسة ما حدث، ويرسلون تقريراً به الى الجهات العليا، يتم نقله إلى مكان آخر موحش، يتلقى الأمر بحزن وصبر، وإصرار على تأكيد قناعاته، ويستمر في عمله بهمة عالية، وفي كل مكان يُنقل إليه يعمل دون كلل يُرمم الكنائس ويخدم الفقراء والمساكين من كل الأطياف والملل، يعمل على التخفيف عنهم ومساعدتهم بهمة عالية وعزم وإيمان عميق بدوره الديني والإنساني، وحب الناس البسطاء للأخوة الفرنسيسكان، والتعايش الجميل مع الديانات الأخرى ونراه يقبل دعوة البقال التونسي لشرب الشاي معه، وأكل البقلاوة وكيف تصبح الكنيسة مكان اللقاء للجميع، ونرى في بعض الفعاليات نساء محجبات يُشاركن في التزيين ويُقدّمن أطباق الكسكسي، في انفتاح وتناغم جميل بين مجموعات عرقية ودينية مختلفة.
وفي لقاء مع صحافيّة تُعّدُ مقالاً عن العاملين في الكنيسة، يُدلي كريستيان برأيه بجرأة وبصراحته المعهودة، ما جعل الصحفيّة تُصاب بالذهول وهو يسرّد لها حياته الماضية قبل دخوله إلى الكنيسة، دون إحراج، إيماناً منه بضرورة قول الحقيقة، بصدق ويقين متين بدوره التوعوي والتربوي، وعلى عكس التوجه السائد في الكنيسة بالتعتيم على ماضي العاملين لديها، ليُعطي الأمل للشباب ويُبقي الباب مشرعاً للجميع، ويتم نشر المقال عنه وعن جرأته في الصحيفة.
تتوالى الإحباطات في طريق كريستيان ويزداد شعوره بالوحدة، عندما يرى قرارات إغلاق الكنائس لقلة مرتاديها وعزوف الناس عنها وابتعاد الناس عن الإيمان وانغمارهم بالحياة الدنيوية، وذات يوم وبينما هو يمشي تُزلق ساقه ويقع على الأرض يُكسر حوضه ويبقى في المشفى عدة أشهر وهو يعاني من الألم وبعد فترة قصيرة، يكتشف الأطباء إصابته بالسرطان.
يقع كريستيان مريضاً وهو في قمة عطائه وشبابه وتتوالى فترات دخوله إلى المشفى للعلاج من السرطان، وهو يواجه مرضه بشجاعة وإيمان وصبر حتى ينطفئ بهدوء وتنتهي حياة زاخرة بالعطاء ونكران الذات والتمسّك العميق بالله المنجد.
هذه الرواية تُجسّد بقوة رحلة البحث الوجودي، مآلات وأحلام جيل استيقظ على واقع جديد، بين حياة الماضي المنفلت عن كل الضوابط، الحياة الزاخرة بالمتع الحسيّة والحرية والتي لم تستطع أن تغطي ثغرات القلق الوجودي عند كريستيان، وحياة الإيمان المُكتشفة والمفعمة بالسكينة والراحة والطمأنينة، وأنّ القوة الإيمانية هي التي تنتصر. نُشرت هذه الرواية باللغة الفرنسية وحازت جائزة فلور 2020.

كاتبة سورية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية